قرار حصر العمرة جواً يفتح باب الجدل: سلامة المعتمرين أم كلفة تحرم الفقراء؟

قرار حصر العمرة جواً يفتح باب الجدل: سلامة المعتمرين أم كلفة تحرم الفقراء؟


ميديا برس ليبانون |أعاد قرار رئيس هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة القاضي محمد المكاوي، القاضي بالاستمرار في منع النقل البري لحملات الحج والعمرة وحصر تفويج الحجاج والمعتمرين عبر مطار رفيق الحريري الدولي، فتح نقاش واسع حول المعادلة الحساسة بين سلامة المعتمرين من جهة، وقدرتهم المالية على أداء العبادة من جهة أخرى.

وبينما يستند القرار إلى قرارات رسمية سابقة تقول الهيئة إنها تهدف إلى حماية الحجاج والمعتمرين، يطرح الأستاذ محمد شفيق حمود سؤالاً مختلفاً: هل يكون منع النقل البري، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، إجراءً لحماية الناس أم قراراً قد يحرم أصحاب الدخل المحدود من خيار سفر أقل كلفة؟

القرار الرسمي: السلامة أولاً

القرار الذي أصدره القاضي محمد المكاوي يستند إلى مجموعة من القرارات السابقة، أبرزها قرار مجلس الوزراء رقم 75/95 الذي حصر نقل الحجاج جواً، والقرار رقم 86/2012 الذي حصر سفر المعتمرين جواً.

وتؤكد الهيئة أن الإجراء يأتي من منطلق الحرص على سلامة الحجاج والمعتمرين، بما يعني أن المسألة، من وجهة نظرها، ليست مرتبطة بتفضيل وسيلة نقل على أخرى بقدر ما تتعلق بضبط آلية السفر وتنظيمها.

كما يمنع القرار الشركات والجهات من تنظيم حملات أو نشر إعلانات لرحلات الحج والعمرة براً عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مع التلويح باتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وطلب المكاوي من الأجهزة الأمنية إبلاغ الجهات المعنية بمضمون القرار والعمل به فور صدوره.

لكن ماذا عن المعتمر الذي لا يستطيع تحمّل كلفة الطائرة؟

في المقابل، يضع محمد شفيق حمود القضية في زاوية مختلفة، تنطلق من الواقع الاقتصادي للبنانيين.
ففي بلد أنهكت أزماته المالية المواطنين، أصبحت كلفة السفر عاملاً حاسماً في قدرة كثير من العائلات على أداء العمرة. وبالتالي، فإن إلغاء خيار النقل البري، من وجهة نظر المعترضين، قد يعني عملياً رفع سقف الكلفة أمام شريحة من المواطنين لا تستطيع تحمل أسعار السفر الجوي.

وهنا تظهر المفارقة:
قرار هدفه حماية المعتمر قد يتحول، إذا لم تواكبه بدائل اقتصادية، إلى عائق أمام المعتمر نفسه.
فالسلامة لا ينبغي أن تكون موضع نقاش، لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان منع النقل البري هو الوسيلة الوحيدة لتحقيقها.

لماذا لا يكون الحل بالتنظيم بدلاً من المنع؟

الاقتراح الذي يطرحه حمود يقوم على مبدأ مختلف: بدلاً من إلغاء النقل البري بالكامل، يمكن تنظيمه وفق معايير صارمة تضمن السلامة.

وهذا يمكن أن يشمل، على سبيل المثال، إخضاع الحافلات لفحوص تقنية دورية، والتأكد من صلاحيتها للمسافات الطويلة، وتشديد الرقابة على الشركات المنظمة، والتحقق من أهلية السائقين وخبرتهم، وتحديد ساعات القيادة والراحة، وفرض شروط واضحة على الرحلات الطويلة.

بهذه المقاربة، يصبح السؤال ليس:
“براً أم جواً؟”
بل: “كيف نضمن نقلاً آمناً ومتاحاً مالياً؟”.
وهو نقاش أكثر ارتباطاً بمصلحة المواطن.

خيار الطائرة.. هل تستطيع الدولة خفض الكلفة؟

أما إذا كان القرار النهائي هو الإبقاء على السفر الجوي حصراً، فإن المسؤولية لا تنتهي عند منع النقل البري.

فالجهات الرسمية مطالبة، وفق الطرح المعترض، بالبحث عن حلول تقلل كلفة السفر، ومنها التفاوض مع شركات الطيران لتأمين أسعار خاصة ومخفضة للمعتمرين، خصوصاً خلال المواسم التي ترتفع فيها أسعار التذاكر.

وهنا يمكن للدولة، بالتعاون مع شركات الطيران وشركات تنظيم حملات العمرة، البحث عن آليات جماعية للحجز بأسعار أفضل، بما يحافظ على سلامة المعتمرين ويخفف الأعباء عن المواطنين.

العبادة ليست امتيازاً اقتصادياً

القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بوسيلة النقل، بل بمفهوم أوسع يتعلق بالعدالة الاجتماعية.

فإذا كان السفر الجوي هو الخيار الإلزامي، وكانت كلفته تفوق قدرة فئات واسعة من اللبنانيين، فإن المطلوب إيجاد آلية تمنع تحول الكلفة إلى حاجز أمام الراغبين في أداء العمرة.

ومن هنا تأتي الرسالة الأساسية في موقف حمود:
السلامة حق، ولكن القدرة على أداء العبادة لا ينبغي أن تصبح امتيازاً مرتبطاً بالقدرة المالية.

فالعمرة ليست مشروعاً تجارياً، والمعتمر ليس مجرد زبون في سوق السفر، بل مواطن يبحث عن وسيلة آمنة وميسّرة للوصول إلى الأراضي المقدسة.

بين التنظيم والمصالح التجارية

وفي خلفية الجدل يبرز سؤال يحتاج إلى إجابة رسمية واضحة: هل يخدم حصر السفر جواً فقط هدف السلامة حصراً، أم أن القرار يرتب أيضاً مصالح اقتصادية على قطاع النقل الجوي وشركات تنظيم الرحلات؟.

لا يمكن إطلاق اتهامات في هذا المجال من دون أدلة، لكن من حق المواطنين طرح الأسئلة، خصوصاً عندما يكون القرار مؤثراً مباشرة على كلفة الرحلة.

ومن هنا، فإن الشفافية في شرح أسباب القرار، ونشر المعايير التي استند إليها، وتوضيح البدائل المتاحة أمام ذوي الدخل المحدود، كلها خطوات يمكن أن تخفف الجدل وتعيد النقاش إلى أساسه الحقيقي.

الحوت المالي

قرار حصر حملات الحج والعمرة بالنقل الجوي يضع الدولة أمام معادلة دقيقة: كيف تحمي سلامة الحجاج والمعتمرين من دون أن تجعل كلفة الحماية عبئاً يمنع الفقراء ومحدودي الدخل من أداء العمرة؟.

الحل، إذا كان النقل البري يحمل مخاطر حقيقية، لا ينبغي أن يتوقف عند المنع، بل يجب أن يترافق مع بديل جوي أكثر قدرة على تحمّل الكلفة، أو مع دراسة إمكانية تنظيم النقل البري وفق شروط سلامة صارمة.

أما السؤال الذي طرحه محمد شفيق حمود عن “الحوت المالي” الذي لا يشبع، فيبقى سؤالاً سياسياً واجتماعياً أكثر منه اتهاماً مباشراً، ويحتاج إلى أن يُجاب عنه بالشفافية لا بالشعارات: من يتحمل كلفة القرار؟ ومن يستفيد منه؟ ومن يضمن ألا يتحول المواطن البسيط إلى الحلقة الأضعف في معادلة تجمع العبادة بالنقل والمال؟.
فالسلامة ليست ترفاً، والعبادة ليست امتيازاً للأغنياء، وبين الاثنين تقع مسؤولية الدولة في إيجاد حل عادل وآمن وقابل للتحمل.

توضيح بشأن رحلات العمرة براً

أوضحت هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة في لبنان أن قرار منع رحلات العمرة براً يأتي مؤقتاً بهدف التثبت من قانونية الرحلات وتنظيمها، وحماية المعتمرين وضمان حقوقهم وسلامتهم.

وأشارت الهيئة إلى أن نقل المعتمرين يتم عبر شركات غير لبنانية، ما يستدعي وضع ضوابط واضحة، خصوصاً بعد الحادث الأليم الذي أودى بحياة عدد من المعتمرين اللبنانيين وأدى إلى إصابة آخرين، وسط تداخل المسؤوليات.

وأكدت الهيئة أن هدفها ليس إلغاء رحلات العمرة براً، بل تنظيمها وتأمين استمرارها ضمن أطر قانونية وضمانات واضحة تحمي المعتمرين وحقوقهم.


إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الاجتماعي والاقتصادي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا