“كامد اللوز” تفتح أبوابها للسياحة القروية: أسبوعٌ من الناس والذاكرة والآثار يصنع خريطةً جديدة للبقاع الغربي

“كامد اللوز” تفتح أبوابها للسياحة القروية: أسبوعٌ من الناس والذاكرة والآثار يصنع خريطةً جديدة للبقاع الغربي

تحقيق: ميديا برس ليبانون

■ أحمد موسى

لم يكن «الأسبوع القروي الثاني» في كامد اللوز مجرد سلسلة من الأمسيات الترفيهية أو تجمع صيفي عابر، بل بدا أقرب إلى اختبار عملي لقدرة البلدة على تحويل مقوماتها الاجتماعية والطبيعية والتاريخية إلى مشروع سياحي قابل للنمو.

حين تتحول البلدة إلى وجهة

ففي منتزه البلدة قرب البركة، التقى أهالي كامد اللوز بأبناء البلدات المجاورة والمغتربين والزوار، ضمن خمسة أيام من النشاطات التي اختتمت بتكريم عدد من المشاركين وتقديم جوائز رمزية، وسط حضور لافت لشخصيات سياسية وثقافية وإعلامية وبلدية واختيارية، إلى جانب عدد من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن خلف مشهد الاحتفال، تبرز أسئلة أكبر: هل تستطيع كامد اللوز أن تنتقل من مهرجان موسمي إلى وجهة سياحية ريفية مستدامة؟ وهل يمكن للآثار والطبيعة والذاكرة الشعبية أن تتحول إلى اقتصاد محلي يخلق فرصاً لأبناء البلدة؟

من ثلاثة أيام إلى خمسة… والأرقام تكشف حجم التحول

النجاح الذي حققه النشاط الأول العام الماضي، والذي امتد لثلاثة أيام، دفع المجلس البلدي إلى توسيع التجربة هذا العام لتصبح خمسة أيام متتالية.

نائب رئيس بلدية كامد اللوز خالد غندور يؤكد أن الحضور الشعبي شكّل المؤشر الأبرز على نجاح التجربة، مشيراً إلى أن عدد المشاركين اليومي تجاوز خمسة آلاف، فيما اقترب الحضور في إحدى الأمسيات، التي شارك فيها مؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي، من عشرة آلاف شخص.

وبحسب عضو اللجنة المنظمة المهندس جميل فارس، فإن إجمالي المشاركة خلال أيام الأسبوع القروي قارب 35 ألف مشارك، مع نسبة حضور من خارج البلدة قاربت 50 في المئة، فيما شكّل المغتربون الموجودون في كامد اللوز نحو 30 في المئة من الحضور، وفق تقديراته.

هذه الأرقام، بصرف النظر عن اختلافها بين يوم وآخر، تكشف عن حقيقة اقتصادية وسياحية أساسية: هناك طلب حقيقي على السياحة المحلية والفعاليات القروية عندما تكون منظمة وقريبة من الناس ومتصلة بهوية المكان.

كامد اللوز… السياحة لا تبدأ من المهرجان بل من التاريخ

المعادلة التي تحاول بلدية كامد اللوز تثبيتها تتجاوز فكرة المهرجان.

فالبلدة، وفق ما يطرحه غندور، تمتلك مخزوناً أثرياً وتاريخياً كبيراً، فيما يشير إلى أن علماء آثار زاروا المنطقة ولفتوا إلى أهمية موقعها ووجود آثار في مناطق مختلفة منها.

ومن هنا تأتي المطالبة بوزارة الثقافة ووزارة السياحة بإيلاء البلدة اهتماماً أكبر، والبدء بدراسات علمية وعمليات تنقيب تكشف ما تختزنه الأرض من آثار.

وهنا تحديداً تكمن النقطة الأكثر أهمية في مستقبل كامد اللوز السياحي.

فالاحتفال يجذب الزائر ليوم واحد، أما الآثار فتمنحه سبباً للعودة.

وإذا ما جرى تطوير المسارات الأثرية، وتأهيل المواقع، ووضع لوحات تعريفية، وإعداد خرائط سياحية، وربط المواقع الأثرية بالمطاعم والمنتجات المحلية والمساحات الطبيعية، يمكن للبلدة أن تتحول تدريجياً إلى نموذج متكامل للسياحة الريفية في البقاع الغربي.

البركة والحدائق… البنية التحتية الطبيعية تصنع الفرق

من عناصر نجاح الأسبوع القروي، وفق اللجنة المنظمة، المساحة الواسعة للحدائق المحيطة بالبركة، والتي تقدر بنحو 40 دونماً، إضافة إلى مواقف مجانية للسيارات، وأماكن مخصصة للأطفال، ومصلّى وحمامات.

وهذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها في الحساب السياحي ليست هامشية.

فالزائر يبحث عن المكان والتجربة والخدمة في وقت واحد. وكلما توفرت هذه العناصر ضمن بيئة نظيفة وآمنة ومنظمة، ارتفعت قدرة الموقع على استقبال أعداد أكبر من الزوار.

ويشير فارس إلى أن تنظيم النشاط لم يكن عبئاً مالياً كبيراً على البلدية، إذ جرى تمويل النفقات من مساهمات التجار المشاركين، والتي تراوحت بين 100 و200 دولار، بحسب المساحة التي يشغلها كل مشارك.

وهنا تظهر تجربة اقتصادية قابلة للتطوير: المهرجان يستطيع أن يمول جزءاً من نفسه عندما يتحول إلى منصة تجمع الزائر بالمنتج المحلي.

التجارة المحلية تدخل على خط السياحة

لم يقتصر الأسبوع القروي على الترفيه، بل أتاح لأصحاب المطاعم والمحال التجارية والمؤسسات الاقتصادية في البلدة والجوار عرض منتجاتهم ضمن مساحات لقاء رمزية.

وهذه النقطة قد تكون واحدة من أهم نتائج النشاط، لأنها تنقل المهرجان من خانة الإنفاق الاستهلاكي إلى خانة تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.

فالزائر الذي يأتي إلى كامد اللوز لا يشتري تذكرة فحسب؛ قد يتناول الطعام، ويشتري منتجاً محلياً، ويستخدم خدمات البلدة، وربما يعود في مناسبة أخرى.

ومن هنا، فإن تطوير السياحة القروية يعني تحويل كل زيارة إلى سلسلة اقتصادية يستفيد منها المطعم، والمحل، والحرفي، والمزارع، وسائق النقل، وأصحاب المنتجات الغذائية والتراثية.

من «كرنفال» صيفي إلى هوية قروية لبنانية

ابن البلدة عبد الباسط بكري وصف الأسبوع القروي بأنه «كرنفال لبناني قروي مصغر»، معتبراً أنه شكل نقلة نوعية للسياحة في كامد اللوز والبقاع.

لكنه يذهب أبعد من الاحتفال، مقترحاً توسيع البرنامج ليشمل الموسيقى والدبكة والرقص والغناء الشعبي والفولكلور، بما يسمح باكتشاف المواهب الشابة من أبناء البلدة والبلدات المجاورة.

وهذه المقاربة تضع النشاط أمام فرصة مهمة: تحويل المهرجان إلى مساحة لإعادة إنتاج التراث المحلي، لا مجرد استحضاره.

فالدبكة، والأغنية الشعبية، والحرف، والأطعمة التقليدية، واللباس التراثي، والحكايات المحلية، كلها عناصر يمكن أن تصبح جزءاً من منتج سياحي متكامل.

المغتربون… قوة سياحية واقتصادية لا ينبغي إهمالها

المغترب حسن علي رأى في الأسبوع القروي نشاطاً «متوسطاً في حجمه، كبيراً في قيمته الآنية والمستقبلية»، معتبراً أن كامد اللوز تمتلك تاريخاً يمكن البناء عليه لتطوير السياحة.

واللافت أن حضور المغتربين في النشاط لا يحمل قيمة اجتماعية فقط.

فالمغترب هو في الوقت نفسه زائر، ومستهلك، وسفير لبلدته، ومصدر محتمل للاستثمار.

ولهذا فإن استعادة العلاقة بين الاغتراب والبلدة يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية سياحية أوسع، عبر تشجيع المغتربين على الاستثمار في بيوت الضيافة، والمطاعم الريفية، والمشاريع الزراعية والسياحية، والحرف والمنتجات المحلية.

المرأة والشباب… الوجه الاجتماعي للسياحة القروية

في شهادات المشاركات، برزت أهمية مشاركة النساء والصبايا في الأنشطة التجارية والاجتماعية، إلى جانب حضور العائلات والأصدقاء.

وتؤكد تالين، من أبناء البلدة، أن من أبرز إيجابيات الأسبوع القروي جمع أهالي كامد اللوز بأصدقائهم وأقاربهم من البلدات المجاورة، وتعزيز التواصل بين الناس.

أما سارة، فتشير إلى أهمية مشاركة الأصدقاء والطلاب والزوار من البلدات القريبة، وخصوصاً جب جنين، مشيدة بما وصفته بالتنظيم والنظافة والاهتمام براحة المشاركين.

وهنا يظهر البعد الاجتماعي للسياحة الريفية: الزائر لا يأتي إلى قرية فقط، بل يأتي إلى مجتمع.

وكلما كان المجتمع مضيافاً ومنظماً ومشاركاً، أصبحت التجربة السياحية أكثر قدرة على ترك أثر إيجابي لدى الزائر.

ما بعد المهرجان… الاختبار الحقيقي

النجاح الكبير الذي حققه الأسبوع القروي يفتح الباب أمام تحدٍ أكبر: كيف تتحول التجربة من حدث سنوي إلى استراتيجية سياحية؟

الخطوة الأولى تتمثل في إعداد روزنامة سنوية للفعاليات، لا تقتصر على أسبوع واحد.

والخطوة الثانية هي تطوير الهوية السياحية للبلدة من خلال شعار ومسار سياحي واضحين يربطان بين الآثار والطبيعة والتراث والمطبخ المحلي.

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في إعداد ملف متكامل بالتعاون مع وزارتي الثقافة والسياحة، يتضمن المواقع الأثرية، والمساحات الطبيعية، والاحتياجات المطلوبة، وإمكانية تطوير مسارات للزوار.

ويبقى الاستثمار في البنية التحتية السياحية ضرورياً، ولا سيما تأهيل الطرق، والإشارات، والمواقف، والنظافة، والخدمات العامة، وإيجاد أماكن إقامة ولو بأعداد محدودة في المرحلة الأولى.

كامد اللوز أمام فرصة لا تتكرر

أثبت «الأسبوع القروي الثاني» أن كامد اللوز تمتلك ما هو أهم من مجرد موقع لإقامة مهرجان: تمتلك جمهوراً، وبيئة طبيعية، وذاكرة تاريخية، ومجتمعاً قادراً على التنظيم، ومغتربين يمكن استقطابهم، وبلدات مجاورة مستعدة للمشاركة.

لكن التحدي الآن هو عدم ترك هذه العناصر منفصلة.

فإذا نجحت البلدية والجهات الرسمية والأهلية والاقتصادية في جمع الآثار مع الطبيعة، والتراث مع الترفيه، والزراعة مع المطاعم، والاغتراب مع الاستثمار، والإعلام مع الترويج السياحي، فإن كامد اللوز تستطيع أن تنتقل من بلدة تستضيف مهرجاناً صيفياً إلى وجهة ريفية حقيقية على خريطة السياحة اللبنانية.

والأهم أن نجاح التجربة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الزوار الذين حضروا في خمس ليالٍ، بل بعدد الذين سيعودون إلى كامد اللوز بعد انتهاء الأضواء، وبعدد المشاريع التي يمكن أن تولد من هذه الحركة، وبقدرة البلدة على تحويل تاريخها المدفون في الأرض إلى مستقبل اقتصادي حيّ فوقها.

كامد اللوز فتحت الباب… ويبقى القرار في تحويل الأسبوع القروي من مناسبة ناجحة إلى مشروع سياحي مستدام.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات _ سياحة


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا