حريق مكبّ المرج يعيد فتح ملف النفايات: أكثر من عقدين من الأزمة… فمن يتحمّل المسؤولية؟
ميديا برس ليبانون |دخانٌ كثيف، روائح خانقة، مخاوف صحية وبيئية، وقلقٌ يتجدّد مع كل حريق… في المرج، لم تعد النفايات مشكلة خدماتية عابرة، بل ملفاً عمره أكثر من عشرين عاماً، يعود إلى الواجهة كلما اشتعل المكبّ.
حريق جديد… ومشكلة قديمة
لم يكن الحريق الذي اندلع ليل أمس في مكبّ النفايات في منطقة المرج مجرد حادث ميداني محدود، بعدما امتدت تداعياته إلى حياة السكان والبلدات المحيطة، وسط انتشار دخان كثيف وروائح أثارت مخاوف الأهالي من انعكاساتها على الصحة العامة والبيئة والأراضي الزراعية.
وبينما سارعت بلدية المرج، بالتنسيق مع بلدية قب الياس، إلى التدخل والعمل على إخماد الحريق والحد من آثاره، أعاد الحادث طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى ستبقى أزمة النفايات في المنطقة تُدار بمنطق إطفاء الحرائق بدلاً من معالجة أسبابها؟.
البلدية أكدت أن الأزمة ليست جديدة، بل مستمرة منذ أكثر من عقدين، مشيرة إلى أن المعطيات المتوافرة لديها لا تشير إلى أن الحريق كان متعمداً، بل ترجّح ارتباطه بوجود مواد ونفايات قابلة للاشتعال قد تتفاعل مع ارتفاع درجات الحرارة.
لكن، بصرف النظر عن سبب الاشتعال المباشر، يبقى السؤال الأوسع: هل يكمن الخطر في الحريق نفسه، أم في استمرار وجود منظومة نفايات قابلة للاشتعال والتفاعل في موقع بات يشكل هاجساً دائماً للسكان؟.
حريقان خلال سنة وشهرين… ماذا يعني ذلك؟
وفق رواية البلدية، شهد المكب خلال فترة لا تتجاوز السنة وشهرين منذ تولّي المجلس البلدي الحالي مهامه حريقين، ما يضع مسألة السلامة في الموقع أمام علامة استفهام جدية.
فالحرائق المتكررة في مكبات النفايات لا يمكن التعامل معها فقط باعتبارها أحداثاً طارئة، خصوصاً عندما تتكرر في الموقع نفسه. فالنفايات المختلطة، والمواد العضوية، والبلاستيك، والمخلفات القابلة للاشتعال، يمكن أن تشكل بيئة تسمح باندلاع الحرائق أو استمرارها، فيما قد تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة مخاطر الاشتعال.
وهنا تبرز الحاجة إلى تقييم علمي وبيئي مستقل لطبيعة المكب، ومدى مطابقته للمعايير البيئية، وآليات تخزين النفايات ومعالجتها، فضلاً عن تحديد المخاطر المحتملة على الهواء والتربة والمياه الجوفية والأراضي الزراعية.
صحة الأهالي… الخط الأحمر
الأكثر حساسية في القضية هو الجانب الصحي.
فالدخان الناتج عن حرائق النفايات قد يحمل ملوثات وجسيمات دقيقة ومواد كيميائية مختلفة، بحسب طبيعة النفايات المحترقة. ولذلك فإن الخطر لا يتوقف عند حدود الرائحة المزعجة أو المشهد البصري، بل يمتد إلى نوعية الهواء الذي يتنفسه السكان، ولا سيما الأطفال وكبار السن والأشخاص الأكثر حساسية للتلوث الهوائي.
ومن هنا، فإن التعامل مع الحريق باعتباره «انتهى بعد إخماده» لا يكفي. المطلوب هو التأكد من عدم وجود بؤر اشتعال داخل المكب، ومراقبة نوعية الهواء، وتقييم الآثار البيئية والصحية للحريق، وإطلاع السكان بشفافية على نتائج هذه الإجراءات.
البلدية بين غضب الأهالي وغياب البدائل
في بيانها، حاولت بلدية المرج وضع القضية في إطارها الأوسع، مؤكدة أنها لا تقف في مواجهة أبناء البلدة، بل إلى جانبهم، وأنها تتفهم غضب السكان وقلقهم.
وهذه النقطة تكشف جوهر المشكلة: البلدية نفسها تقول إن المكب ليس خياراً مثالياً ولا الحل الذي تطمح إليه، لكنها تجد نفسها أمام واقع صعب في ظل غياب بدائل جدية ومستدامة.
وهنا تتحول أزمة النفايات من ملف بلدي إلى مسؤولية تتداخل فيها صلاحيات الدولة والوزارات والإدارات المحلية والجهات السياسية والرقابية.
فإذا كانت البلديات مطالبة بجمع النفايات ونقلها، فمن يحدد وجهتها النهائية؟ ومن يضع المعايير البيئية؟ ومن يراقب سلامة المكبات؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول موقع لتجميع النفايات إلى مصدر خطر على السكان؟.
تعليق جمع النفايات… حل اضطراري لا معالجة نهائية
قرار بلدية المرج تعليق جمع النفايات لمدة ثلاثة أيام، في انتظار إخماد الحريق نهائياً والتأكد من سلامة الظروف المحيطة بالموقع، يعكس حجم الإشكالية.
فالقرار قد يكون ضرورياً من الناحية الاحترازية، لكنه في الوقت نفسه يفتح أزمة أخرى: أين ستذهب النفايات التي ستنتجها المنازل خلال فترة التوقف؟.
وهنا تظهر الحلقة المفرغة التي تعاني منها المنطقة: مكب يثير المخاوف، تعليق للجمع يؤدي إلى تراكم النفايات، وغياب البديل يعيد المشكلة إلى نقطة الصفر.
من المسؤول عن الحل؟
بلدية المرج وضعت الملف برسم وزارة البيئة، ووزارة الداخلية والبلديات، ومحافظ البقاع، والوزارات والإدارات المعنية، والنواب وسائر الجهات الرسمية.
وهذا يعني أن القضية باتت تحتاج إلى قرار يتجاوز حدود البلدية.
المطلوب ليس فقط إرسال آليات لإخماد حريق، ولا إصدار بيانات بعد كل حادث، بل فتح ملف المكب بصورة رسمية وشاملة، وإجراء كشف بيئي وفني، وتحديد المخاطر، ومعرفة القدرة الاستيعابية للموقع، ووضع جدول زمني لمعالجة المشكلة.
كما أن أي حل مستدام يجب أن يأخذ في الاعتبار الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، ومعالجة النفايات العضوية، وتقليص كمية النفايات التي تصل إلى المكبات، وتأمين مواقع معالجة تستوفي الشروط البيئية والصحية.
اختبار حقيقي للدولة والبلديات
الحريق الأخير في المرج قد ينطفئ خلال ساعات أو أيام، لكن القضية التي كشفها لن تنطفئ بهذه السرعة.
فالمشكلة عمرها، بحسب البلدية، أكثر من عشرين عاماً، وبالتالي فإن تحميل مجلس بلدي واحد مسؤولية تراكمات عقدين لا يقدم حلاً، كما أن إعفاء السلطات الرسمية من مسؤولياتها لا يخدم الأهالي.
المطلوب هو الانتقال من منطق تبادل الاتهامات إلى منطق تحديد المسؤوليات، ومن معالجة نتائج الأزمة إلى معالجة أسبابها.
فالمرج ليست في مواجهة بلديتها، كما تقول البلدية، والبلدية ليست في مواجهة أهلها. المعركة الحقيقية هي مع أزمة نفايات مزمنة تهدد، إذا استمرت على هذا النحو، البيئة والصحة العامة والزراعة والمياه.
الحريق انتهى… لكن السؤال بقي مشتعلاً
الحريق الأخير يجب ألا يتحول إلى خبر عابر يُنسى بعد انحسار الدخان.
إن كان الاشتعال ناتجاً عن مواد قابلة للاحتراق وارتفاع درجات الحرارة، فإن ذلك بحد ذاته يستدعي السؤال عن كيفية إدارة الموقع وتأمينه ومنع تكرار السيناريو.
وإن كانت البلدية تقول إن المكب ليس خياراً مثالياً، فهذا يعني أن الجميع أمام اعتراف واضح بضرورة البحث عن بديل.
المطلوب اليوم ليس إطفاء الحريق فقط، بل إطفاء أزمة عمرها أكثر من عشرين عاماً.
والحل يبدأ بقرار رسمي واضح: تقييم علمي وبيئي للمكب، تحديد المسؤوليات، حماية الأهالي، وقف أي ممارسات تهدد البيئة، ووضع خطة مستدامة لإدارة النفايات في المرج والبلدات المحيطة.
لأن الدخان قد يتبدد، والرائحة قد تزول، لكن آثار سوء إدارة النفايات قد تبقى في الهواء والتربة والمياه… وربما في صحة جيل كامل.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات البلدية والبيئة



اترك تعليقًا