معمل جب جنين بين أزمة النفايات واختبار الاستدامة: وزارة البيئة تفتح ملفاً يتجاوز «المعمل» إلى منظومة إدارة النفايات في البقاع

معمل جب جنين بين أزمة النفايات واختبار الاستدامة: وزارة البيئة تفتح ملفاً يتجاوز «المعمل» إلى منظومة إدارة النفايات في البقاع

تحقيق: أحمد موسى

ميديا برس ليبانون _ لم يكن حضور وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين إلى معمل فرز النفايات الصلبة في جب جنين مجرد جولة ميدانية جديدة على منشأة تعاني منذ فترة تحديات تشغيلية وبيئية، بل بدا أقرب إلى محاولة لوضع ملف النفايات في البقاع الغربي على طاولة المعالجة الفعلية، بعيداً من الحسابات السياسية وحضور المناسبات والتقاط الصور.

ففي الوقت الذي غاب فيه بعض الأصوات السياسية التي اعتادت رفع سقف المطالبات بإزالة المعمل، حضرت الوزارة إلى الموقع، برفقة ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وعدد من رؤساء البلديات، لتفحص واقع المنشأة وتحديد مكامن الخلل، بالتوازي مع تسليم ثلاث آليات جديدة من شأنها تعزيز القدرة التشغيلية وتسريع أعمال الفرز والمعالجة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتجاوز الآليات الجديدة: هل تكفي زيادة قدرة المعمل على الفرز إذا بقيت أزمة العوادم والمطمر من دون حل؟ وهل يمكن بناء إدارة مستدامة للنفايات من دون تمويل منتظم، جباية محلية، تطبيق القانون، وبنية تحتية متكاملة من الجمع والنقل وصولاً إلى المعالجة والتخلص الآمن؟.

من «إزالة المعمل» إلى معالجة المشكلة من جذورها

تأتي جولة الزين في ظل تراكم شكاوى أهلية وبلدية بشأن الروائح وانبعاثات وسوائل تحتاج إلى معالجة، فضلاً عن الحرائق التي شهدها الموقع، وهي عوامل رفعت منسوب القلق لدى سكان البلدات المحيطة.

غير أن المقاربة التي حملتها وزارة البيئة تبدو مختلفة: المشكلة ليست بالضرورة وجود مركز للفرز، بل كيفية تشغيله وإدارته، وكيفية تأمين الحلقة الأخيرة في سلسلة النفايات، أي العوادم والمطمر الصحي.

وخلال الجولة، اطلعت الوزيرة والوفد المرافق على واقع العمل داخل المنشأة، واستمعت إلى ملاحظات الإدارة والبلديات، قبل إعطاء توجيهات مباشرة للجهات المعنية بضرورة رفد المعمل بالنفايات بما يسمح بتفعيل قدراته التشغيلية.

وبذلك، تتحول القضية من سجال سياسي حول بقاء المعمل أو إزالته إلى اختبار عملي لنموذج إدارة النفايات في منطقة تخدم عشرات البلدات.

ثلاث آليات… لكن العقدة في مكان آخر

تسليم ثلاث آليات جديدة يشكل دعماً مهماً للمعمل، خصوصاً بعدما شهدت الإدارة خلال الفترة الماضية تغييرات تشغيلية وإدارية انعكست، وفق القيمين عليه، على إعادة تفعيل خطوط العمل ورفع القدرة الإنتاجية وتعزيز الرقابة على عمليات الفرز والمعالجة.

ويشير رئيس اتحاد بلديات البحيرة والمشرف على المركز، إسكندر بركة، إلى أن المعمل قادر، عند توافر الظروف التشغيلية المناسبة، على استقبال ومعالجة ما يقارب 150 طناً من النفايات يومياً.

إلا أن هذه القدرة تبقى مرتبطة بعامل حاسم: مصير العوادم بعد الفرز.

فأي معمل فرز، مهما بلغت كفاءته، لا يستطيع العمل بصورة مستدامة إذا لم تتوافر له وجهة آمنة ومنظمة للتخلص من المواد التي لا يمكن تدويرها أو معالجتها.

وهنا تكمن العقدة الأساسية في جب جنين: الحاجة إلى تأهيل المطمر الحالي، وتأمين أعمال الصيانة والمواد اللازمة، ومنها التراب والكلس، إضافة إلى الآليات الضرورية لضمان التشغيل وفق الأصول البيئية والصحية.

الوزيرة للبلديات: ابدأوا بالجباية

في المقابل، وضعت الوزيرة الزين أمام رؤساء البلديات معادلة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها جوهرية في أي خطة مستدامة لإدارة النفايات: الجباية مقابل الخدمة.

وطالبت البلديات بالبدء بالجباية، مع تحديد التسعيرة بما يتناسب مع الوضع الاجتماعي في كل بلدة وضمن ما يسمح به القانون، باعتبار أن الإدارة المتكاملة للنفايات لا يمكن أن تقوم على التمويل الظرفي أو المساعدات وحدها.

وأكدت أن الوزارة تعمل مع الحكومة على تنظيم المطامر ومعامل الفرز ضمن رؤية وطنية مدروسة ومستدامة، مشيرة إلى أن المتأخرات المالية للبلديات تخضع للدراسة والتقييم والتدقيق لدى ديوان المحاسبة، على أن تُستكمل الإجراءات لتحويل الأموال من الصندوق البلدي المستقل خلال الأشهر المقبلة.

وتحمل هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن البلديات غالباً ما تجد نفسها أمام معادلة صعبة: عليها جمع النفايات ونقلها وتأمين خدمات بيئية يومية، في وقت تعاني فيه من ضعف الموارد المالية وتراكم المستحقات.

القانون 38 في قلب المعالجة

الزين شددت أيضاً على ضرورة قراءة القانون رقم 38 ودراسته وتطبيقه، مؤكدة أن البلديات مطالبة بجمع النفايات ونقلها إلى معمل الفرز، من دون تحميلها كلفة إضافية، ضمن الإطار الذي تضعه الدولة لإدارة النفايات.

وهنا تبرز أهمية الانتقال من الحلول الترقيعية إلى منظومة متكاملة تحدد بوضوح مسؤولية كل طرف: الدولة، الوزارة، البلديات، اتحادات البلديات، المشغلون، والجهات المانحة.

فالاستدامة لا تتحقق بتسليم آلية أو إصلاح خط فرز فقط، بل عندما تصبح سلسلة النفايات بأكملها قابلة للعمل بصورة منتظمة وقابلة للتمويل والرقابة.

معمل جب جنين… من مشروع 2019 إلى اختبار 2026

معمل ومطمر فرز النفايات الصلبة في جب جنين افتُتح عام 2019 بحضور وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية آنذاك مي شدياق، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، بهدف خدمة قرى البقاع الغربي.

ومنذ انطلاقه، شكل المركز جزءاً من منظومة بيئية يفترض أن تخفف من الاعتماد على المكبات العشوائية وتؤمن فرز النفايات الصلبة، ولا سيما لبلدات اتحاد بلديات البحيرة وأجزاء من اتحاد بلديات السهل.

لكن مرور السنوات كشف أن إنشاء البنية التحتية ليس نهاية الطريق.

فالمنشأة تحتاج إلى إدارة تشغيلية مستقرة، وتمويل مستدام، ونظام نقل وجمع منتظم، وآليات كافية، ومطمر مؤهل لاستقبال العوادم، فضلاً عن رقابة بيئية صارمة تمنع تحول منشأة يفترض أن تكون جزءاً من الحل إلى مصدر جديد للمشكلة.

البعد الصحي: الروائح والحرائق والسوائل ليست تفاصيل

القضية هنا ليست بيئية فقط. فالروائح الناتجة عن تراكم النفايات، والحرائق، وانبعاثات الدخان، وسوء إدارة السوائل الناتجة عن النفايات، كلها ملفات تحمل أبعاداً صحية مباشرة، خصوصاً بالنسبة إلى السكان القاطنين في محيط المنشأة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي خطة لإعادة تشغيل المعمل أو رفع قدرته الإنتاجية يجب أن تترافق مع إجراءات واضحة للسلامة البيئية والصحية، بدءاً من إدارة النفايات الداخلة، مروراً بعمليات الفرز، وصولاً إلى تخزين ونقل ومعالجة العوادم والسوائل، مع مراقبة دورية وشفافة للنتائج.

فالهدف الحقيقي ليس فقط تقليل كمية النفايات المرسلة إلى المطمر، بل منع انتقال الأضرار من مرحلة إلى أخرى.

بركة: المعمل قادر… والمشكلة في العوادم

رئيس اتحاد بلديات البحيرة إسكندر بركة أكد أن تسليم الآليات الجديدة يشكل خطوة إضافية في تطوير المركز، مشيراً إلى التحسينات التي شهدها على المستويين الإداري والتشغيلي، والتي ساهمت في إعادة تفعيل خطوط العمل ورفع القدرة الإنتاجية وتعزيز الرقابة.

وأوضح أن المركز أثبت قدرته على استقبال ومعالجة نحو 150 طناً يومياً في حال توافر الظروف التشغيلية المناسبة، لكنه شدد على أن التحدي الأساسي لا يكمن في قدرة المعمل على الاستقبال والمعالجة، بل في إدارة العوادم وتأمين المطمر الصحي.

وأكد أن العمل مستمر بالتعاون مع اتحاد البلديات والجهات المعنية لإيجاد حل مستدام، سواء عبر تأهيل المطمر الحالي أو تأمين مطمر بديل يضمن استمرارية المرفق.

شراكة دولية… والاختبار لبناني

وجود ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال الجولة يسلط الضوء على أهمية الشراكة الدولية في دعم قطاع النفايات في لبنان، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة الدولة والبلديات على تحويل الدعم الخارجي إلى منظومة وطنية قابلة للاستمرار.

فالمساعدات تستطيع شراء آليات وتأهيل منشآت وتمويل مشاريع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن استدامة التشغيل لعشرين عاماً.

وهنا تأتي أهمية ما طرحته الزين من خطة تمتد لعشرين عاماً، هدفها مساعدة البلديات وتخفيف أعبائها، ضمن إدارة متكاملة للنفايات.

جب جنين ليس معمل فرز فقط

ما جرى في جب جنين يفتح الباب أمام قراءة أوسع لملف النفايات في البقاع: المشكلة ليست في المعمل وحده، ولا تُحل بإزالته أو تشغيله فقط.

الحل يبدأ من بناء منظومة متكاملة تتضمن الجمع المنظم، النقل السليم، الفرز، التدوير، المعالجة، إدارة العوادم، وتأمين مطامر صحية مطابقة للمعايير، إلى جانب تمويل واضح، جباية عادلة، رقابة مستمرة، وتطبيق فعلي للقوانين.

ومن هنا، فإن نجاح تجربة جب جنين لن يُقاس بعدد الآليات التي دخلت إلى المعمل، ولا بعدد الأطنان التي يستطيع استقبالها، بل بقدرته على العمل من دون أن يدفع السكان والبيئة والصحة العامة ثمن التعثر الإداري والمالي والتشغيلي.

زيارة وزيرة البيئة قد تكون خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الجولة: هل تتحول الوعود إلى تمويل؟ وهل يُعالج المطمر؟ وهل تنتظم الجباية؟ وهل تُطبق القوانين؟ وهل يصبح المعمل جزءاً من خطة وطنية طويلة الأمد لا مجرد حل مؤقت لأزمة متجددة؟

في جب جنين، تبدو المعادلة واضحة: إما أن تتحول إدارة النفايات إلى سياسة إنمائية وبيئية وصحية مستدامة، أو يبقى كل إصلاح مؤقتاً إلى أن تعود الأزمة من جديد.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم البيئي والتنموي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا