بين كلفة التعليم وحقّ البقاع في المستقبل: اتفاقية مراد وسلوم تفتح ملف الاستثمار بالإنسان
ميديا برس ليبانون
■ أحمد موسى
في البقاع، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع ارتفاع كلفة التعليم وتراجع قدرة العائلات على تمويل دراسة أبنائها، لم تعد مسألة الوصول إلى الجامعة قضية تربوية فقط، بل تحولت إلى ملف اجتماعي واقتصادي وصحي وسياسي بامتياز. فمن يملك القدرة على متابعة تعليمه يملك فرصة أفضل في بناء مستقبله، فيما يواجه الطالب غير القادر مالياً خطر الخروج المبكر من المسار الأكاديمي، وما يترتب على ذلك من خسارة فردية ومجتمعية.
من هذه الزاوية، تأتي اتفاقية التعاون والتفاهم التي وقّعتها الجامعة اللبنانية الدولية، ممثلة برئيسها النائب حسن مراد، ومؤسسة سلوم الطبية، ممثلة برئيسها إبراهيم سلوم، لتتجاوز في دلالاتها مجرد تقديم مساهمة في الرسوم الجامعية، وتطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن تحويل دعم التعليم إلى سياسة إنمائية مستدامة تحمي الشباب وتمنع الفقر التعليمي من التحول إلى أزمة اجتماعية وصحية متراكمة؟
50 في المئة من الرسوم… ولكن ماذا بعد؟
تنص الاتفاقية، التي وُقّعت في مكتبة الجامعة اللبنانية الدولية بحضور فاعليات تربوية وصحية واجتماعية، على مساهمة الجامعة بنسبة 50 في المئة من الرسوم الجامعية للطلاب المستفيدين، بالتعاون مع مؤسسة سلوم.
الخطوة تبدو للوهلة الأولى مساعدة مالية مباشرة، إلا أن القراءة الأوسع تكشف أنها تمسّ إحدى أكثر الحلقات حساسية في الأزمة اللبنانية: قدرة العائلات على إبقاء أبنائها داخل النظام التعليمي.
فحين تصبح الأقساط والنفقات الجامعية عبئاً يفوق قدرة الأسرة، لا تكون النتيجة دائماً مجرد تأخير في الدفع، بل قد تصل إلى تجميد الدراسة أو تغيير الاختصاص أو التخلي نهائياً عن التعليم الجامعي. وهنا يتحول العامل المالي من مشكلة عائلية إلى قضية تتصل بسوق العمل والهجرة والاستقرار الاجتماعي ومستقبل المناطق الطرفية.
ومن هنا، فإن مساهمة الـ50 في المئة لا ينبغي النظر إليها كرقم مالي فحسب، بل كآلية يمكن أن تمنح طالباً فرصة الاستمرار في التعليم بدلاً من الانقطاع عنه.
التعليم كخط دفاع اجتماعي وصحي
الشق الصحي في الاتفاقية لا يرتبط فقط بكون أحد أطرافها مؤسسة طبية، بل بالنتائج الاجتماعية والصحية التي يمكن أن تنتج عن الاستثمار في التعليم.
فالتعليم يرفع قدرة الشباب على الوصول إلى فرص عمل أكثر استقراراً، ويحسن مستوى الوعي الصحي والاجتماعي، ويعزز قدرة الفرد على التعامل مع الضغوط الاقتصادية والمهنية. وفي المقابل، فإن التسرب من التعليم، عندما يترافق مع البطالة وانعدام الفرص، قد يضاعف الضغوط النفسية والاجتماعية ويزيد من هشاشة الفئات الشابة.
وعليه، فإن أي سياسة لدعم التعليم الجامعي يمكن أن تُقرأ أيضاً باعتبارها استثماراً وقائياً في الصحة الاجتماعية والنفسية للمجتمع، وليس مجرد تمويل لقسط جامعي.
سلوم: المال لا يجب أن يهزم الطموح
إبراهيم سلوم وضع جوهر المبادرة في إطار واضح، مؤكداً أن «الظروف المادية لا يجب أن تكون عائقاً أمام أي طالب يمتلك القدرة والطموح لمتابعة تعليمه الجامعي».
هذه المقاربة تفتح الباب أمام السؤال الأهم: هل تكفي المساعدة على الأقساط وحدها؟.
الجواب العملي يبدو مرتبطاً بالمرحلة التالية من الاتفاقية، بعدما أشار سلوم إلى إمكانية توسيع التعاون مستقبلاً ليشمل التدريب وتمكين الشباب والتطوير المهني.
وهذه النقطة تحديداً قد تكون الأكثر أهمية، لأن الطالب لا يحتاج فقط إلى شهادة جامعية، بل إلى منظومة تساعده على الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل.
فإذا بقي الدعم محصوراً في الرسوم، تكون المبادرة قد عالجت جزءاً من المشكلة. أما إذا تطورت نحو التدريب والتأهيل والربط بسوق العمل، فإنها تصبح نموذجاً أكثر تكاملاً للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
مراد: من «الحجر» إلى «الإنسان»
النائب حسن مراد قرأ الاتفاقية من زاوية إنمائية أوسع، معتبراً أنها تحمل «معنى كبيراً»، ومشدداً على أن البقاع بحاجة إلى مبادرات تضع الإنسان والتعليم في صلب الأولويات.
وقال إن «الاستثمار الحقيقي ليس فقط بالمشاريع والحجر، بل قبل كل شيء بالإنسان والعلم».
هذا الطرح يضع التعليم في قلب السياسة الإنمائية، ويطرح معادلة تتجاوز المفهوم التقليدي للإنماء القائم على الطرقات والبنى التحتية والخدمات.
فطريق ضهر البيدر، الذي أشار إليه مراد في سياق حديثه عن المشاريع الإنمائية، يسهّل حركة الناس والبضائع ويربط المناطق ببعضها، لكن الطريق وحده لا يصنع التنمية. التنمية تحتاج أيضاً إلى طالب قادر على الوصول إلى الجامعة، وطبيب ومهندس وممرض ومدرس وتقني يمتلك فرصة للبقاء والعمل في منطقته.
ضهر البيدر والجامعة… وجهان لمعركة واحدة
قد يبدو الربط بين تأهيل طريق ضهر البيدر ودعم الأقساط الجامعية غير مباشر، لكنه في الواقع يعكس تصوراً متكاملاً للإنماء.
فالطريق يؤمن الاتصال والحركة، بينما التعليم يؤمن بناء القدرات البشرية التي تحتاجها المنطقة.
وبمعنى آخر، البنية التحتية تبني البيئة، والتعليم يبني الإنسان القادر على استثمارها.
ومن هنا تكتسب عبارة مراد بأن «بناء البقاع لا يكون فقط بتعبيد الطرقات وإنارة القرى، بل أيضاً ببناء الإنسان وتعليم أبنائنا وفتح الأبواب أمامهم» دلالتها السياسية والإنمائية.
فالاستثمار في الجامعات والمدارس والتدريب ليس ملفاً منفصلاً عن التنمية، بل أحد شروط نجاحها.
البعد السياسي: هل يتحول الدعم إلى سياسة مستدامة؟
سياسياً، تحمل المبادرة أيضاً دلالة تتصل بعلاقة القوى المحلية بالمجتمع، وخصوصاً في المناطق التي تعاني من ضغوط اقتصادية متراكمة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المبادرات الفردية، بل في تحويلها إلى نموذج قابل للاستمرار والتوسع والقياس.
فالمطلوب، إذا أريد لهذه الاتفاقية أن تصبح نموذجاً يحتذى، تحديد معايير واضحة لاختيار الطلاب المستفيدين، وضمان الشفافية في الاستفادة، وتوسيع قاعدة الشركاء، وقياس النتائج سنوياً.
كما أن الانتقال من دعم الأقساط إلى التدريب والتوظيف يمكن أن يمنح المبادرة بعداً أكثر استدامة، لأن الهدف النهائي ليس فقط إبقاء الطالب في الجامعة، وإنما مساعدته على امتلاك أدوات الاستقلال الاقتصادي بعد التخرج.
مؤسسة طبية تدخل على خط التعليم… لماذا؟
مشاركة مؤسسة سلوم الطبية في هذا النوع من المبادرات تحمل بدورها رسالة تتجاوز الدور التقليدي للمؤسسات الصحية.
فالقطاع الصحي لا يحتاج فقط إلى مستشفيات ومراكز طبية، بل إلى كوادر مؤهلة وإلى بيئة اجتماعية قادرة على إنتاج الاختصاصيين الذين يحتاجهم لبنان.
وقد يكون من المفيد مستقبلاً أن تتوسع الاتفاقية نحو منح واختصاصات صحية، تدريب عملي، توجيه مهني، وربط الطلاب بفرص العمل والتدريب، بما يجعل القطاع الصحي شريكاً في صناعة الجيل الجديد من الاختصاصيين.
وهنا يمكن أن يتحول التعاون من مساعدة مالية إلى منظومة متكاملة تربط التعليم بالصحة وسوق العمل والتنمية المحلية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد توقيع الاتفاقية
في ختام المناسبة، قدّم مراد درعاً تقديرية إلى سلوم تقديراً لجهوده ومبادراته في دعم الطلاب وخدمة المجتمع، مؤكداً أن الاتفاقية تشكل بداية لتعاون أوسع ومبادرات جديدة توفر مزيداً من الفرص أمام الشباب.
لكن القيمة الحقيقية لأي اتفاقية لا تُقاس بحفل التوقيع ولا بعدد الكلمات التي قيلت خلال المناسبة، بل بما ستنتجه على الأرض.
كم طالباً سيبقى في الجامعة؟ كم شاباً سيحصل على تدريب؟ كم خريجاً سينتقل من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل؟ وهل يمكن أن تتحول المبادرة إلى نموذج إنمائي يتوسع خارج حدود الجامعة والمؤسسة؟.
هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل التجربة.
وفي بلد يواجه فيه التعليم ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تصبح كل منحة فرصة، وكل مقعد جامعي يتم الحفاظ عليه استثماراً في المستقبل، وكل شاب يحصل على فرصة تدريب أو عمل ركيزة إضافية للاستقرار.
لذلك، فإن اتفاقية الجامعة اللبنانية الدولية ومؤسسة سلوم الطبية يمكن أن تكون أكثر من اتفاق على خفض الرسوم؛ قد تكون بداية لمسار يضع التعليم والصحة وتمكين الشباب في قلب معركة إنقاذ البقاع من نزيف الكفاءات وتحويل الإنسان من متلقٍ للمساعدة إلى شريك فعلي في صناعة التنمية.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم التربوي والصحي










اترك تعليقًا