من بيروت إلى صوفيا.. هاني يفتح بوابة زراعية جديدة للمنتج اللبناني نحو الأسواق الأوروبية
ميديا برس ليبانون – في وقت يخوض فيه القطاع الزراعي اللبناني معركة مزدوجة بين ارتفاع كلفة الإنتاج وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية، تتحول الدبلوماسية الزراعية إلى أحد المسارات الأساسية لإعادة تموضع المنتج اللبناني في الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، بحث وزير الزراعة الدكتور نزار هاني مع سفير بلغاريا في لبنان ياسن توموف، سبل تطوير التعاون الزراعي والغذائي والتجاري بين البلدين، في خطوة تتجاوز الإطار البروتوكولي نحو بناء مسار مؤسساتي جديد يمكن أن يفتح أمام المنتجات اللبنانية نافذة إضافية إلى بلغاريا والأسواق الأوروبية.
مذكرة تفاهم تعيد رسم خريطة التعاون
اللافت في اللقاء أن المسار لم يتوقف عند تبادل الأفكار، إذ أفيد بأنه وبعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية والأصول الرسمية، وافق مجلس الوزراء على تكليف الوزير هاني توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الزراعة بين لبنان وبلغاريا.
وتكتسب المذكرة أهميتها من كونها ستوفر إطاراً مؤسساتياً أوسع للتعاون، وتحدّث أسس العلاقة الزراعية بين البلدين بما يتناسب مع التطورات التي طرأت على الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد والتجارة الغذائية.
كما أنها تأتي لتحل، عند دخولها حيز النفاذ، مكان الاتفاق الزراعي الموقع في صوفيا في 25 حزيران 1998، بما يعني انتقال العلاقة من إطار تعاون عمره أكثر من ربع قرن إلى صيغة أكثر اتساعاً وتخصصاً.
من تبادل الخبرات إلى فتح الأسواق
جوهر الاتفاق المرتقب لا يكمن فقط في تبادل الخبرات، بل في تحويل المعرفة والتعاون الفني إلى قدرة تجارية فعلية.
وتشمل مجالات التعاون المقترحة البحوث الزراعية، والإنتاج النباتي، والثروة الحيوانية، والغابات، والصحة النباتية والبيطرية، وسلامة الغذاء، والتقنيات الحديثة، والبذور والأصناف الزراعية، فضلاً عن حماية الموارد الطبيعية والزراعة المستدامة.
لكن الأهمية الاقتصادية الأبرز تتمثل في تسهيل نفاذ المنتجات الزراعية والغذائية إلى الأسواق عبر تبادل المعلومات حول المتطلبات الفنية والإجراءات التنظيمية المتعلقة بالاستيراد والتصدير.
وهذه النقطة تحديداً تمثل أحد مفاتيح نجاح أي استراتيجية تصديرية لبنانية: فالمنتج قد يكون جيداً، لكن عدم معرفة الشروط الفنية أو عدم القدرة على إثبات المطابقة قد يحول دون دخوله إلى السوق المستهدف.
المعايير أولاً… ثم التصدير
رسالة الوزير هاني واضحة في هذا المجال: دعم المنتج اللبناني لا يعني فقط البحث عن مشترين في الخارج، بل رفع قدرة المنتج على مطابقة المعايير الدولية.
وهنا تتقاطع الزراعة مع منظومة كاملة تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند الحدود: جودة البذور، أساليب الإنتاج، المبيدات، التتبع، التعبئة والتوضيب، سلامة الغذاء، الشهادات الصحية، النقل والتبريد، ثم إجراءات التخليص والتصدير.
أي خلل في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يضعف قدرة المنتج اللبناني على المنافسة.
ومن هنا، فإن التعاون مع بلغاريا يمكن أن يشكل منصة لتبادل الخبرات في التقنيات الزراعية الحديثة وتطوير القدرات الفنية، بما ينعكس على جودة الإنتاج اللبناني وقابليته للنفاذ إلى أسواق أكثر تشدداً في شروطها.
بلغاريا كبوابة أوروبية
تكتسب بلغاريا أهمية إضافية بالنسبة إلى لبنان باعتبارها عضواً في الاتحاد الأوروبي، ما يجعل تطوير قنوات التواصل الزراعي والفني معها ذا قيمة تتجاوز السوق البلغارية وحدها.
ولا يعني ذلك تلقائياً أن توقيع مذكرة التفاهم سيؤدي إلى دخول المنتجات اللبنانية إلى كامل السوق الأوروبية، إذ تبقى لكل سوق متطلباته وإجراءاته وشروطه.
لكن بناء قنوات اتصال رسمية وتبادل المعلومات الفنية يمكن أن يساعد لبنان على فهم هذه المتطلبات بصورة أفضل، ورفع جاهزية المنتجين والمصدرين للتعامل معها.
وهنا تكمن قيمة الدبلوماسية الزراعية: فتح الأبواب لا يكفي، بل يجب تجهيز المنتج اللبناني للدخول من هذه الأبواب.
من الزراعة التقليدية إلى التكنولوجيا
المذكرة المقترحة تذهب أبعد من التجارة، إذ تفتح المجال أمام التعاون في إدخال التقنيات الحديثة إلى الإنتاج النباتي والحيواني، واختبار الأصناف، والمحافظة على البذور، ومراقبتها، إضافة إلى البحث العلمي ونقل التكنولوجيا.
وفي ظل التحديات المناخية وارتفاع كلفة الطاقة والمياه والأسمدة والمدخلات الزراعية، لم تعد زيادة الإنتاج مرتبطة فقط بتوسيع المساحات المزروعة.
المعادلة الجديدة هي: إنتاج أكثر بكلفة أقل وبجودة أعلى واستهلاك أكثر كفاءة للموارد.
وهذا يتطلب شراكة بين الجامعات ومراكز الأبحاث والوزارات والمؤسسات الزراعية والقطاع الخاص، وهي مساحة يمكن للمذكرة أن تساهم في تنظيمها.
الزراعة المستدامة وحماية الموارد
وتشمل مجالات التعاون أيضاً حماية البيئة الزراعية والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية، وتطوير نماذج إنتاج أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التغيرات المناخية والاقتصادية.
كما تتضمن المذكرة مجالاً لحماية الموارد الحرجية وإدارتها واستغلالها بصورة مستدامة.
وهذا البعد مهم للبنان الذي يواجه ضغوطاً متزايدة على موارده الطبيعية، فيما باتت الزراعة الحديثة مطالبة بتحقيق معادلة صعبة بين الإنتاجية وحماية التربة والمياه والغابات.
كيف تتحول المذكرة إلى نتائج؟
التحدي الحقيقي يبدأ بعد التوقيع.
فالمذكرات الدولية كثيرة، لكن القيمة الاقتصادية لأي مذكرة تقاس بمدى تحولها إلى برامج ومشاريع قابلة للقياس والتنفيذ.
وفي هذا السياق، تتضمن المذكرة المقترحة تنظيم ندوات وورش عمل ودورات تدريبية، وتبادل المعلومات والخبرات، وتنفيذ أنشطة تعاون فني وإداري، إضافة إلى أشكال أخرى من التعاون يتفق عليها الطرفان.
وهنا يمكن بناء مؤشرات عملية لقياس النجاح، مثل عدد الشركات التي تدخل في شراكات، وعدد الخبراء والباحثين المشاركين، وحجم التبادل التجاري الزراعي، وعدد المنتجات التي تستوفي الشروط المطلوبة، وقيمة الصادرات التي تنجح في الوصول إلى الأسواق الجديدة.
هاني: شراكات عملية لا تعاون تقليدي
الوزير هاني شدد على ضرورة الانتقال بالعلاقات الزراعية اللبنانية ـ البلغارية من التعاون التقليدي إلى شراكات عملية قائمة على المعرفة والتكنولوجيا وتعزيز التجارة والاستثمار الزراعي والغذائي.
كما أكد أن لبنان يمتلك إنتاجاً زراعياً وغذائياً يتمتع بمقومات تنافسية، وأن الوزارة تعمل على دعم المنتج اللبناني وتحسين قدرته على الوصول إلى الأسواق الخارجية وفق المعايير الدولية.
في المقابل، أكد السفير البلغاري أهمية تطوير التعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية والاستفادة من الفرص المتاحة لتعزيز العلاقات الزراعية والتجارية، ولا سيما في التكنولوجيا الزراعية وتبادل الخبرات والتجارة الغذائية.
هل تنجح الدبلوماسية الزراعية في تحويل الأزمة إلى فرصة؟
التحرك اللبناني باتجاه بلغاريا يأتي في توقيت يحتاج فيه القطاع الزراعي إلى أكثر من الدعم الداخلي.
المطلوب هو أسواق جديدة، ومعايير واضحة، وتكنولوجيا حديثة، واستثمارات، وشبكات توزيع، وشهادات مطابقة، وسلاسل تصدير قادرة على المنافسة.
ومن هذه الزاوية، تبدو مذكرة التفاهم المرتقبة أكثر من اتفاق إداري بين وزارتين؛ إنها اختبار لقدرة لبنان على استخدام الدبلوماسية الزراعية كأداة اقتصادية فعلية.
فإذا نجح التعاون في تحويل المعرفة إلى إنتاج أفضل، والإنتاج إلى منتجات مطابقة، والمنتجات المطابقة إلى صادرات منتظمة، يمكن عندها الحديث عن شراكة حقيقية.
أما إذا بقيت المذكرة في إطار الزيارات والندوات وتبادل الأوراق، فإن أثرها سيبقى محدوداً.
المعادلة التي يطرحها مسار هاني تبدو بسيطة في جوهرها: لبنان لا يحتاج فقط إلى أن يبيع أكثر، بل إلى أن ينتج وفق معايير الأسواق التي يريد دخولها.
وهنا يبدأ الطريق الحقيقي من الحقل اللبناني، لكنه لا ينتهي عند معبر المصنع أو مرفأ بيروت، بل يصل إلى رفوف الأسواق الأوروبية.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الاقتصادي والزراعي



اترك تعليقًا