المطران إبراهيم في عيد انتقال العذراء: مريم صورة الإنسان كما أراده الله ورسالتها اليوم أن نتمسّك بالرجاء
زحلة _ ميديا برس ليبانون | احتفل رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران إبراهيم مخايل إبراهيم بعيد انتقال السيدة العذراء مريم بالنفس والجسد إلى السماء، وهو عيد الأبرشية، بقداس احتفالي ترأسه في كاتدرائية سيدة النجاة في زحلة، بمشاركة النائب الأسقفي العام الأرشمندريت نقولا حكيم ولفيف من الإكليروس، وحضور حشد من المؤمنين، يتقدّمهم النائب جورج عقيص.
وفي عظته، قدّم المطران إبراهيم قراءة روحية وإنسانية لعيد الانتقال، مؤكداً أن الكنيسة لا تحتفل بذكرى موت مريم، بقدر ما تحتفل بـ**«انتصار الحياة على الموت، وباكتمال مسيرة إنسان عاش لله بكل كيانه»**، معتبراً أن العيد هو قبل كل شيء عيد الرجاء، لأن العذراء تمثل أول ثمرة كاملة للفداء الذي حققه المسيح، وصورة الإنسان كما أراده الله منذ البدء.
من الناصرة بدأ طريق المجد
وتوقف المطران إبراهيم عند اللحظة المفصلية في حياة مريم، يوم قالت للملاك: «ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك»، معتبراً أن هذا الجواب لم يكن مجرد قبول بحدث استثنائي، بل كان تسليماً كاملاً للحياة بين يدي الله.
وأكد أن قداسة مريم لم تبدأ يوم انتقالها إلى السماء، بل منذ اللحظة التي قالت فيها «نعم» لله، وقبلت أن تضع إرادتها تحت مشيئة الرب، مشدداً على أن طريق المجد، وفق منطق الإنجيل، لا يمر عبر العظمة البشرية، بل عبر الطاعة والإيمان والتواضع.
وأشار إلى أن الكنيسة تمجّد مريم لأنها قبلت أولاً أن تكون الخادمة، مستشهداً بالقاعدة الإنجيلية: «من تواضع أمام الله رفعه الله فوق جميع الخلائق».
بين مقاييس العالم ومقاييس الإنجيل
وفي مقاربة لافتة، وضع المطران إبراهيم مقاييس العالم في مواجهة مقاييس الإنجيل، موضحاً أن العالم غالباً ما يقيس الإنسان بما يملك، وبما يحققه من نجاح وموقع ونفوذ، فيما يقيسه الإنجيل بما يحمله في قلبه.
وقال إن مريم لم تمتلك القصور ولا السلطة ولا الثروة، لكنها امتلكت «أعظم كنز»، وهو حضور الله في حياتها، فلم تبحث عن المجد لنفسها، فمنحها الله مجداً لا يزول.
ومن هنا، تحوّل عيد الانتقال في عظة المطران إبراهيم إلى رسالة تتجاوز المناسبة الدينية، لتلامس الإنسان المعاصر في صراعه مع معايير النجاح المادي، وفي بحثه عن معنى أعمق للحياة والكرامة والإنسانية.
الإيمان لا يعني امتلاك كل الأجوبة
وعن إيمان العذراء، استشهد المطران إبراهيم بقول أليصابات لها: «طوبى للتي آمنت»، معتبراً أن الإيمان هو أساس كل قداسة.
وأوضح أن مريم عاشت مراحل كثيرة من حياتها من دون أن تفهم كل شيء، لكنها كانت تحفظ الأحداث وتتأمل فيها في قلبها، بثقة بأن الله يقود التاريخ حتى عندما تبدو الصورة مظلمة.
وشدد على أن الإيمان الحقيقي لا يعني أن نجد جواباً لكل سؤال، بل أن نثق بالله عندما تغيب الأجوبة، رابطاً ذلك بالأسئلة الكبرى التي يواجهها الإنسان اليوم: المرض، الألم، الحروب، الظلم، وفقدان الأحباء.
وأكد أن مريم لا تقدم تفسيراً جاهزاً لكل هذه الآلام، لكنها تعلم الإنسان كيف يبقى واقفاً عند الصليب من دون أن يفقد الرجاء، وكيف يستمر في الثقة بالله حتى عندما لا يفهم طرقه.
العذراء أقرب إلى أبنائها
وفي حديثه عن انتقال العذراء إلى السماء، شدد المطران إبراهيم على أن انتقالها لا يعني ابتعادها عن الأرض، بل على العكس، أصبحت أقرب إلى جميع أبنائها، لأنها أم لا تنسى أبناءها.
ولفت إلى أن المرضى والمتألمين والحزانى واليائسين والشباب والأمهات وكل من أثقلته الحياة يجدون في مريم ملجأً ورجاءً، مؤكداً في الوقت نفسه أن العذراء لا تستقطب الأنظار إلى ذاتها، بل تقود الجميع إلى المسيح.
واستشهد بما قالته في عرس قانا الجليل: «مهما قال لكم فافعلوه»، معتبراً أن رسالتها ما زالت اليوم هي قيادة الإنسان نحو ابنها، لأن كل تكريم حقيقي للعذراء ينتهي عند المسيح، وكل محبة صادقة لها تجعل المؤمن أكثر شبهاً به.
التكريم الحقيقي بالاقتداء
ودعا المطران إبراهيم إلى أن يتحول تكريم العذراء من مجرد احتفال بالمناسبة إلى ممارسة يومية لفضائلها، من خلال التواضع والطاعة والمحبة والخدمة والغفران والصلاة.
وقال إن المطلوب أن «نتواضع كما تواضعت، وأن نطيع الله كما أطاعته، وأن نحب دون انتظار مقابل، وأن نخدم دون أن نبحث عن المديح، وأن نغفر لمن أساء إلينا، وأن نصلي بثقة حتى عندما يبدو كل شيء مستحيلاً».
وأكد أن القداسة لا تكمن بالضرورة في الأعمال الخارقة، بل في «أن نعيش بأمانة الإنجيل في تفاصيل حياتنا الصغيرة»، لأن الله يصنع من الأمانة اليومية طريقاً إلى المجد الأبدي.
صلاة من أجل لبنان
وفي ختام عظته، رفع المطران إبراهيم الصلاة إلى العذراء مريم، طالباً شفاعتها من أجل لبنان «الذي يئن تحت ثقل الأزمات»، ومن أجل كاتدرائية سيدة النجاة في زحلة، وعائلاتها، وشبابها، ومرضاها، ومسنيها، سائلاً أن تحفظهم في الوحدة والإيمان والرجاء والسلام، وأن تقود الجميع إلى ابنها يسوع المسيح.
وختم بالصلاة من أجل أن يبلغ المؤمنون، بعد انتهاء غربتهم على الأرض، «فرح الملكوت، حيث لا حزن ولا وجع ولا موت، بل حياة لا نهاية لها في حضرة الآب والابن والروح القدس».
وبعد انتهاء القداس، انتقل المطران إبراهيم إلى صالون المطرانية، حيث استقبل المهنئين بعيد انتقال السيدة العذراء.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم المحلي






اترك تعليقًا