نموذج اليمن.. حين تصبح القوة شرطًا للاستقلال ودرسًا للأنظمة العربية والإسلامية
ميديا برس ليبانون
■ أسامة ساري
ليست القوة في منطق الدول ترفًا سياسيًا، ولا امتلاك أدوات الردع تفصيلًا ثانويًا في معادلة الاستقلال. فالتاريخ الحديث يؤكد أن الدول التي تملك القدرة على حماية قرارها ومصالحها هي الأكثر قدرة على فرض حضورها، بينما تتحول الدول التي تفتقد عناصر القوة إلى ساحات مفتوحة للضغوط والإملاءات.
وفي هذا السياق، يستحضر القرآن الكريم قاعدة واضحة في بناء القوة والردع:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.
بعيدًا عن توظيف الآية في الصراعات السياسية اليومية، فإن جوهرها في هذا السياق يرتبط بمبدأ الاستعداد وعدم ترك البلاد والمجتمعات في موقع العجز أمام التهديدات.
اليمن.. تجربة مختلفة في معادلة الردع
تطرح التجربة اليمنية خلال السنوات الأخيرة نموذجًا يستحق الدراسة، خصوصًا لناحية بناء القدرات العسكرية المحلية وتطويرها، وعدم حصر مصادر القوة في الاستيراد الخارجي.
فاليمن، رغم أزماته الاقتصادية والسياسية والإنسانية العميقة، تمكن من بناء قدرات عسكرية محلية أتاحت له امتلاك أدوات ضغط وردع تتجاوز بكثير حجمه الاقتصادي التقليدي.
وهنا تكمن المفارقة.
ففي عالم تُقاس فيه قوة الدول عادة بحجم اقتصاداتها وتحالفاتها الدولية، أثبتت التجربة اليمنية أن امتلاك وسائل الردع يمكن أن يغيّر حسابات الخصوم، حتى عندما تكون الدولة نفسها محدودة الموارد.
وهذا لا يعني أن القوة العسكرية وحدها تصنع الدولة القوية، ولا أن الحروب تحقق بالضرورة مصالح الشعوب. لكنه يعني أن غياب القدرة على الردع يجعل الخيارات السياسية أضيق، ويمنح الطرف الأقوى قدرة أكبر على فرض شروطه.
السلاح المحلي.. من ورقة ضغط إلى قرار مستقل
أحد أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة اليمنية هو أهمية امتلاك القدرة على الإنتاج والتطوير المحلي للمنظومات العسكرية.
فالدولة التي تعتمد بصورة كاملة على الخارج في تسليحها قد تجد نفسها أمام قيود سياسية عندما تتغير مواقف الدول الموردة أو تتعارض مصالحها معها.
أما تطوير قاعدة صناعية وتقنية وطنية، فيمنح القرار السياسي هامشًا أوسع من الاستقلال.
وهنا تتجاوز المسألة فكرة امتلاك السلاح إلى سؤال أكبر:
من يملك قرار استخدام القوة، ومن يملك القدرة على منع الآخرين من فرض شروطهم؟
إنها معادلة السيادة في عالم لا تزال فيه موازين القوة تلعب دورًا حاسمًا في تحديد العلاقات الدولية.
لماذا تخشى الدول الكبرى من انتشار نموذج الردع؟
تاريخ المنطقة العربية مليء بتجارب عسكرية وسياسية أظهرت أن التفوق العسكري الإسرائيلي لم يكن منفصلًا عن البيئة الاستراتيجية المحيطة به.
ولهذا فإن مسألة امتلاك الدول العربية والإسلامية لقدرات عسكرية متقدمة لا يمكن فصلها عن التوازن الإقليمي.
لكن المشكلة لا تكمن في امتلاك السلاح وحده، بل في غياب منظومة متكاملة تجمع بين العلم، والصناعة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والقرار السياسي المستقل.
فالصاروخ أو الطائرة أو منظومة الدفاع ليست مجرد قطعة عسكرية؛ إنها نتاج جامعات ومراكز أبحاث ومصانع وسلاسل إمداد واستثمارات طويلة الأمد.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين دولة تشتري السلاح ودولة تمتلك المعرفة التي تمكنها من إنتاجه وتطويره.
القوة لا تعني الحرب
أهم درس ربما يجب استخلاصه من هذه التجربة هو أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة استخدامها.
فالردع الحقيقي يتحقق عندما يدرك الخصم أن كلفة الاعتداء ستكون مرتفعة، وأن الطرف المقابل يمتلك القدرة على حماية نفسه والرد على أي تهديد.
ومن هذه الزاوية، تصبح القوة وسيلة لحماية القرار السياسي، لا بديلًا عنه.
الدول التي تمتلك اقتصادًا قويًا، وصناعة متقدمة، وجيشًا قادرًا، ومنظومة دفاعية فعالة، تكون عادة أكثر قدرة على التفاوض من موقع الندية.
أما الدولة التي تفتقد هذه العناصر، فقد تجد نفسها مضطرة إلى قبول شروط الآخرين حتى عندما تتعارض مع مصالحها.
الدرس العربي والإسلامي
السؤال الذي تفرضه التجربة اليمنية على الأنظمة العربية والإسلامية ليس: هل ينبغي خوض الحروب؟. بل سؤال أكثر عمقًا: هل تستطيع هذه الدول أن تبني قوة وطنية تحمي استقلال قرارها؟.
القوة المطلوبة ليست عسكرية فقط. إنها قوة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وغذائية وأمنية وسياسية.
فالدولة التي تستورد غذاءها وسلاحها وتقنياتها، وتعتمد في أمنها على مظلة خارجية، ستكون قدرتها على اتخاذ قرار مستقل محدودة مهما بلغ حجم ثرواتها.
أما بناء منظومة وطنية متكاملة للقوة، فيمنح الدولة مساحة أكبر للتحرك، ويجعل مصالحها الوطنية أساسًا لعلاقاتها الدولية بدل أن تكون مجرد تابع في معادلات الآخرين.
اليمن.. رسالة إلى المنطقة
قد يختلف العرب والمسلمون في تقييم التجربة اليمنية سياسيًا، وقد يختلفون حول خياراتها ونتائجها وكلفتها الإنسانية والاقتصادية، لكن تجاهل أحد أبرز دروسها سيكون خطأ استراتيجيًا.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن امتلاك أدوات القوة قادر على تغيير الحسابات، وأن الطرف الذي لا يملك وسائل الردع يجد نفسه غالبًا أمام خيارات محدودة.
والأهم أن بناء القوة لا يبدأ من ساحات القتال، بل من المدرسة والجامعة والمختبر والمصنع، ومن اقتصاد قادر على تمويل البحث العلمي، ومن سياسة صناعية تضع التكنولوجيا والمعرفة في قلب مشروع الدولة.
إن الأمة التي تريد استقلال قرارها لا تستطيع أن تستعير قوتها إلى الأبد.
المنطقة بين السلام والسيادة
ليس المطلوب أن تتحول المنطقة إلى سباق تسلح مفتوح، ولا أن تصبح الحرب قدرًا دائمًا لشعوبها.
المطلوب هو أن تتعلم الدول العربية والإسلامية أن السلام المستدام يحتاج إلى قوة تحميه، والسيادة تحتاج إلى قدرة تصونها، والاستقلال السياسي يحتاج إلى قاعدة اقتصادية وعلمية وعسكرية تمنع الآخرين من ابتزاز القرار الوطني.
وهنا يمكن أن يصبح «نموذج اليمن» موضوعًا للدراسة لا من زاوية الحرب وحدها، بل من زاوية أوسع: كيف استطاع بلد محدود الموارد أن يطوّر أدوات ردع غيّرت حسابات خصومه؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن تطرحه العواصم العربية والإسلامية بجدية.
ففي عالم تحكمه موازين القوة، لا يكفي أن تمتلك الأمة الحق؛ عليها أيضًا أن تمتلك القدرة على حماية هذا الحق. إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون | قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا