مراد وجنبلاط في مواجهة التصعيد الإسرائيلي: لا للرهان على الوعود… والدولة أمام اختبار السيادة والمحاسبة

مراد وجنبلاط في مواجهة التصعيد الإسرائيلي: لا للرهان على الوعود… والدولة أمام اختبار السيادة والمحاسبة


بين أنصار ودير الزهراني وخريطة الأطماع: تصعيد إسرائيلي يختبر المفاوضات والدولة اللبنانية

■ أحمد موسى
ميديا برس ليبانون | في وقت يفترض أن تكون فيه المفاوضات والآليات السياسية مدخلًا لخفض التوتر وتثبيت الاستقرار، تأتي الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب اللبناني لتطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا حول جدوى الضمانات والاتفاقات، وحول قدرة الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي على تحويل التعهدات السياسية إلى إجراءات فعلية تردع التصعيد وتحمي المدنيين والسيادة اللبنانية.

وفي هذا السياق، تقاطعت مواقف النائب حسن مراد ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط عند نقطة أساسية: استمرار الاعتداءات الإسرائيلية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أحداث ميدانية منفصلة، بل باعتباره اختبارًا مباشرًا للمسار السياسي برمّته ولقدرة الدولة اللبنانية على حماية سيادتها وفرض احترامها.

مراد: البيانات لا تكفي والمطلوب محاسبة المعتدي

النائب حسن مراد دان الاعتداءات الإسرائيلية، معتبرًا أن إسرائيل لا تعير وزنًا للاتفاقات أو التوازنات أو القرارات الدولية، وأنها ضربت التزاماتها ووعودها عرض الحائط، في وقت يستمر فيه استهداف اللبنانيين بالقتل والتدمير.

وفي قراءة سياسية لموقفه، فإن مراد يضع المجتمع الدولي والسلطة اللبنانية أمام مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات الإدانة، معتبرًا أن حماية لبنان لا يمكن أن تقوم على الرهان على التزام إسرائيل أو الثقة بضماناتها، بل على آليات ضغط ومحاسبة قادرة على وقف الاعتداءات.

ومن هنا، دعا إلى التقدم بشكوى أمام مجلس الأمن والمحاكم الدولية، في محاولة لنقل الملف من دائرة المواقف السياسية إلى دائرة المساءلة القانونية والدولية.

وهذا الطرح يعكس إشكالية أساسية في المشهد اللبناني: كيف يمكن تحويل الاعتداءات المتكررة من وقائع ميدانية إلى ملف قانوني وسياسي متكامل، خصوصًا في ظل استمرار الحديث عن مفاوضات وضمانات وآليات أمنية يفترض أن تضبط المرحلة المقبلة؟.

جنبلاط: الإطار الثلاثي لم ينتج نتائج ملموسة

من جهته، أدان النائب تيمور جنبلاط ما وصفه بالمجزرة الإسرائيلية في أنصار ودير الزهراني، معتبرًا أن استمرار الاعتداءات على المدنيين يؤكد أن «الإطار الثلاثي» لم يحقق حتى الآن نتائج ملموسة على الأرض.

ويكشف هذا الموقف عن فجوة متزايدة بين المسار السياسي والواقع الميداني؛ فكلما استمرت العمليات العسكرية بالتوازي مع المفاوضات، ارتفعت التساؤلات حول قدرة هذه المفاوضات على إنتاج ترتيبات قابلة للتنفيذ، وحول ما إذا كانت إسرائيل تتعامل معها كمسار جدي أم كمساحة زمنية تسمح لها بفرض وقائع جديدة.

جنبلاط أعاد التأكيد على مجموعة من العناوين التي يعتبرها أساسًا لأي تسوية، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وحصرية السلاح بيد الدولة، وعودة الأهالي إلى قراهم، وفتح مسار إعادة الإعمار.

وهذه المعادلة تعكس، في جوهرها، محاولة ربط الأمن بالسيادة وبإعادة بناء المناطق المتضررة، بدل اختزال الحل في ترتيبات عسكرية مؤقتة.

الخريطة الإسرائيلية: من العمليات العسكرية إلى اختبار النوايا

لكن التطور الأكثر حساسية في موقف جنبلاط تمثل في اعتراضه على الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، والتي قال إنها تظهر اقتطاع أجزاء من الأراضي اللبنانية وضمها إلى إسرائيل.

وبصرف النظر عن التوظيف السياسي لهذه الخرائط ومدلولاتها القانونية، فإن نشر أي تصور يتضمن تغييرًا للحدود أو توسيعًا للنطاق الجغرافي يكتسب أهمية استثنائية في لحظة تفاوضية دقيقة، لأنه قد يُقرأ باعتباره محاولة لرفع سقف المطالب أو تكريس وقائع سياسية وأمنية جديدة.

وهنا تكمن الخطورة التي أشار إليها جنبلاط: إذا كانت المفاوضات تهدف إلى تثبيت الحدود والسيادة ووقف الأعمال العدائية، فإن ظهور خرائط ذات دلالات توسعية يضع المسار التفاوضي أمام اختبار حقيقي، ويطرح سؤالًا حول مدى جدية الالتزام بمخرجاته.

الدولة أمام اختبار السيادة

الموقفان، رغم اختلاف المقاربة السياسية لكل منهما، يلتقيان عند تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية إعادة تقييم المرحلة.

فمراد يركز على ضرورة الانتقال من الإدانة إلى المحاسبة الدولية، بينما يشدد جنبلاط على ضرورة تمسك الدولة بالتفاوض من موقع السيادة وعدم السماح باستخدام المفاوضات غطاءً لاستمرار الاعتداءات وفرض وقائع ميدانية.

وهنا تبرز معادلة دقيقة: التفاوض باسم لبنان يجب أن يكون من صلاحية الدولة، لكن نجاح هذا التفاوض يتطلب أيضًا امتلاك الدولة أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية تحول دون تحويل طاولة المفاوضات إلى مساحة لإدارة الوقت بينما تستمر الوقائع العسكرية على الأرض.

الجنوب بين نار الميدان وضغط السياسة

ما يجري في الجنوب لا ينفصل عن مسار أوسع يتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في لبنان. فاستمرار الضربات، إلى جانب أي خطوات أو خرائط ذات دلالات حدودية، يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة صعبة: التمسك بالمسار الدبلوماسي من جهة، ومنع تحوله إلى غطاء لتثبيت أمر واقع جديد من جهة أخرى.

وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي أمام اختبار مماثل، إذ إن استمرار الاعتداءات رغم وجود مسارات تفاوضية وضمانات دولية يطرح علامات استفهام حول فاعلية آليات الضغط والمراقبة والمساءلة.

إدارة الأزمات ليس كافياً

بين دعوة حسن مراد إلى اللجوء إلى مجلس الأمن والمحاكم الدولية، وتشديد تيمور جنبلاط على الانسحاب الكامل وحصرية السلاح بيد الدولة وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، تتبلور صورة سياسية واحدة: الجنوب اللبناني لم يعد يحتمل إدارة الأزمة بالبيانات وحدها.

فالمطلوب، وفق هذا الاتجاه السياسي، أن تتحول المفاوضات إلى مسار منتج وقابل للقياس، وأن تقترن الضمانات بآليات تنفيذ ومحاسبة، وأن يكون احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه نقطة غير قابلة للتفاوض.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي الانتقال من مرحلة تسجيل الخروقات والإدانات إلى مرحلة فرض الالتزام، أم أن الجنوب سيبقى ساحة مفتوحة لفرض الوقائع بالنار قبل أن تصل المفاوضات إلى خواتيمها؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا