من غزّة البقاعية: دمشق تفتح صفحة جديدة مع بيروت.. علاقات دولة لدولة بلا تدخل


مستشار الخارجية السورية بسام الطراس: نريد أفضل العلاقات الأخوية مع لبنان.. ومراجعة ملفات الاقتصاد والاستثمار والحدود على الطاولة

ميديا برس ليبانون |في لحظة إقليمية تتبدّل فيها قواعد العلاقة بين دمشق وبيروت، تبدو العلاقة السورية–اللبنانية أمام اختبار إعادة بناء الثقة، بعدما أثقلت السنوات الماضية الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية بإرث من التوترات والتدخلات المتبادلة.

ومن بلدة غزّة في البقاع الغربي، جاء خطاب سوري رسمي بنبرة مختلفة، حمله مستشار وزارة الخارجية السورية الدكتور بسام الطراس، معلنًا أن الحكومة السورية الجديدة تريد بناء “أفضل العلاقات الأخوية مع لبنان”، ولكن وفق قاعدة واضحة: علاقات دولة لدولة، من دون تدخل في الشؤون الداخلية لأي من البلدين.

وجاء ذلك خلال لقاء سياسي حمل عنوان “العلاقة الندية بين دولتي لبنان وسوريا”، استضافه الناشط نجيب المجذوب في منزله، بمشاركة رؤساء بلديات ومخاتير وشخصيات فكرية وثقافية وقانونية واجتماعية وسياسية وإعلامية من البقاع الغربي وراشيا.

دمشق: إعادة ترتيب البيت الداخلي أولاً

الرسالة الأبرز في كلام الطراس تمثلت في ربط الانفتاح على لبنان بمسار أوسع تعمل عليه الحكومة السورية الجديدة لإعادة ترتيب الوضع الداخلي ومعالجة ما وصفه بـ“التركات السيئة” للنظام السابق.

وبحسب الطراس، فإن من أبرز هذه التركات العلاقات المتوترة مع لبنان ومع عدد من الدول العربية، ما يعني أن دمشق الجديدة تنظر إلى إعادة بناء علاقاتها الخارجية بوصفها جزءًا من عملية إعادة تموضع سياسي أوسع.

وهنا تبرز أهمية عبارة “دولة لدولة”؛ فهي لا تحمل فقط بعدًا دبلوماسيًا، بل تؤسس، في حال ترجمتها إلى إجراءات عملية، لعلاقة يفترض أن تمر عبر المؤسسات الرسمية بعيدًا عن قنوات النفوذ غير الرسمية التي طبعت مراحل طويلة من تاريخ البلدين.

الاقتصاد والاستثمار.. الاختبار العملي الأول

اللافت في طرح مستشار الخارجية السورية أن الانفتاح لم يتوقف عند العبارات السياسية، بل وصل إلى الجانب الاقتصادي.

فالطراس أكد استعداد الحكومة السورية للاستماع إلى آراء اللبنانيين واقتراحاتهم بشأن شكل العلاقات المستقبلية، خصوصًا في الملفات الاقتصادية والاستثمارية، مع الإشارة إلى إمكانية تسهيل شروط الاستثمار أمام اللبنانيين في سوريا.

وهذا الملف تحديدًا يمكن أن يشكل مدخلًا عمليًا لإعادة بناء العلاقة، نظرًا إلى تشابك المصالح الاقتصادية بين البلدين، وحاجة سوريا إلى إعادة إطلاق عجلة الاستثمار والإنتاج، مقابل حاجة لبنان إلى أسواق وممرات تجارية وفرص اقتصادية جديدة.

لكن تحويل هذه الرغبة إلى واقع يحتاج إلى تفاهمات رسمية واضحة، تشمل حركة الأشخاص والبضائع، والإجراءات الجمركية، والاستثمار، والتحويلات المالية، والعبور الحدودي، وآليات حل الإشكالات التي يمكن أن تظهر بين القطاعين الخاصين في البلدين.

اللبنانيون إلى سوريا.. ملف العبور على الطاولة

الحاضرون في اللقاء انتقلوا مباشرة إلى أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للبنانيين: شروط الدخول إلى سوريا.

وطُرحت ضرورة إعادة النظر في مسألة حصول اللبناني على دعوة خاصة من مواطن أو جهة سورية، والسعي إلى إتاحة دخول اللبنانيين إلى سوريا بصورة أكثر سلاسة، بما ينسجم مع خصوصية الروابط الاجتماعية والعائلية والتاريخية بين الشعبين.

فالحدود اللبنانية–السورية ليست مجرد خط جغرافي يفصل دولتين، بل مساحة اجتماعية واقتصادية متداخلة، ترتبط فيها عائلات ومصالح تجارية وحركة سياحية وزراعية منذ عقود.

ومن هنا، فإن أي تخفيف للتعقيدات أمام حركة اللبنانيين والسوريين يمكن أن يتحول سريعًا إلى عامل تنشيط للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية على جانبي الحدود.

التجارة: دمشق أمام فرصة لإعادة فتح الأبواب

كما حضر ملف التبادل التجاري بقوة خلال المداخلات، مع دعوات إلى تسهيل حركة البضائع وإعادة فتح أبواب دمشق أمام الزوار والتجار اللبنانيين.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة إلى البقاع، الذي يرتبط تاريخيًا بالسوق السورية، سواء من خلال التجارة أو النقل أو الزراعة أو الخدمات.

وبالتالي، فإن تحسن العلاقات السياسية بين بيروت ودمشق لن يكون ذا أثر رمزي فقط؛ بل يمكن أن ينعكس مباشرة على المزارعين والتجار وسائقي الشاحنات والمؤسسات السياحية والخدماتية، شرط أن تترافق الانفراجة السياسية مع آليات واضحة ومستقرة للعبور والتبادل التجاري.

ملف اللبنانيين الموقوفين.. عقدة تحتاج إلى معالجة

ومن أكثر الملفات حساسية التي طُرحت خلال اللقاء، السؤال حول إمكانية قيام دمشق بمساعٍ لدى السلطات اللبنانية للإفراج عن لبنانيين يقبعون في السجون اللبنانية، على خلفية تأييدهم للثورة السورية والعمل ضد نظام بشار الأسد السابق.

وهذا الطرح يفتح ملفًا شديد التعقيد، لأنه يتقاطع مع القضاء اللبناني والحقوق القانونية للموقوفين والمحكومين، ولا يمكن حسمه سياسيًا بمعزل عن الأطر القانونية والقضائية اللبنانية.

لكن مجرد طرح الملف في لقاء سياسي–ثقافي يعكس حجم الملفات المتراكمة التي تحتاج إلى معالجة ضمن مسار أشمل لإعادة تنظيم العلاقات بين البلدين.

من “العلاقة الأخوية” إلى “العلاقة الندية”

المعادلة الجديدة التي طُرحت في غزّة يمكن اختصارها بثلاث كلمات: الأخوة مع الندية.

فالعلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين اللبناني والسوري لا تعني بالضرورة استمرار أنماط العلاقات السياسية السابقة. وفي المقابل، فإن بناء علاقة ندية لا يفترض قطع الروابط الاجتماعية والاقتصادية، بل تنظيمها عبر المؤسسات الرسمية واحترام سيادة كل دولة.
وهنا تكمن صعوبة المرحلة المقبلة: كيف يمكن الانتقال من إرث ثقيل إلى شراكة متوازنة؟.

الإجابة لن تكون في البيانات السياسية وحدها، وإنما في إجراءات ملموسة: تسهيل حركة الأشخاص، تنظيم الحدود، تطوير التجارة، فتح مسارات الاستثمار، معالجة الملفات القضائية العالقة، وإقامة قنوات اتصال رسمية دائمة بين الحكومتين.

البقاع يختبر التحول قبل بيروت

ولأن اللقاء انعقد في البقاع، فإن رمزيته تتجاوز المكان. فالبقاع هو المنطقة اللبنانية الأكثر التصاقًا بالجغرافيا السورية، والأكثر تأثرًا بأي تغير في حركة الحدود والتجارة والنقل والاستثمار.
لذلك، فإن سكان البقاع سيكونون من أوائل الذين يلمسون نتائج أي تحسن أو تراجع في العلاقات اللبنانية–السورية.

ومن هنا، يمكن قراءة اللقاء في غزّة بوصفه مساحة حوار محلية تحاول اختبار الأسئلة الكبرى للعلاقة الجديدة: ماذا يريد اللبنانيون من سوريا الجديدة؟ وماذا تريد دمشق من بيروت؟ وهل يمكن تحويل الخطاب السياسي عن الأخوة والسيادة إلى ترتيبات عملية تخدم مصالح البلدين؟

الاختبار في التطبيق

الكلام السوري الذي نُقل عن مستشار وزارة الخارجية الدكتور بسام الطراس يحمل إشارات إيجابية لجهة الرغبة في فتح صفحة جديدة مع لبنان، لكنه في الوقت نفسه يضع العلاقة أمام اختبار أصعب: الانتقال من النوايا إلى القرارات.

فلبنان يحتاج إلى علاقة مستقرة وواضحة مع سوريا، كما تحتاج سوريا، في مرحلة إعادة البناء، إلى بيئة إقليمية مستقرة وإلى علاقات اقتصادية وتجارية طبيعية مع محيطها.

وبين البلدين تاريخ طويل لا يمكن محوه، لكنه يمكن إعادة تنظيمه على قاعدة مختلفة: سيادة متبادلة، احترام المؤسسات، مصالح مشتركة، وحدود واضحة للتدخل، مع إبقاء الروابط الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية حيّة.

ومن غزّة البقاعية، بدت الرسالة الأولى واضحة: دمشق تقول إنها تريد صفحة جديدة مع بيروت؛ أما نجاح الصفحة الجديدة، فسيتوقف على ما ستكتبه الحكومتان فيها من إجراءات واتفاقات، لا على ما يقال في اللقاءات فقط.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والمحلي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا