مفتي راشيا: الإعلام شريك في بناء السردية الوطنية وحصنٌ بوجه الفتن والانقسامات
ميديا برس ليبانون – في ظل تصاعد الحاجة إلى خطاب وطني هادئ يعيد وصل ما انقطع بين اللبنانيين، برزت أهمية الدور الإعلامي في حماية الاستقرار الاجتماعي والسياسي، خلال استقبال مفتي راشيا الدكتور الشيخ وفيق حجازي في دار الفتوى في البيرة، رئيس مكتب الوكالة الوطنية للإعلام في راشيا والبقاع الغربي الإعلامي الزميل مفيد سرحال.
اللقاء، وإن حمل طابعاً عاماً، اكتسب دلالاته من طبيعة النقاش الذي دار حول مسؤولية الإعلام في صياغة خطاب وطني قادر على مواكبة الملفات الحساسة بعيداً عن التحريض والانفعال، بما يحفظ وحدة المجتمع اللبناني ويعزز مفهوم الحياة المشتركة.
الإعلام بين نقل الخبر وصناعة الوعي
وبحسب البيان، أثنى المفتي حجازي على الدور الذي تؤديه الوكالة الوطنية للإعلام، معتبراً أن الإعلام الرسمي والوطني لا يقتصر دوره على نقل الأحداث، بل يمكن أن يشكل مساحة لصياغة الوعي العام وترسيخ خطاب يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وضرورة الحفاظ على السلم الأهلي.
وفي بلد تتقاطع فيه الانقسامات السياسية والاجتماعية والطائفية، تصبح الكلمة الإعلامية ذات تأثير يتجاوز حدود الخبر، خصوصاً عندما تتناول ملفات قابلة لإثارة التوتر أو استدعاء الخطاب الغرائزي.
العقلانية والرصانة في مقاربة الشأن العام
وشدد المفتي حجازي على ضرورة اعتماد العقلانية والرصانة والشفافية في مقاربة الشأن العام والهم الوطني، داعياً إلى تعزيز التشاركية والتفاعل الإيجابي والبناء بين اللبنانيين.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في زمن تتحول فيه المنصات الإعلامية والرقمية إلى ساحات سريعة لتداول الأخبار والمواقف، حيث يمكن للمعلومة غير الدقيقة أو الخطاب الانفعالي أن ينتشر قبل التحقق منه، بما يضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية المهنية.
«سردية وطنية جامعة» بدل لغة الانقسام
النقطة المركزية في موقف مفتي راشيا تمثلت في دعوته الإعلام اللبناني إلى بلورة سردية وطنية جامعة، تكون قادرة على تحصين البنية المجتمعية في مواجهة الهزات والانفعالات.
فالسردية الوطنية، في هذا السياق، لا تعني تجاهل الخلافات أو إخفاء المشكلات، بل تقديمها ضمن إطار يحفظ حق الاختلاف ويمنع تحويله إلى خصومة بين مكونات المجتمع.
وهنا يبرز الدور المهني للإعلام في الفصل بين النقد والتحريض، وبين كشف الحقائق وتأجيج المشاعر، وبين نقل المواقف وتبنيها.
البقاع نموذج للحياة المشتركة
ويحمل اللقاء في دار الفتوى في البيرة أيضاً بعداً محلياً، باعتبار أن راشيا والبقاع الغربي يمثلان مساحة غنية بالتنوع الاجتماعي والسياسي، ما يجعل الخطاب الإعلامي المتوازن عاملاً أساسياً في تعزيز الاستقرار المحلي.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى إعلام مسؤول لا تنحصر في المؤسسات الكبرى، بل تشمل الصحافة المحلية والإذاعات والمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، التي باتت تؤدي دوراً متزايداً في تشكيل الرأي العام.
مواجهة «اللغة النافرة»
وحذر حجازي، وفق البيان، من تداعيات «اللغة النافرة» وما يمكن أن ينتج عنها من أضرار معنوية ومادية.
فالخطاب الإعلامي عندما يتجاوز النقد إلى التحريض قد يتحول من أداة لتفسير الأحداث إلى عامل في إنتاج الأزمة نفسها، خصوصاً في المجتمعات التي تحمل ذاكرة طويلة من الانقسامات والصراعات.
لذلك، فإن المسؤولية الإعلامية لا تعني التزام الصمت، بل تعني ممارسة الحق في السؤال والمساءلة والنقد ضمن لغة مهنية لا تستهدف كرامات الناس ولا تهدد السلم الأهلي.
إعلامٌ يُضيء لا يُشعل
الرسالة التي خرج بها لقاء مفتي راشيا مع الإعلامي مفيد سرحال تتجاوز مناسبة الاستقبال إلى طرح رؤية لدور الإعلام في المرحلة الراهنة: أن يكون مساحة للمعرفة والحوار، لا منصة للانقسام والتحريض.
فلبنان يحتاج إلى إعلام يكشف الخلل ويحاسب المسؤول، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على لغة جامعة تسمح للبنانيين بالاختلاف من دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة.
وفي هذا الإطار، تبدو دعوة مفتي راشيا إلى بناء سردية وطنية جامعة بمثابة دعوة إلى استعادة وظيفة أساسية للإعلام: أن يضع الحقيقة في خدمة المجتمع، وأن يجعل الكلمة جسراً بين اللبنانيين لا شرارةً تعيد إنتاج الفتن.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم الإعلام والحريات



اترك تعليقًا