مفتي راشيّا الدكتور حجازي: التطاول على رئاسة الحكومة مرفوض… وتعطيل العفو العام لا يبشّر بخير وإلغاء الإعدام قد يشرّع للثأر
لسنا ضد الجيش بل معه… ولمن يتباكى عليه اليوم نسأل: أين كنتم عندما سقط عسكريون في عرسال ونهر البارد؟
ميديا برس ليبانون
أعرب سماحة مفتي راشيا، الشيخ الدكتور وفيق محمد حجازي، عن أسفه الشديد لما آلت إليه جلسة مجلس النواب المخصصة لبحث وإقرار قانون العفو العام، معتبراً أن تعطيل الجلسة وعدم المضي في إقرار القانون، رغم ما قال إنه توافق سابق بين غالبية الكتل النيابية، «لا يبشّر بخير، ويعيد ملفاً إنسانياً واجتماعياً ووطنياً إلى دائرة التجاذب السياسي».
وفي موقف سياسي وقانوني عالي السقف، رفض المفتي حجازي بشدة ما وصفه بـ«التطاول على رئاسة الحكومة والتدخل في صلاحياتها»، مؤكداً أن رئيس الحكومة، القاضي الدكتور نواف سلام، «لا يجوز أن يتحول إلى مكسر عصا لأحد»، وأن ممارسة صلاحياته الدستورية والقانونية لا يمكن أن تكون سبباً للهجوم عليه أو محاولة تعطيل دوره.
وقال إن احترام المؤسسات الدستورية لا يكون انتقائياً، وإن «من يطالب بتطبيق القانون عليه أن يقبل أولاً بسلطة القانون وبحدود الصلاحيات التي رسمها الدستور لكل مؤسسة ومسؤول».
العفو العام… بين العدالة والإنصاف وطيّ ملفات الماضي
ورأى المفتي حجازي أن قانون العفو العام لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للمزايدات السياسية، بل يجب أن يُناقش باعتباره ملفاً وطنياً واجتماعياً وإنسانياً يحتاج إلى مقاربة مسؤولة ومتوازنة، تميّز بين من يمكن أن يشمله العفو وبين الجرائم التي تستوجب بقاء المساءلة والعقاب.
واعتبر أن مسؤولية المجلس النيابي تقتضي الوصول إلى صيغة قانونية واضحة وعادلة، بعيداً عن تعطيل الاستحقاق أو إغراقه في الحسابات السياسية، محذراً من أن استمرار المماطلة «لا يبشّر بخير، خصوصاً بالنسبة إلى العائلات التي تنتظر معالجة أوضاع أبنائها وفق القانون».
وطالب النواب بتحمل مسؤولياتهم الوطنية، والإسراع في استكمال النقاش التشريعي، وعدم السماح بتحويل قانون العفو العام إلى ورقة ضغط في الصراعات السياسية.
«نحن أحرص الناس على الجيش»… ولكن
وفي معرض رده على المواقف التي تربط النقاش حول قانون العفو العام بمسألة حماية المؤسسة العسكرية، شدد المفتي حجازي على أن الدفاع عن الجيش اللبناني لا يحتاج إلى مزايدة من أحد.
وقال: «نحن أحرص الناس على الجيش اللبناني والمؤسسة العسكرية، وكنا ولا نزال نطالب بدعمها والحفاظ عليها، لأنها مؤسسة وطنية جامعة، وحمايتها مسؤولية جميع اللبنانيين».
وأضاف: «ولكن لمن يتباكى اليوم على الجيش، نسأل: أين كنتم عندما سقط عسكريون في محطات مختلفة؟ وأين كنتم عندما قُتل الطيار سامر حنا؟ وأين كنتم عندما سقط عسكريون في عرسال ونهر البارد؟».
واعتبر أن استحضار الجيش في كل نقاش سياسي أو تشريعي لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل معالجة ملفات اجتماعية وقانونية، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية «أكبر من أن تكون مادة للمزايدات السياسية».
«لا تختبروا صبرنا»… والدستور هو سقف الخلاف
وفي لهجة حازمة، قال المفتي حجازي: «إذا كان بعضهم يريد افتعال مشكلة ووضع العقبات أمام إقرار قانون العفو العام بحجج ودعاوى متعددة، فنقول لهم: لا تختبروا صبرنا، وليكن النقاش تحت سقف الدستور والقانون».
واستهجن تعطيل الجلسة النيابية، معتبراً أن المؤسسات الدستورية وجدت لتعمل وتنتج التشريعات، لا لتتحول إلى ساحات لتعطيل الاستحقاقات.
وأكد أن الاختلاف في الرأي حق مشروع، وأن المعارضة السياسية حق دستوري، لكن «التعطيل المستمر للمؤسسات ليس بديلاً عن النقاش المسؤول، ولا يمكن أن يحل محل التصويت والقرار».
«رئيس الحكومة ليس مكسر عصا لأحد»
وفي دفاعه عن موقع رئاسة الحكومة، شدد المفتي حجازي على أن رئيس الحكومة اللبنانية «ليس مكسر عصا لأحد»، ولا يجوز التعامل مع هذا الموقع الدستوري بهذه الطريقة.
وقال: إن المطلوب من الجميع هو «احترام الدستور والمؤسسات وتطبيق القانون بحذافيره»، مشيراً إلى أن أي خلاف حول تفسير النصوص أو ممارسة الصلاحيات يجب أن يعالج ضمن المؤسسات المختصة، لا عبر حملات سياسية أو إعلامية.
وأضاف أن حماية موقع رئاسة الحكومة لا تعني منح رئيس الحكومة حصانة من النقد، وإنما تعني احترام الموقع الدستوري وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى استهداف شخصي.
«التاريخ سيسجل من دعم العفو ومن عطّله»
وثمّن المفتي حجازي المواقف النيابية والسياسية الداعمة لإقرار قانون العفو العام، معتبراً أن هذا الملف سيشكل اختباراً حقيقياً للمسؤولية السياسية والوطنية.
وقال إن التاريخ «سيحفظ مواقف كل من ساهم في دعم إقرار القانون، كما سيسجل مواقف من عمل على تعطيله».
وأضاف أن المطلوب اليوم ليس البحث عن انتصار فريق على آخر، بل الوصول إلى قانون متوازن يحقق العدالة ويحفظ حقوق الضحايا ويعالج الحالات التي يمكن أن يشملها العفو وفق معايير قانونية واضحة.
إلغاء عقوبة الإعدام… «ماذا يفعل أهل القتيل؟»
وفي ملف متصل بالعدالة الجنائية، انتقد المفتي حجازي الدعوات إلى إلغاء عقوبة الإعدام، معتبراً أن إلغاء العقوبة بصورة مطلقة، من دون توفير منظومة بديلة تحقق الردع والعدالة، قد يؤدي إلى نتائج اجتماعية خطيرة.
وقال إن المسألة لا ينبغي مقاربتها فقط من زاوية العقوبة، بل أيضاً من زاوية حقوق الضحايا وعائلاتهم.
وتساءل: «ماذا سيفعل أهل القتيل عندما لا يؤخذ بحق قاتل ابنهم؟ ومن يضمن ألا يتحول شعورهم بالظلم إلى ثأر وانتقام خارج إطار الدولة والقانون؟».
ورأى أن إلغاء العقوبة من دون معالجة جذور ظاهرة الثأر والانتقام قد يخلق فراغاً في الردع، معتبراً أن الدولة مطالبة بأن تكون المرجعية الوحيدة في تحقيق العدالة وإنزال العقوبات.
وأكد أن مواجهة الثأر لا تكون بإضعاف العقوبة القانونية، بل بتعزيز القضاء وتطبيق القانون بصورة عادلة وسريعة، بحيث لا يشعر أهل الضحية أن العدالة غائبة أو أن دماء أبنائهم بلا حماية.
العدالة ليست انتقاماً… والدولة هي المرجع
وفي قراءة أوسع، شدد المفتي حجازي على أن المجتمع لا يستطيع بناء دولة مستقرة إذا فقد المواطنون الثقة بقدرة المؤسسات القضائية على تحقيق العدالة.
وقال إن المطلوب هو «دولة قوية بقانونها، عادلة في أحكامها، حازمة في تطبيقها»، لأن الفراغ الذي تتركه العدالة الرسمية يمكن أن تملأه أشكال متعددة من الانتقام الفردي والعشائري والثأري.
وأضاف أن الحفاظ على هيبة الدولة لا يكون فقط بتشديد العقوبات، ولا بإلغائها، وإنما بضمان أن تكون العدالة «سريعة ونزيهة وقابلة للإنفاذ».
صرخة في وجه التعطيل
وفي ختام موقفه، دعا المفتي حجازي جميع القوى السياسية والنيابية إلى الارتقاء فوق الحسابات الضيقة، وإعادة المؤسسات إلى دورها الطبيعي، مؤكداً أن الملفات الحساسة، من العفو العام إلى العدالة الجنائية وصلاحيات المؤسسات الدستورية، لا تحتمل المناورات المفتوحة.
وقال إن لبنان يحتاج في هذه المرحلة إلى «تغليب منطق الدولة على منطق الشارع، ومنطق القانون على منطق الثأر، ومنطق المؤسسات على منطق التعطيل».
وختم المفتي حجازي بالقول: «حَمَى اللهُ لبنانَ من كيد الكائدين، ووفّق جميع المسؤولين لما فيه خير الوطن والعباد، وحفظ الجيش والمؤسسات الدستورية والقضائية، وجعل القانون فوق الجميع، والعدالة ميزاناً لا يميل».
هذه الصياغة تصلح للنشر كموقف سياسي–دستوري متكامل، مع إبقاء العبارات الحادة منسوبة بوضوح إلى المفتي حجازي وعدم تقديمها كحقائق مستقلة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون | القسم المحلي



اترك تعليقًا