لالا تستعيد أبناءها من العالم… هل يتحوّل الاغتراب من حنينٍ إلى قوةٍ تنموية؟

في مهرجان تكريم المغتربين الأول، البلدة تفتح ملفّ العلاقة مع أبنائها المنتشرين: من تحويلات مالية ومساعدات موسمية إلى شراكة في الاستثمار والتنمية وصناعة المستقبل



خاص _ ميديا برس ليبانون

تحقيق: أحمد موسى

#ميديا_برس_ليبانون |ليست كل عودة إلى القرية عودةً من سفر. أحيانًا تكون العودة استعادةً لذاكرة، وأحيانًا تكون استعادةً لدورٍ غاب طويلًا خلف البحار. وفي بلدة لالا في البقاع الغربي، تحوّل اللقاء الأول لتكريم المغتربين إلى مناسبة تتجاوز البعد الاحتفالي، لتفتح سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا يمكن أن يفعل الاغتراب للقرية، وماذا تستطيع القرية أن تقدّم لأبنائها المنتشرين؟.

في الحديقة العامة في لالا، لم يكن المشهد مجرد احتفال بأبناء البلدة الذين حملتهم الهجرة إلى دول مختلفة، بل بدا كأنه محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الداخل والخارج؛ علاقة لطالما قامت على الحنين والتحويلات والمساعدات، فيما المطلوب اليوم أن تنتقل إلى مستوى أكثر إنتاجية: خبرات، استثمارات، مشاريع، شبكات اقتصادية، نقل معرفة، وفرص عمل تعيد وصل المغترب بأرضه لا بصفته ممولًا فقط، بل شريكًا في صناعة مستقبلها.

من ذاكرة الهجرة إلى اقتصاد الاغتراب

أقامت بلدية لالا وأهالي البلدة «مهرجان تكريم المغتربين الأول»، في حضور النائب حسن مراد ممثلًا بالأستاذ محمد نجم الدين، في رسالة تؤكد أن المغترب ليس شخصًا غادر البلدة وانقطعت علاقته بها، بل جزء من رأس مالها البشري والاجتماعي والاقتصادي.

وحضر الاحتفال مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي، والنائب ياسين ياسين، ونواف التقي ممثلًا النائب وائل أبو فاعور، والدكتور محمد نجم الدين ممثلًا النائب حسن مراد، والحاج حسن أسعد ممثلًا النائب الدكتور قبلان قبلان، والمختار غسان سليمان ممثلًا الوزير السابق محمد رحال، والقاضي الشرعي الشيخ طالب جمعة، إلى جانب ضباط ومشايخ وفعاليات سياسية واجتماعية وثقافية، ووكيل داخلية البقاع الغربي في الحزب التقدمي الاشتراكي وعضو بلدية لالا كمال حندوس، وأعضاء المجلس البلدي، والمرشح السابق للانتخابات النيابية في دائرة البقاع الغربي وراشيا الدكتور جهاد الزرزور، ورؤساء بلديات ومخاتير وحشد من أبناء لالا والقرى المجاورة والمغتربين.

لكن أهمية الحضور السياسي والاجتماعي لم تكن في بعدها البروتوكولي فحسب، بل في كونها تعكس حجم الرهان على الاغتراب كأحد المكونات الأساسية لأي مشروع إنمائي مستقبلي في القرى اللبنانية.

ففي ظل أزمة اقتصادية طويلة، وتراجع قدرة الدولة والبلديات على تمويل المشاريع، وتقلص فرص العمل في المناطق الريفية، يصبح المغترب أكثر من فرد يعيش خارج الحدود. إنه خبرة ورأس مال وعلاقات وأسواق ومعرفة.
وهنا تحديدًا تكمن المسألة التي تحتاج إلى الانتقال من الخطاب إلى التطبيق: كيف يمكن تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع مستدامة؟

لالا… عندما يصبح المغترب امتدادًا للقرية

استُهل الاحتفال بآيات من الذكر الحكيم والنشيد الوطني اللبناني، ثم عُرض فيلم وثائقي عن بلدة لالا استعاد تاريخها وذاكرتها وملامحها الاجتماعية.
وتوالت شهادات المغتربين، مستحضرة لحظة الرحيل الأولى، وذاكرة البيوت والأهل والمدرسة والحقول والمناسبات، في مشهد بدا وكأنه يعيد بناء القرية داخل ذاكرة أبنائها.
لكن وراء هذه المشاعر تختبئ حقيقة اجتماعية واقتصادية أكثر عمقًا.

فالهجرة اللبنانية لم تكن يومًا مجرد انتقال جغرافي. لقد خلقت عبر عقود شبكة واسعة من العلاقات بين القرى اللبنانية ومدن العالم. وأصبح لكل بلدة تقريبًا امتداد بشري في الخارج، يحمل اسمها ولهجتها وعاداتها وذاكرتها، وفي كثير من الحالات يساهم في إعالة عائلات وبناء منازل وتمويل تعليم أو مساعدة في أزمات صحية واجتماعية.

غير أن هذا النموذج، على أهميته، يبقى محدودًا إذا بقيت العلاقة محصورة في تحويل المال من الخارج إلى الداخل.
التحدي الحقيقي هو الانتقال من اقتصاد التحويلات إلى اقتصاد الشراكة الاغترابية.

وهذا يعني إنشاء قاعدة بيانات للمغتربين، تحديد اختصاصاتهم ومجالات عملهم، ربط أصحاب المشاريع بالمستثمرين، فتح قنوات لتسويق المنتجات المحلية في الخارج، وتشجيع أبناء البلدة على تأسيس مشاريع إنتاجية في الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة الريفية والخدمات الرقمية.

الغزاوي: من يغادر أرضه لا يغادر وطنه

راعي الاحتفال مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي، نقل المناسبة من بعدها المحلي إلى مساحة وطنية أوسع، مؤكدًا أن الاغتراب اللبناني ليس قصة ابتعاد عن الوطن، بل قصة انتشار للوطن في العالم.

وشدد على أن الإنسان قد يغادر أرضه، لكنه لا يغادر ذاكرته، لأن الوطن ليس جغرافيا فقط، وإنما قيم وأهل وهوية وانتماء.

ورأى أن أبناء لالا المنتشرين في مختلف دول العالم يمثلون وجه لبنان في الخارج، داعيًا إلى الحفاظ على صلتهم بأرضهم وأهلهم وتحويل نجاحاتهم وخبراتهم وعلاقاتهم إلى جسور تخدم وطنهم ومجتمعاتهم المحلية.

والرسالة الأبرز في كلام الغزاوي كانت أن المغترب لا ينبغي أن يُختزل في قدرته على تقديم المساعدة المالية.

فالمغترب يحمل معه علمًا وخبرة وتجربة وعلاقات دولية يمكن أن تصبح أدوات تنموية حقيقية.

وهنا يتحول مفهوم الاغتراب من مصدر تحويلات إلى مصدر معرفة واستثمار وشبكات اقتصادية.

عميري: نريد المغترب شريكًا في صناعة المستقبل

من جهته، وضع رئيس بلدية لالا الدكتور جميل عميري المناسبة في إطار مشروع يتجاوز التكريم الرمزي.

وأكد أن البلدية أرادت أن تقول لأبنائها المنتشرين إنها لم تنسهم، وأنهم ليسوا خارج حدود لالا، مشددًا على ضرورة تطوير التواصل معهم والاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم وعلاقاتهم وتجاربهم.

والأهم أن عميري وضع عنوانًا عمليًا للعلاقة الجديدة: المغترب شريك في القرار الإنمائي والفكري والثقافي والاجتماعي، وليس مجرد داعم مالي عند الحاجة.
وهذه النقلة تحمل أهمية كبيرة في العمل البلدي.

فالبلدية التي تمتلك شبكة من أبنائها في الخارج تستطيع، إذا أحسنت تنظيمها، أن تبني ما يشبه «المجلس الاغترابي» أو منصة دائمة للتواصل مع المغتربين، تكون مهمتها تحديد حاجات البلدة وربطها بالطاقات الموجودة في الخارج.

فقد يكون بين أبناء لالا طبيب قادر على دعم القطاع الصحي، ومهندس يستطيع المساهمة في مشروع بنية تحتية، وخبير تكنولوجيا قادر على تدريب الشباب، ومستثمر يبحث عن فرصة، ورجل أعمال يستطيع فتح سوق للمنتجات المحلية.
عندها يصبح الاغتراب جزءًا من منظومة التخطيط البلدي، وليس مجرد جمهور يعود إلى البلدة في موسم الصيف.
وأكد عميري أن البلدية تريد تثبيت المهرجان كموعد سنوي، وتوسيعه ليصبح منصة للتواصل المستمر بين المقيمين والمغتربين.
وهنا تكمن قيمة المبادرة إذا ما جرى البناء عليها: أن يتحول المهرجان من يوم للتكريم إلى موعد سنوي لعرض المشاريع والفرص الاستثمارية والطاقات الاغترابية.

من التحويلات إلى الاستثمار… المعادلة التي تحتاجها القرى

في لبنان، كثيرًا ما يُنظر إلى المغترب باعتباره صمام أمان للعائلة.
لكن التنمية المستدامة تحتاج إلى شيء مختلف.
المطلوب ليس فقط أن يرسل المغترب المال، بل أن يشارك في إنتاج القيمة داخل بلدته.
يمكن، على سبيل المثال، أن تتحول أموال الاغتراب إلى مشاريع صغيرة ومتوسطة، أو تعاونيات زراعية، أو مشاريع لتصنيع المنتجات الزراعية، أو مسارات للسياحة الريفية، أو منصات إلكترونية لتسويق منتجات البقاع في الأسواق الخارجية.
كما يمكن للخبرات الاغترابية أن تساعد الشباب على اكتساب مهارات جديدة، وربطهم بفرص عمل عن بُعد، وفتح أبواب أمام الشركات المحلية للوصول إلى أسواق جديدة.

وهنا يصبح السؤال: لماذا لا يكون لكل بلدة لبنانية «صندوق تنمية اغترابي» شفاف، يشارك فيه المغتربون طوعًا، وتكون مشاريعه معلنة ومرتبطة بخطة تنموية واضحة؟.

هذه الفكرة، إذا اقترنت بالحوكمة والشفافية والرقابة، يمكن أن تنقل العلاقة بين المغترب والبلدة من المساعدة الفردية إلى الاستثمار الجماعي.

جمعة: قوة الوطن في جمع طاقاته

أما القاضي الشرعي الشيخ طالب جمعة، فأكد أن المغتربين اللبنانيين يمثلون إحدى أهم صور لبنان في العالم، مشددًا على أن نجاحهم مسؤولية وأن علاقتهم بوطنهم لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الحنين.

ورأى أن المغترب اللبناني يحمل اسم بلدته وعاداتها وقيمها، وهو بالتالي سفير غير رسمي للبنان في المجتمعات التي يعيش فيها.
وأكد أن قوة الوطن تكمن في جمع طاقاته لا في تبديدها، وفي تحويل التنوع إلى مصدر غنى.
وهذا البعد الاجتماعي للاغتراب لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي.

فالمغترب الذي يحافظ على علاقته بقريته، ويعود إليها مع أولاده، ويعرّفهم إلى تاريخها وتراثها، يساهم في حماية الذاكرة الاجتماعية للبلدة من الاندثار.
ومن هنا، فإن الاغتراب ليس فقط قضية اقتصاد؛ إنه أيضًا قضية هوية واستمرارية اجتماعية.

التراث… مورد اقتصادي وليس مجرد ذاكرة

في هذا السياق، عُرض وثائقي بعنوان «من تراث القرية اللبنانية» عن راشيا والبقاع الغربي، من إعداد الفنان شوقي دلال، استعاد جوانب من التراث الشعبي والإنساني للمنطقة.

وتكمن أهمية هذا الجانب في أن التراث يمكن أن يتحول من مادة للحنين إلى مورد اقتصادي.

فالحرف التقليدية، والمأكولات الريفية، والمنتجات الزراعية، والبيوت القديمة، والمسارات الطبيعية، والقصص الشعبية، كلها يمكن أن تشكل عناصر في منظومة السياحة الريفية والثقافية.

وإذا استطاعت لالا، بالتعاون مع بلدات البقاع الغربي، بناء منتج سياحي متكامل، فإن المغتربين أنفسهم يمكن أن يتحولوا إلى سفراء له في الخارج.

محمد رحال وبكر عميري: قصة نجاح لا تنتهي عند الحدود

المغترب محمد عمر رحال تحدث عن تجربته في الاغتراب وما رافقها من تحديات ونجاحات، مؤكدًا استمرار ارتباط أبناء لالا ببلدتهم.
كما استعاد المغترب بكر يحيى عميري تجربته، مؤكدًا أن الاغتراب لا يعني اقتلاع الإنسان من جذوره.
وهنا تظهر قيمة أخرى للاغتراب: قصص النجاح نفسها.
فالبلدة التي توثق قصص أبنائها في الخارج تستطيع أن تبني نموذجًا يحتذي به الشباب، وأن تظهر أن الهجرة ليست فقط هروبًا من الأزمة، بل يمكن أن تصبح أيضًا تجربة تعلم وخبرة يمكن استعادتها لخدمة المجتمع.

نزيه أبو زور… حين تختصر القصيدة المسافة

وفي لحظة شعرية حملت وجع الغربة وحنين الأبناء إلى الأهل والأرض، ألقى الشاعر نزيه أبو زور قصيدة من وحي الاغتراب، قبل أن تختتم المناسبة بعرض فلكلوري للدبكة اللبنانية، وعشاء وضيافة على شرف الحضور والمغتربين.
لكن الدبكة، كما القصيدة والفيلم الوثائقي، لم تكن مجرد فقرات فنية.
كانت جزءًا من محاولة لاستعادة الهوية، وإعادة وصل جيل جديد بالقرية التي ربما لم يعش فيها طويلًا، لكنه ورث اسمها وذاكرتها عن آبائه.

من مهرجان إلى مشروع… ماذا بعد؟

نجاح مهرجان تكريم المغتربين الأول في لالا لا يُقاس بعدد الحضور أو حجم الاحتفال، بل بما سيأتي بعده.
فإذا بقيت المناسبة في إطار التكريم السنوي، ستظل حدثًا جميلًا ينتهي بانتهاء السهرة.
أما إذا تحولت إلى منصة تنموية اغترابية، فقد تصبح نموذجًا يمكن أن تستفيد منه بلدات أخرى في البقاع ولبنان.
والخطوة الأولى يمكن أن تبدأ ببناء سجل اغترابي للبلدة، يضم الاختصاصات والمهن وبلدان الإقامة والخبرات ومجالات الاستثمار، مع احترام الخصوصية، ثم إنشاء قناة تواصل دائمة بين البلدية والمغتربين.

بعدها يمكن الانتقال إلى إنشاء محفظة مشاريع صغيرة، ودراسة فرص الاستثمار في الزراعة والسياحة والصناعات الغذائية والطاقة والخدمات الرقمية، وربط أصحاب الأفكار بالمغتربين الراغبين في الاستثمار.
والأهم: الشفافية.

فأي مشروع اغترابي يحتاج إلى ثقة، والثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بنشر الدراسات والكلفة والتمويل والنتائج وآليات الرقابة.

لالا لا تريد عودة المغترب فقط… بل عودة دوره

في نهاية ليلة لالا، اجتمعت ثلاثة أجيال في مشهد واحد: من بقي في الأرض، ومن عاد إليها، ومن حملها معه إلى العالم.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الاحتفال.
فالقرية اللبنانية لا تحتاج من أبنائها المغتربين أن يتذكروا أرضهم فقط، بل تحتاج إلى أن تعيد تعريف العلاقة معهم.
المغترب ليس محفظة مالية، وليس صورة في مهرجان، وليس ضيفًا موسميًا. إنه جزء من رأس مال القرية البشري والاقتصادي والاجتماعي.

ولالا، التي فتحت ذراعيها لأبنائها في مهرجانها الأول، تبدو أمام فرصة لتحويل الحنين إلى مشروع، والذاكرة إلى تنمية، والاغتراب إلى شبكة اقتصادية واجتماعية تمتد من البقاع الغربي إلى العالم.

فمن يغادر أرضه لا يغادر وطنه، كما قال الغزاوي؛ لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل تستطيع البلدة أن تجعل من هذا الوطن الذي يحمله أبناؤها في قلوبهم مشروعًا مشتركًا يبنون به مستقبلًا أفضل حين يعودون… أو حتى وهم بعيدون؟.
وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية الحقيقية للاغتراب:
ليس في المسافة التي تفصل الإنسان عن أرضه، بل في الجسر الذي يستطيع أن يبنيه بينها وبين العالم.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |القسم المحلي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا