اختلفوا في السياسة… ولا تختلفوا في الطائفة
■ محمود أ. عراجي
ميديا برس ليبانون | في الآونة الأخيرة، نلاحظ حملة واضحة على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإخبارية تستهدف شخص الرئيس سعد الحريري وتنتقد مرحلة حكمه، في مقابل إشادة بالرئيس نواف سلام وبعهده، حتى باتت المقارنة بين الرجلين عنوانًا دائمًا في سجالات سياسية وإعلامية تتسع يومًا بعد يوم.
من حق أي مواطن أن ينتقد أي مسؤول، ومن حق الناس أن تختلف في تقييم التجارب السياسية والحكومات والمراحل السابقة. لكن ما يدعو إلى القلق هو أن يتحول هذا الاختلاف السياسي إلى خلاف سني–سني، وأن تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتبادل الاتهامات والردود والردود المضادة بين مؤيدي سعد الحريري ومؤيدي نواف سلام.
وهنا لا بد من التوقف والسؤال: إلى أين نذهب؟ ومن المستفيد من تحويل الخلاف السياسي إلى شرخ داخل الطائفة السنية؟.
الطائفة السنية في لبنان ليست بحاجة إلى معركة جديدة بين أبنائها، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسامات بأسماء وشعارات جديدة.
فالظروف التي مرّ بها الرئيس سعد الحريري كانت مختلفة تمامًا عن الظروف التي يعيشها لبنان اليوم، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وإقليميًا ودوليًا. ومن الظلم أن نحاكم مرحلة سابقة بعين الحاضر، أو أن نقارن مسؤولًا بآخر وكأن الرجلين عملا في الظروف نفسها، وامتلكا الأدوات والخيارات ذاتها.
لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطه. الحياة السياسية اللبنانية لطالما تأثرت بالتوازنات الإقليمية والدولية، وبمواقف الدول الكبرى، وبالضغوط والاتصالات الخارجية. وحضور السفراء وتحركاتهم واتصالاتهم مع المسؤولين والقوى السياسية ليس أمرًا جديدًا على الحياة السياسية اللبنانية، وهو يعكس حجم التشابك بين الداخل اللبناني ومحيطه الإقليمي والدولي.
لذلك، لا تجعلوا من أنفسكم أدوات في معارك لا تعرفون من يقف خلفها، ولا إلى أين يريد أن يصل بها.
انتقدوا سعد الحريري إن شئتم، وأيّدوا نواف سلام إن شئتم، أو انتقدوا الاثنين معًا إن وجدتم ما يستوجب النقد. هذا حقكم السياسي والديمقراطي.
لكن لا تجعلوا الاختلاف السياسي يتحول إلى عداوة بين أبناء الطائفة الواحدة.
لا تسمحوا لأحد أن يدفعكم إلى كراهية بعضكم بعضًا. ولا تجعلوا اسم سعد الحريري سببًا لخصومة مع أخيكم، كما لا تجعلوا تأييد نواف سلام سببًا لاتهام أخيكم أو تخوينه.
فالخلاف السياسي ينتهي، أما الشرخ الاجتماعي والطائفي فقد يحتاج سنوات طويلة حتى يلتئم.
اتقوا الله في لبنان، واتقوا الله في أهلكم وناسكم.
لا تكونوا وقودًا لفتنة لا يعرف أحد كيف تبدأ ولا كيف تنتهي. ولا تكونوا جنودًا في معركة قد يكون أصحابها الحقيقيون بعيدين عنكم، بينما أنتم من يدفع الثمن.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى الوعي لا التحريض، وإلى الحوار لا التخوين، وإلى جمع الكلمة لا كسرها.
من يختلف مع سعد الحريري، فليختلف معه سياسيًا. ومن يؤيد نواف سلام، فليؤيده سياسيًا. ومن يملك ملاحظات على تجربة أي منهما، فليطرحها بالنقد المسؤول.
لكن لا تجعلوا سعد الحريري ونواف سلام عنوانًا لخلاف سني–سني.
فالطائفة السنية في لبنان أكبر من الأشخاص، وأكبر من الحكومات، وأكبر من أي مرحلة سياسية.
ولا تسلّموا عقولكم لمن يريد إشعال الخلاف بينكم. فالأخ الذي يختلف معك سياسيًا اليوم، يبقى أخاك وشريكك في الوطن غدًا.
اختلفوا في السياسة، لكن لا تختلفوا على أخوّتكم.
ما ينقص لبنان اليوم ليس خصومة جديدة بين أبنائه، وما ينقص الطائفة السنية تحديدًا ليس مزيدًا من الانقسام، بل الحكمة والوعي ووحدة الصف.
واحذروا الفتنة قبل أن تبدأ؛ لأن من يشعلها قد يستطيع التحكم ببدايتها، لكنه لن يستطيع التحكم بنهايتها.
لبنان يحتاج إلى عقلاء يطفئون النار، لا إلى أصوات تزيدها اشتعالًا.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون | قسم التحليل والآراء
■ محمود أ. عراجي



اترك تعليقًا