كيميائيات الزوق والجية تحت المجهر: من يتحمّل مسؤولية «النفايات الخطرة»؟ ووزارة البيئة تضع كهرباء لبنان أمام الاستحقاق القانوني


ملف لم يُغلق بعد… مواد منتهية الصلاحية، حلول تقنية متعثرة، ومطمر تراجع عن الاستقبال

ميديا برس ليبانون |لم يعد ملف المواد الكيميائية المنتهية الصلاحية في معملي الزوق والجية مجرد سجال إعلامي بين وزارة البيئة والمؤسسة العامة لكهرباء لبنان. فخلف البيانات المتبادلة، ثمة ملف بيئي وتقني وقانوني حساس يتعلق بمواد كيميائية متراكمة، وآليات التخلص منها، والجهة التي تتحمل مسؤولية إدارتها، وصولاً إلى سؤال أكثر حساسية: هل تملك الدولة اللبنانية فعلاً البنية التحتية اللازمة للتعامل الآمن مع جميع أنواع هذه النفايات؟.

وزارة البيئة دخلت على خط الملف ببيان توضيحي حاسم، أعادت فيه رسم خريطة المسؤوليات، مؤكدة أن ملكية المواد تقع على عاتق مؤسسة كهرباء لبنان، وأن أي موافقة بيئية على منهجية معالجة معينة لا تعني إعفاء المالك أو المنتج من مسؤولياته القانونية والتقنية.

وفي المقابل، يكشف مضمون البيان أن الملف لم يصل بعد إلى نهايته: بعض المواد حظيت بموافقة مشروطة على المعالجة المحلية، بل إن أحد المطامر وافق ثم تراجع، بينما برزت مواد أخرى لا تتوافر في لبنان البنية التحتية الملائمة لمعالجتها، ما يجعل تصديرها إلى الخارج الخيار المفروض قانوناً وبيئياً.

السؤال الأول: من يملك المواد… ومن يدفع ثمن التخلص منها؟

وضعت وزارة البيئة النقطة الأكثر حساسية في بداية بيانها: المسؤولية الأساسية تقع على مؤسسة كهرباء لبنان، باعتبارها منتجاً ومالكاً للمواد الكيميائية المنتهية الصلاحية الموجودة في معملي الزوق والجية.
وهذه المسؤولية لا تقتصر على مجرد الحيازة.
فهي تشمل التخزين والنقل والمعالجة واختيار الحلول التقنية المناسبة وإدارة المخاطر واتخاذ التدابير التي تمنع إلحاق الضرر بالبيئة.

وتستند الوزارة في موقفها إلى مبدأ «الملوّث يدفع» الوارد في قانون حماية البيئة، وإلى أحكام قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، بما يعني أن الجهة التي أنتجت أو تملك النفايات تتحمل كلفة إدارتها ومعالجة آثارها.

وبالتالي، فإن جوهر النزاع ليس فقط كيف ستتم معالجة المواد؟ بل أيضاً من يتحمل المسؤولية عن بقائها، ومن يتحمل كلفة التخلص الآمن منها؟.

لا قرار بالترحيل… حتى الآن

تكشف الوزارة أن مؤسسة كهرباء لبنان لم تتقدم، حتى تاريخ البيان، بطلب رسمي مرفق بملف تصدير مستوفٍ لشروط اتفاقية بازل لترحيل المواد الكيميائية المنتهية الصلاحية.
ما وصل إلى الوزارة كان طلباً لمعالجة المواد محلياً في عام 2024.

وهذه النقطة تفتح باباً مهماً في التحقيق: لماذا اتجه الخيار أولاً نحو المعالجة المحلية؟ وهل كانت البنية التحتية اللبنانية قادرة على استيعاب جميع أنواع هذه المواد؟ وهل كان اللجوء إلى المعالجة المحلية خياراً تقنياً مدروساً أم نتيجة صعوبة أو كلفة الترحيل الخارجي؟

الوزارة تقول إنها راجعت الملف والمستندات التقنية المقدمة من شركة TECMO s.a.l.، ومنها مستند Method Statement أعدته الشركة الألمانية BLACKFOREST وأكده البروفيسور روجيه لطيف من جامعة القديس يوسف.
ومن هنا بدأت مرحلة التدقيق التقني.

موافقة… ولكن بشروط

لم تمنح وزارة البيئة موافقة مطلقة على التعامل مع جميع المواد ككتلة واحدة.
بل قسمت الملف وفق طبيعة المواد وآليات التخلص منها، وهو أمر بالغ الأهمية من الناحية البيئية، لأن المواد الكيميائية المختلفة لا تخضع بالضرورة للمعالجة نفسها.

Rodine وHydrogel وSodium Metasilicate وResin

بالنسبة إلى هذه المواد، وافقت الوزارة على معالجتها وفق المنهجية العلمية الواردة في الـ Method Statement، بما في ذلك إجراء اختبار Leachability Testing بعد تحجير المواد.

والاختبار هنا يمثل نقطة أساسية، لأنه يهدف إلى تقييم قابلية المواد المعالجة لتسريب مكوناتها إلى البيئة، ولا سيما المياه والتربة.
لكن حتى هذه الموافقة لم تكن نهاية المسار.

فقد وافقت الوزارة على اعتماد مطمر بلدية زحلة – معلقة وتعنايل لمعالجة هذه المواد، بعد حصول شركة TECMO على موافقة المطمر على استقبالها.


ثم تغير المشهد.

فقد تراجعت بلدية زحلة عن موافقتها في كتاب لاحق، ما دفع وزارة البيئة إلى إبلاغ الشركة بضرورة إيجاد حل بديل وفق القوانين المرعية.

وهنا تظهر إحدى ثغرات إدارة النفايات الخطرة في لبنان: قد تكون المنهجية التقنية مقبولة، لكن أين ستوضع النفايات بعد معالجتها؟

Trisodium Phosphate: سماد أم مادة تستوجب رقابة إضافية؟

أما مادة Trisodium Phosphate، فقد وافقت الوزارة على المنهجية المقترحة لمعالجتها وتحويلها إلى سماد، على أن يستخدم الناتج في أرض زراعية خاصة يملكها السيد فاروق مراد، وليس في مرج بسري، وفق ما أوضح البيان.

لكن وزارة البيئة لم تعتبر موافقتها كافية بمفردها، بل طلبت أخذ رأي وزارة الزراعة باعتبارها الجهة صاحبة الصلاحية في ما يتعلق باستخدام المادة بعد تحويلها إلى سماد في أرض زراعية خاصة.

وهذا التفصيل يطرح سؤالاً علمياً وقانونياً بالغ الأهمية:
متى تتحول المادة الكيميائية المعالجة إلى منتج يمكن استخدامه زراعياً، ومن يضمن أن عملية التحويل أزالت المخاطر المحتملة بالكامل؟.

لذلك، فإن إحالة الملف إلى وزارة الزراعة لا تبدو تفصيلاً إدارياً، بل جزءاً من سلسلة الرقابة المفترضة قبل إدخال أي مادة مشتقة من نفايات كيميائية إلى دورة الإنتاج الزراعي.

الأسبستوس… الملف الأكثر تعقيداً

إذا كانت بعض المواد قابلة للمعالجة المحلية وفق شروط محددة، فإن الصورة تختلف جذرياً بالنسبة إلى نفايات الأسبستوس.

وزارة البيئة تقول بوضوح إن لبنان لا يملك البنى التحتية المناسبة لمعالجة هذا النوع من النفايات وفق الأصول البيئية.

وبالتالي، فإن الحل المطروح هو التصدير إلى دولة تتوافر فيها التقنيات والمنشآت المناسبة لمعالجة هذه المواد والتخلص منها بطريقة سليمة بيئياً.

لكن المفارقة أن الوزارة تؤكد أنه حتى تاريخ صدور البيان لم يتم تقديم طلب ترحيل وفق الأصول.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
إذا كانت المعالجة المحلية غير ممكنة، فلماذا لم يبدأ مسار الترحيل؟.
ومن يتحمل مسؤولية التأخير؟.

اتفاقية بازل تدخل على خط الملف

لا يمكن التعامل مع ترحيل النفايات الخطرة عبر الحدود كأنه عملية شحن تجارية عادية.
فالوزارة تستند إلى اتفاقية بازل، التي تنظم حركة النفايات الخطرة عبر الحدود، وتفرض شروطاً وإجراءات محددة لضمان التخلص منها بصورة سليمة بيئياً.

وتشير الوزارة إلى أن الاتفاقية تشدد على عدم نقل النفايات عبر الحدود عندما تكون دولة التصدير قادرة على تأمين التخلص منها بطريقة سليمة بيئياً، وهو ما يجعل تقييم القدرات المحلية عاملاً أساسياً قبل اتخاذ قرار الترحيل.

وفي حالة الأسبستوس تحديداً، تقول الوزارة إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب البنية التحتية المناسبة محلياً، ما يجعل الترحيل إلى منشأة متخصصة في الخارج مساراً ضرورياً.

أين تقع مسؤولية الدولة… وأين تبدأ مسؤولية المؤسسة؟

من أبرز الرسائل السياسية والقانونية في بيان وزارة البيئة أنها ترفض تحميلها مسؤولية المواد لمجرد أنها الجهة الناظمة بيئياً.

فالوزارة تؤكد أن أي موافقة أو إذن يصدر عنها ضمن صلاحياتها القانونية لا يعفي الجهة المالكة أو المنتجة من مسؤولياتها القانونية والتقنية.

وهذه النقطة تفصل بين وظيفتين مختلفتين:
وزارة البيئة تضع الشروط والمعايير وتراقب مدى مطابقة الحلول للقوانين.
أما الجهة المالكة للمواد فتتحمل مسؤولية تنفيذ المعالجة وفق تلك الشروط وتأمين الحلول المناسبة.

وبعبارة أكثر وضوحاً:
الموافقة البيئية ليست شهادة براءة ذمة.
الملف دخل المسار القضائي
الأكثر حساسية في القضية أن الملف لم يعد محصوراً في المراسلات الإدارية.

وزارة البيئة تشير إلى وجود متابعة مع وزارة العدل، وأن الملف أحيل إلى النيابة العامة التي تحركت بدورها.

وتؤكد الوزارة أنه في حال ثبوت أي تأخير أو تقصير أو مخالفة أو ضرر ناتج عن عدم إدارة المواد أو معالجتها أو التخلص منها وفق الأصول، فإن المسؤوليات القانونية تترتب على الجهة المعنية.

وهنا يصبح القضاء الجهة التي يمكن أن تحدد، بناءً على الأدلة والوثائق والخبرات، ما إذا كانت هناك مخالفات أو تقصير، ومن يتحمل تبعاتها.

انفجار المرفأ… خط أحمر في المقارنة

وفي فقرة ذات دلالة سياسية وإعلامية، دعت وزارة البيئة وسائل الإعلام إلى عدم توظيف مأساة انفجار مرفأ بيروت في مقارنات لا تستند إلى وقائع علمية.

الوزارة لا تنفي خطورة ملف المواد الكيميائية، لكنها ترفض، في المقابل، مقارنته تلقائياً بكارثة انفجار المرفأ من دون معطيات علمية تبرر ذلك.

وهنا تبرز مسؤولية مزدوجة:
الدولة مطالبة بالشفافية الكاملة، والإعلام مطالب بالدقة الكاملة.
فالمبالغة لا تخدم التحقيق، كما أن التطمين غير المستند إلى بيانات علمية قد يكون أخطر من التهويل.

المشكلة ليست في المواد فقط… بل في منظومة إدارتها

ملف الزوق والجية يكشف مشكلة تتجاوز المواد الكيميائية المنتهية الصلاحية نفسها.
إنها مشكلة إدارة النفايات الخطرة في بلد لا يملك لكل أنواعها بنية تحتية متخصصة.
هناك مواد يمكن، وفق الوزارة، معالجتها محلياً بشروط تقنية محددة.
وهناك مواد تحتاج إلى اختبارات قبل التخلص منها.
وهناك مواد أخرى، كالأسبستوس، لا تتوافر محلياً المنشآت المناسبة لمعالجتها، ما يفرض البحث في خيار الترحيل وفق اتفاقية بازل.

وبين هذه المسارات، يبقى السؤال المركزي قائماً:
كم ستبقى هذه المواد في مواقعها؟ ومن يضمن سلامة تخزينها خلال فترة الانتظار؟ ومن يتحمل مسؤولية أي حادث أو تسرب أو ضرر بيئي محتمل؟.

وزارة البيئة وضعت المسؤولية القانونية على عاتق مؤسسة كهرباء لبنان، وأكدت أنها لن تتهاون في تطبيق القوانين.
لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في البيانات.
الاختبار يبدأ عندما تتحول المسؤوليات المكتوبة إلى إجراءات فعلية: معالجة، نقل، ترحيل، رقابة، توثيق، ومحاسبة عند ثبوت أي تقصير.

وفي ملف بهذه الحساسية، لا يكفي أن تعرف الدولة أين توجد المواد الكيميائية؛ المطلوب أن تعرف أيضاً متى ستختفي من مواقع التخزين، إلى أين ستذهب، وبأي تقنية، ومن سيدفع الكلفة، ومن سيضمن أن التخلص منها لن ينقل الخطر من معملي الزوق والجية إلى مكان آخر.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والبيئة


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا