بين الاحتلال والعفو والإعلام والمصارف… فضل الله يضع الدولة أمام اختبار السيادة والعدالة والإصلاح

بين الاحتلال والعفو والإعلام والمصارف… فضل الله يضع الدولة أمام اختبار السيادة والعدالة والإصلاح


ميديا برس ليبانون| من الجنوب إلى مجلس النواب وغزة… ملفات متشابكة تختبر قدرة الدولة على حماية مواطنيها وحقوقهم. في مشهد لبناني تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وضع سماحة العلامة السيد علي فضل الله الدولة أمام مجموعة من الأسئلة الكبرى: ماذا بعد استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية؟ وكيف يمكن معالجة ملف النازحين من دون تحويل معاناتهم إلى أزمة مفتوحة؟ وهل يتحول العفو العام إلى تسوية سياسية بدل أن يكون مدخلًا للعدالة؟ وأين تنتهي حرية الإعلام وتبدأ مسؤولية الدولة في حماية الحقيقة وحق المواطن في المعرفة؟ ثم كيف يمكن الحديث عن إصلاح المصارف من دون إعادة حقوق المودعين؟.

في خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور شخصيات علمائية وسياسية واجتماعية وحشد من المؤمنين، قدّم فضل الله مقاربة مترابطة لهذه الملفات، واضعًا السيادة والعدالة وحقوق المواطنين والإصلاح المؤسسي في قلب المشهد.

الاحتلال الإسرائيلي… من الاعتداء إلى محاولة فرض أمر واقع

الملف الأمني بقي في صدارة الخطاب، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية التي تعرضت للتفجير والتجريف والحرق، إضافة إلى استهداف المباني والمؤسسات والمدارس والبنية التحتية.

وبحسب فضل الله، فإن خطورة المشهد لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في احتمال تحوله إلى سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع الميداني، بما يجعل العودة إلى المناطق المحتلة أكثر تعقيدًا، ويحوّل الاحتلال المؤقت إلى أمر واقع طويل الأمد.

ويضيف أن استمرار الغارات على المناطق المحاذية لمواقع الاحتلال، بالتوازي مع اختراق المسيّرات الإسرائيلية للأجواء اللبنانية ووصولها إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية، يطرح سؤالًا أساسيًا حول حدود السيادة اللبنانية وقدرة الدولة على فرضها.

والأكثر إثارة للقلق، وفق القراءة التي قدمها فضل الله، هو ما اعتبره مؤشرات على نية إسرائيلية للبقاء فترة طويلة داخل الأراضي اللبنانية المحتلة، الأمر الذي يعني أن المعركة لا تتعلق فقط بوقف إطلاق النار، وإنما بمستقبل الحدود والسيادة وإمكان تثبيت الاحتلال كواقع جديد.

المفاوضات تحت الاختبار… هل تكفي لغة الدبلوماسية؟

في هذا السياق، دعا فضل الله الدولة اللبنانية إلى إعادة النظر في حساباتها التفاوضية إذا كانت المفاوضات لا تؤدي إلى تحقيق المطالب اللبنانية الأساسية.

وحدد جوهر هذه المطالب بثلاثة عناوين: وقف الاعتداءات، الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وضمان عودة الأهالي إليها بحرية وأمان.

وهنا تبرز معادلة دقيقة: فالمفاوضات بالنسبة إلى لبنان ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لاستعادة الحقوق والسيادة. وبالتالي، فإن استمرار التفاوض من دون نتائج ملموسة قد يتحول، في نظر منتقديه، من أداة ضغط إلى إطار لإدارة الأزمة بدل حلها.

ومن هنا جاءت دعوته إلى الوحدة الداخلية، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في مواجهة المشروع التوسعي الإسرائيلي، بعيدًا عن تحويل الملف السيادي إلى مادة للتجاذب الداخلي.

النازحون… أزمة إنسانية تتجاوز الأرقام

لم يفصل فضل الله بين المواجهة العسكرية وتداعياتها الاجتماعية، إذ أعاد فتح ملف عشرات الآلاف من العائلات التي لا تزال تعيش في أماكن النزوح أو في منازل تستضيفها، في ظروف تزداد صعوبة مع مرور الوقت.

المشكلة، كما طرحها، ليست مجرد تأمين سقف مؤقت، بل توفير مسكن لائق، وفرص معيشية، ودعم للعائلات التي فقدت مصادر رزقها.

واللافت في مقاربته أنه وضع هذه المسؤولية في إطار الحق لا المساعدة، معتبرًا أن تأمين احتياجات النازحين واجب على الدولة وليس منّة منها.

وفي المقابل، نوّه بالمبادرات التي تقوم بها الدولة والبلديات والأفراد والمؤسسات، داعيًا إلى تعزيزها وتوسيع نطاقها، لأن استمرار أزمة النزوح من دون خطة متكاملة قد يفتح الباب أمام أزمات اجتماعية واقتصادية جديدة.

العفو العام… عندما تصطدم العدالة بالحسابات السياسية

من الجنوب إلى مجلس النواب، انتقل فضل الله إلى الجلسة التشريعية الأخيرة، متوقفًا عند قانون العفو العام الذي أثار جدلًا واسعًا.
الموقف الذي عبّر عنه يقوم على معادلة واضحة: إنصاف المظلوم نعم، وإلغاء العدالة لا.
فهو يؤيد إنهاء معاناة من أمضوا سنوات طويلة في التوقيف من دون محاكمة، ومعالجة مشكلة الاكتظاظ في السجون، لكنه يحذر في الوقت نفسه من تحول العفو إلى تسوية سياسية قائمة على المحاصصة الطائفية.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في القضية: عندما يصبح العفو نتيجة لتوازنات سياسية، فإن القانون قد يفقد وظيفته الإصلاحية ويتحول إلى أداة لتوزيع المكاسب بين القوى المختلفة.

ومن هذا المنطلق، طرح فضل الله قاعدة بديلة: أن يكون معيار العفو العدالة والقانون والأمن الاجتماعي، لا الانتماء السياسي أو الطائفي.
والأهم أنه ربط العفو بإصلاح القضاء والسجون، محذرًا من أن يصبح العفو بديلًا من الإصلاح بدل أن يكون جزءًا منه.

قانون الإعلام… بين حرية الصحافة وخطر تقييد الحقيقة

في ملف قانون الإعلام، جاءت الرسالة أكثر وضوحًا في الدفاع عن حرية الصحافة، مع التأكيد في الوقت نفسه على المسؤولية.
فالتحديث التشريعي، وفق هذا الطرح، ضرورة لمواكبة التحولات التي طرأت على الإعلام بكل أشكاله، ولا سيما مع اتساع الفضاء الرقمي وتغير طبيعة تداول المعلومات.

لكن الخطر يكمن في النصوص الفضفاضة التي يمكن تفسيرها بطرق متعددة، بما قد يفتح الباب أمام تقييد الصحافة أو إسكات الأصوات المعارضة أو تحويل القانون إلى وسيلة للضغط على الإعلاميين.
والعبارة الأبرز في هذا السياق هي أن حرية الصحافة ليست امتيازًا للصحافيين، بل حق للمواطن.

وهذه المقاربة تنقل النقاش من الدفاع عن مصلحة مهنة الصحافة إلى الدفاع عن حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، لأن المواطن الذي لا يملك إعلامًا حرًا يفقد جزءًا أساسيًا من قدرته على مراقبة السلطة ومحاسبتها.

إصلاح المصارف… لا ثقة من دون أموال المودعين

أما الملف المالي والمصرفي، فقد وضع فضل الله الإصلاح أمام شرط أساسي: إعادة حقوق المودعين.

فإصلاح المصارف، وفق رؤيته، يجب ألا يقتصر على إعادة تنظيم العمل المصرفي أو تسهيل معاملات المواطنين، بل يجب أن يعالج جذور الأزمة التي أدت إلى الانهيار المالي والمصرفي.

وهنا تبرز العقدة الأكبر: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بالنظام المصرفي بينما لا تزال حقوق المودعين عالقة؟.

فالثقة، بحسب هذا المنطق، ليست قرارًا إداريًا ولا حملة إعلامية، وإنما نتيجة لمسار قانوني ومالي يعيد الحقوق ويحدد المسؤوليات ويعالج أسباب الانهيار.

وبالتالي، فإن أي إصلاح لا يترافق مع معالجة جدية لمصير الودائع يبقى، في نظر منتقديه، إصلاحًا ناقصًا.

غزة… الحصار كأداة لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل

وفي القسم الأخير من خطابه، انتقل فضل الله إلى غزة والضفة الغربية، معتبرًا أن الضغوط الأمنية والحصار المتواصلين يندرجان في سياق محاولة دفع الشعب الفلسطيني إلى اليأس والهجرة من أرضه.

وهنا لا يرى القضية مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة إنسانية واقتصادية وعمرانية متكاملة، تستوجب تحرك الجهات الراعية للاتفاقات القائمة من أجل وقف نزيف الدم والدمار وتأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

فالخطر، وفق هذه القراءة، لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في النتائج طويلة الأمد التي قد تتركها على السكان والبنية الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية للقطاع والضفة.

دولة تواجه خمسة اختبارات

خطاب السيد علي فضل الله وضع الدولة اللبنانية أمام خمسة اختبارات مترابطة: السيادة في مواجهة الاحتلال، المسؤولية الاجتماعية تجاه النازحين، العدالة في ملف العفو، الحرية في قانون الإعلام، والثقة في النظام المصرفي.

وبين هذه الملفات، يظهر خيط واحد يجمعها: الدولة القادرة على حماية مواطنيها هي الدولة التي تطبق القانون بعدالة، وتصون الحريات، وتعيد الحقوق، وتتحمل مسؤولياتها الاجتماعية، وتفاوض من موقع حماية السيادة لا إدارة الأزمة.

أما التحدي الأكبر، فيبقى في قدرة المؤسسات اللبنانية على تحويل هذه العناوين من مواقف سياسية وخطب ومطالب إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ، لأن اللبنانيين لا يحتاجون فقط إلى تشخيص أزماتهم، بل إلى دولة تمتلك القدرة والإرادة على معالجتها.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والتحليل السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا