تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في النبطية… هل بدأت معركة حسم تلال علي الطاهر؟… من القصف التمهيدي إلى اختبار الميدان
خاص _ ميديا برس ليبانون
■ أحمد موسى
لم يعد التصعيد الإسرائيلي المتواصل في جنوب لبنان يبدو، وفق مؤشرات الميدان، مجرد سلسلة ضربات موضعية مرتبطة برسائل أمنية عابرة. فحجم النيران المستخدمة، وتعدد وسائل الهجوم، واتساع رقعة الاستهداف، وصولاً إلى تلال علي الطاهر ومحيط موقع الدبشة والنبطية الفوقا وأنصار ودير الزهراني، يفتح الباب أمام فرضية أخطر: هل تتحول سياسة الضغط بالنار إلى تمهيد لعمل عسكري ميداني محدود لكنه أوسع من الضربات الجوية؟.
التطورات الأخيرة جاءت بعد أيام من تصعيد جوي واستخدام مكثف للطيران الحربي والمسيّرات، وسط تقارير عن استخدام مواد حارقة وفسفورية، في سياق يراه خبراء ومحللون عسكريون جزءاً من مرحلة تمهيدية واستباقية قد تسبق محاولة تغيير قواعد الاشتباك على الأرض.
وإذا كانت إسرائيل قد تجنبت، حتى الآن، الانزلاق إلى اجتياح بري واسع، فإن طبيعة العمليات الحالية تترك احتمالاً وسطاً أكثر خطورة: عملية ميدانية محدودة أو “جراحية” تستهدف مواقع ومرتفعات محددة، وفي مقدمتها تلال علي الطاهر، بما يتيح للجيش الإسرائيلي تحقيق مكسب ميداني من دون الدخول في حرب برية شاملة.
تلال علي الطاهر… لماذا كل هذا الإصرار الإسرائيلي؟
تكتسب تلال علي الطاهر أهمية عسكرية بسبب موقعها الاستراتيجي وإشرافها على مساحة واسعة من المنطقة المحيطة بالنبطية، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها أو فرض منطقة عسكرية حولها ذات قيمة عملياتية كبيرة.
ومن هنا يمكن قراءة الإصرار الإسرائيلي على استهداف هذه المنطقة باعتباره يتجاوز فكرة الردع الجوي التقليدي. فتكثيف القصف المدفعي، والغارات الجوية، والتحليق المكثف للمسيّرات والطيران الحربي، إضافة إلى دخول مروحيات الأباتشي على خط العمليات وتمشيط مناطق محددة بالرشاشات الثقيلة، يشير إلى محاولة إضعاف البيئة الميدانية قبل أي تحرك بري محتمل.
وفي الحسابات العسكرية، لا تبدأ العمليات البرية بالضرورة عند دخول القوات إلى الأرض. فالتمهيد الناري، جمع المعلومات الاستخبارية، مراقبة المحاور، اختبار ردود الفعل، واستنزاف القدرات الدفاعية، كلها مراحل يمكن أن تسبق القرار الميداني.
وهنا تكمن خطورة ما يجري في النبطية: العملية قد لا تكون قد بدأت برياً، لكن عناصر التمهيد لعملية برية محدودة تبدو حاضرة في المشهد.
من كفرتبنيت إلى أرنون وعلي الطاهر… ماذا يقول انتشار النيران؟
شهد محور كفرتبنيت – أرنون – علي الطاهر تصعيداً لافتاً، بالتزامن مع قصف التلال والمناطق المحيطة بها.
وتزامن ذلك مع غارات طالت النبطية الفوقا ومحيطها وصولاً إلى أنصار، حيث أفيد عن استهداف منزل مأهول وسقوط ستة ضحايا على الأقل وفق الحصيلة الأولية المتداولة.
هذا الاتساع الجغرافي مهم في قراءة المشهد. فكلما توسعت دائرة النيران حول الهدف الرئيسي، أصبح من الممكن تفسيرها باعتبارها محاولة لعزل منطقة العمليات، أو منع الحركة والإمداد، أو فرض واقع أمني جديد على السكان والقوى الموجودة في محيط المنطقة المستهدفة.
بمعنى آخر، الهدف لا يقاس فقط بالموقع الذي تصيبه القنبلة، بل أيضاً بالمجال الذي تمنع النيران الحركة داخله.
الأباتشي والطيران الحربي… رسائل تتجاوز القصف
دخول مروحيات الأباتشي إلى المشهد يضيف بعداً عملياتياً مختلفاً. فالمروحيات الهجومية تستطيع العمل على ارتفاعات ومسافات تسمح باستهداف نقاط محددة ومتحركة، كما يمكن استخدامها في عمليات تمشيط ومراقبة نارية للمحاور التي قد تشكل جزءاً من مسرح عمليات بري.
أما الطيران الحربي، فيوفر قدرة أكبر على ضرب أهداف ثابتة وتدمير البنية التحتية أو المواقع التي تحددها الاستخبارات العسكرية.
وعندما تتكامل هذه الوسائط مع المدفعية والمسيّرات، تصبح العملية أقرب إلى منظومة نيران متعددة الطبقات، لا مجرد غارات منفردة.
وهذا لا يعني حكماً أن قرار التوغل البري قد اتُّخذ، لكنه يجعل فرضية التحضير لعملية محدودة أكثر قابلية للنقاش، خصوصاً إذا استمر التصعيد بالمستوى نفسه أو ارتفع خلال الساعات والأيام المقبلة.
نتنياهو وترامب… البعد السياسي خلف القرار العسكري
لا يمكن فصل التصعيد الميداني عن الحسابات السياسية الإسرائيلية والأميركية.
فالتقارير عن طلب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو موافقة أميركية على تنفيذ عملية محدودة أو “جراحية” تطرح سؤالاً أساسياً: هل تسعى إسرائيل إلى انتزاع مكسب عسكري محسوب من دون تحمل كلفة حرب واسعة؟.
في هذه الحالة، تصبح العملية المحدودة أداة لتحقيق عدة أهداف في آن واحد:
■ الضغط على لبنان وحلفائه ميدانياً وسياسياً.
■ اختبار ردود الفعل على خرق قواعد الاشتباك.
■ تحسين الوضع العملياتي الإسرائيلي في مناطق محددة.
■ إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة والأطراف الدولية بأن إسرائيل قادرة على فرض وقائع جديدة.
■ استخدام أي إنجاز عسكري محتمل في الداخل الإسرائيلي كرافعة سياسية لحكومة نتنياهو.
وهنا تحديداً تظهر خطورة ربط محللين إسرائيليين بين السيطرة على موقع ميداني ذي قيمة وبين تحقيق مكسب سياسي داخلي. فكلما أصبح الإنجاز العسكري قابلاً للتسويق كـ”انتصار”، ارتفعت قيمة العمليات المحدودة في الحسابات السياسية.
هل نحن أمام اجتياح جديد؟
المعطيات الحالية لا تكفي للجزم بأن إسرائيل تتجه إلى اجتياح بري واسع، كما أن حجم التصعيد وحده لا يشكل دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار بهذا الاتجاه.
لكن السيناريو الأكثر واقعية قد يكون مختلفاً: عملية بين الحرب الجوية والاجتياح البري.
أي توغل محدود، يستهدف مرتفعات أو مواقع محددة، يرافقه قصف كثيف وغطاء جوي، ثم انسحاب أو إعادة تموضع بعد تحقيق هدف عملياتي معلن أو غير معلن.
هذا النوع من العمليات قد يكون أكثر جاذبية للقيادة الإسرائيلية من حرب برية شاملة، لأنه يسمح بتحقيق مكسب ميداني مع تقليص كلفة الخسائر البشرية والسياسية.
لكن المشكلة أن مثل هذه العمليات تحمل في المقابل خطراً كبيراً يتمثل في إمكانية خروجها عن السيطرة، خصوصاً إذا قوبلت برد عسكري يفرض على إسرائيل توسيع نطاق العملية.
النزوح المدني… المؤشر الأخطر خارج ساحة القتال
اللافت أن التصعيد لم يبقَ محصوراً في مناطق عسكرية أو مرتفعات بعيدة عن التجمعات السكانية.
فالغارات التي طالت مناطق مأهولة، وسقوط ضحايا، والتحليق المكثف، والخوف المتزايد بين السكان، كلها عوامل دفعت إلى تسجيل حركة نزوح من النبطية والمناطق المجاورة باتجاه مناطق أكثر أمناً.
وهنا ينتقل الصراع من معادلة عسكرية إلى أزمة إنسانية وأمن اجتماعي.
فالمدن والبلدات الجنوبية التي تحاول استعادة دورة حياتها الطبيعية بعد وقف إطلاق النار تجد نفسها مجدداً أمام مشهد الحرب: مدارس ومؤسسات ومنازل مهددة، سكان يغادرون، وحركة اقتصادية تتراجع، في وقت يفترض أن تكون فيه الأولوية لتثبيت الاستقرار وإعادة الإعمار.
الحكومة اللبنانية: التصعيد يقوّض مساعي تثبيت الاستقرار
في خضم التطورات، اعتبر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن التصعيد الإسرائيلي الذي تشهده منذ فجر اليوم مدينة النبطية وبلدة أنصار ودير الزهراني والقرى المجاورة، وما رافقه من غارات وقصف كثيف وترهيب للأهالي داخل منازلهم، “بالغ الخطورة”، معتباً أنه يقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب.
وشدد سلام على ضرورة وقف التصعيد الإسرائيلي، مؤكداً أن أمن الأهالي وحقهم في الحياة على أرضهم ليسا موضع تفاوض أو مساومة.
الموقف الحكومي يعكس معادلة شديدة الحساسية: لبنان يريد تثبيت وقف إطلاق النار ومنع العودة إلى دورة الحرب، بينما تستمر إسرائيل في فرض معادلتها العسكرية عبر الضربات والاستهدافات والضغط الميداني.
وهنا يصبح السؤال السياسي أكثر إلحاحاً: هل تستطيع الضمانات والاتصالات الدولية وقف الانزلاق قبل أن يتحول التصعيد المحدود إلى مسار عسكري مفتوح؟.
ثلاثة سيناريوهات أمام الجنوب
السيناريو الأول: رسالة نارية محدودة
قد يكون التصعيد محاولة إسرائيلية لرفع مستوى الضغط وتحقيق أهداف ردعية من دون الدخول في عملية برية.
في هذه الحالة، يتراجع القصف تدريجياً بعد توجيه الرسائل المطلوبة، وتعود المنطقة إلى مستوى أقل من التصعيد.
السيناريو الثاني: عملية “جراحية”
وهو السيناريو الأكثر إثارة للقلق، حيث يجري تنفيذ توغل محدود باتجاه نقطة أو مرتفع محدد، مع غطاء جوي ومدفعي كثيف، ثم محاولة إنهاء العملية قبل تحولها إلى مواجهة واسعة.
السيناريو الثالث: انفلات ميداني
وهو الأخطر، إذ قد يؤدي خطأ في الحسابات أو سقوط عدد كبير من الضحايا أو تنفيذ عملية برية إلى رد عسكري يفتح الباب أمام تصعيد متبادل، يعيد الجنوب إلى مشهد الحرب المفتوحة.
علي الطاهر أمام اختبار جديد
ما يجري في النبطية وتلال علي الطاهر لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد يوم آخر من القصف المتبادل. فالتدرج الذي سبق التصعيد، وتعدد وسائل النيران، واتساع رقعة الاستهداف، وحضور المروحيات والطيران الحربي، إلى جانب الخطاب السياسي الإسرائيلي، كلها مؤشرات تستحق مراقبة دقيقة.
لكن الفصل بين التمهيد لعملية عسكرية واتخاذ قرار نهائي بتنفيذها يبقى ضرورياً. فإسرائيل قد تكون بصدد رفع سقف الضغط للحصول على مكاسب سياسية، وقد تكون تختبر ردود الفعل قبل اتخاذ قرار ميداني، وقد يكون التصعيد نفسه جزءاً من عملية محدودة يجري إعدادها.
في المقابل، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الاتصالات السياسية والدولية على منع انتقال النار من السماء إلى الأرض.
أما تلال علي الطاهر، فقد تحولت مرة جديدة إلى أكثر من مجرد موقع جغرافي. إنها الآن اختبار عسكري وسياسي لمعادلة الجنوب بعد وقف إطلاق النار: هل يبقى التصعيد ضمن حدود الضربات والرسائل، أم أن إسرائيل تتجه إلى فرض واقع ميداني جديد؟.
الجواب لن تحدده التصريحات وحدها، بل ما ستكشفه الساعات المقبلة من حركة القوات، وطبيعة الأهداف، واتساع نطاق القصف، وما إذا كانت إسرائيل ستكتفي بالنار من بعيد أم ستدفع بقواتها إلى الأرض.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا