قانون الإعلام أمام اختبار التصحيح: هل يفتح بول مرقص معركة إغلاق ثغرة السجن؟
ميديا برس ليبانون
#ميديا_برس_ليبانون |لم يكد قانون الإعلام الجديد يخرج من الهيئة العامة لمجلس النواب حتى بدأت الأسئلة تتكاثر حول ما إذا كان الإصلاح التشريعي الذي حمله القانون قد اكتمل فعلًا، أم أنّ بعض مواده تركت أبوابًا خلفية تعيد عقوبة السجن إلى قضايا النشر من نافذة أخرى. وفي هذا السياق، علمت «ميديا برس ليبانون» أنّ وزير الإعلام بول مرقص يتجه إلى تقديم تعديلات على القانون، تتركز بصورة أساسية على الفقرتين (ب) و(ج) من المادة 104، بهدف معالجة الثغرة التي أبقت احتمال العقوبة السجنية قائمًا في بعض القضايا المرتبطة بالنشر.
إصلاح تشريعي أم ثغرة قابلة لإعادة إنتاج الماضي؟
بحسب المعلومات المتوافرة، فإن جوهر التعديل المرتقب لا ينطلق من إعادة النظر في القانون برمّته، بل من محاولة تصحيح تناقض تشريعي يهدد إحدى أبرز فلسفات القانون الجديد: الانتقال من منطق العقوبات السالبة للحرية في قضايا التعبير والنشر إلى منطق المسؤولية المدنية والغرامات.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية؛ فالقانون الذي قُدّم بوصفه خطوة إصلاحية في مجال الإعلام وحرية التعبير، يمكن أن يفقد جزءًا من أثره إذا بقيت نصوص تسمح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بفتح الطريق أمام العقوبة السجنية.
ومن هذه الزاوية، تبدو المادة 104 أكثر من مجرد مادة قانونية قابلة للتعديل، إذ تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى اتساق التشريع الجديد مع فلسفته الإصلاحية.
المسؤولية هنا تشريعية قبل أن تكون تنفيذية
المفارقة الثانية تكمن في طريقة إقرار القانون. فبحسب المعلومات، أُقرّ القانون في الهيئة العامة بصورة مستعجلة، رغم وجود تعديلات وملاحظات كانت مطروحة لمعالجة عدد من الثغرات، وفي مقدمها الاعتراضات المتعلقة بالمادة 104.
وبالتالي، فإن النص الذي وصل إلى صيغته النهائية لا يمكن تحميل مسؤولية ثغراته للسلطة التنفيذية وحدها، إذ إن مجلس النواب هو الجهة التي أقرت النص النهائي.
وهذا التفصيل مهم سياسيًا وتشريعيًا، لأن محاولة وزارة الإعلام معالجة الخلل لاحقًا تعني عمليًا الدخول في مسار تصحيحي لقانون سبق أن أقرّه المجلس النيابي.
ترحيب دولي يقابله تدقيق حقوقي داخلي
ورغم الاعتراض على بعض المواد، فإن الصورة العامة للقانون مختلفة تمامًا. فقد حظي بإشادة دولية وحقوقية واسعة، ولا سيما لجهة ما يتضمنه من إصلاحات مرتبطة بحماية الصحافيين، وتعزيز حرية الإعلام والتعبير، وتحديث الإطار الناظم للعمل الإعلامي.
كما رحّب الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بإقرار القانون، معتبرين أنه يتضمن إصلاحات مهمة في مجال حرية الإعلام وحماية الصحافيين، فيما اعتبرت اليونسكو القانون محطة مهمة في مسار تحديث التشريعات الإعلامية في لبنان.
كذلك، رحّبت مؤسسة «مهارات» وتحالف حرية الرأي والتعبير بالمكاسب التي حملها القانون، لكن مع التشديد على أن الإصلاح لا يكتمل من دون معالجة المادة 104، إلى جانب مواصلة العمل باتجاه إلغاء تجريم ما يُسمى بـ«الأخبار الكاذبة».
المادة 104: تفصيل قانوني أم عقدة الإصلاح؟
الخطورة في الإبقاء على ثغرات من هذا النوع لا ترتبط فقط بعدد القضايا التي يمكن أن تطالها، بل بالرسالة التي يوجهها النص إلى الصحافي والمؤسسة الإعلامية والرأي العام.
فإذا كان الهدف من القانون هو تعزيز حرية التعبير وتوفير حماية أكبر للعمل الصحافي، فإن إبقاء احتمال السجن في قضايا مرتبطة بالنشر يخلق منطقة رمادية قانونية يمكن أن تؤثر في الممارسة الإعلامية، حتى قبل الوصول إلى المحاكم.
وهنا يصبح السؤال الأهم: هل يستطيع الصحافي أن يمارس دوره الرقابي بحرية إذا ظل احتمال العقوبة السالبة للحرية حاضرًا في بعض النصوص؟
مرقص أمام مهمة تصحيح لا إعادة صياغة
إذا صحت المعلومات حول التعديل المرتقب، فإن وزير الإعلام بول مرقص سيكون أمام مهمة دقيقة: تصحيح الثغرة من دون المساس بالمكتسبات التي حققها القانون الجديد.
فالهدف ليس العودة إلى نقطة الصفر، بل إغلاق الأبواب التي بقيت مفتوحة أمام العقوبات السجنية، وتحصين القانون بما يجعله أكثر انسجامًا مع المعايير التي رحبت بها الجهات الدولية والحقوقية.
لكن نجاح هذه الخطوة لن يتوقف على موقف وزارة الإعلام وحدها، بل على استعداد مجلس النواب لإعادة فتح النقاش في المواد محل الاعتراض، وتحويل الملاحظات الحقوقية والمهنية إلى تعديلات تشريعية واضحة وغير قابلة للتأويل.
معركة القانون تبدأ بعد إقراره
في الظاهر، أُقرّ قانون الإعلام الجديد باعتباره خطوة إصلاحية طال انتظارها. لكن في العمق، يبدو أن المعركة التشريعية الحقيقية بدأت بعد التصويت عليه.
فالقانون لا يُقاس فقط بما ألغاه، بل أيضًا بما أبقاه من نصوص قابلة لإعادة إنتاج العقوبات القديمة. وبين إشادة دولية واسعة وثغرة محلية تثير القلق، تقف المادة 104 عند تقاطع حساس بين حرية الصحافة وسلطة النص القانوني.
ويبقى السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة: هل ينجح مرقص في تحويل التعديل المرتقب إلى عملية تصحيح تشريعي حقيقية، أم تبقى المادة 104 ثغرة مفتوحة في قانون قُدّم للبنانيين باعتباره قانونًا جديدًا للإعلام والحريات؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والتحليل



اترك تعليقًا