تقرير حقوقي في صنعاء يتهم السعودية والإمارات بانتهاكات واسعة في المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية

تقرير حقوقي في صنعاء يتهم السعودية والإمارات بانتهاكات واسعة في المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية


«صرخات تحت وصاية الاحتلال».. منظمة انتصاف تضع ملف المعتقلين والموارد والخدمات والنساء والأطفال أمام المجتمع الدولي


صنعاء ـ ميديا برس ليبانون | في تقرير حقوقي حمل عنوان «صرخات تحت وصاية الاحتلال»، قالت منظمة انتصاف لحقوق المرأة والطفل إنها وثّقت سلسلة واسعة من الانتهاكات التي تطاول المدنيين في المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية، متهمة السعودية والإمارات والقوى المحلية المتحالفة معهما بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع الإنسانية والحقوقية والأمنية.

وعرضت المنظمة تقريرها خلال مؤتمر صحافي عقد في صنعاء، الأربعاء، في مناسبة وضعت خلالها ملف المحافظات الجنوبية والشرقية أمام المجتمع الحقوقي والإعلامي، مع التركيز على قضايا الاعتقال والإخفاء القسري، وتدهور الخدمات، والموارد الاقتصادية، ووضع النساء والأطفال، إضافة إلى ما وصفته المنظمة بانتهاكات متصلة بالسيادة والحقوق والحريات.

وتجدر الإشارة إلى أن ما ورد في التقرير يمثل اتهامات ونتائج صادرة عن منظمة انتصاف، ولا يشكل بمفرده إثباتاً قضائياً مستقلاً للمسؤولية عن جميع الوقائع المذكورة.

انتصاف: الانتهاكات تتجاوز الأمن إلى الحياة اليومية

رئيسة منظمة انتصاف سمية الطايفي قالت إن التقرير يستند إلى وقائع وشهادات وأرقام تهدف إلى رسم صورة عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني في المحافظات الجنوبية والشرقية.

وبحسب الطايفي، لا تقتصر الانتهاكات على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية والسيادة والحريات العامة والواقع المعيشي، معتبرة أن تدهور الخدمات ينعكس بصورة مباشرة على حياة ملايين اليمنيين.

وقالت إن أهمية التقرير تكمن أيضاً في حفظ الأدلة والشهادات بما يمكن أن يشكل قاعدة للتوثيق والمساءلة مستقبلاً، وإيصال أصوات الضحايا إلى الرأي العام والجهات الحقوقية الدولية.

الاعتقال والإخفاء القسري في صدارة المخاوف

من أبرز الملفات التي ركز عليها التقرير، وفق المنظمة، قضية السجون غير القانونية والإخفاء القسري.

وتحدث رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان علي تيسير عن وجود آلاف المعتقلين والمخفيين قسراً، بينهم نساء وأطفال وشباب، في مواقع احتجاز سرية، مشيراً إلى نحو ثلاثين موقعاً في عدن والمهرة وشبوة وحضرموت وسقطرى.

كما تحدث التقرير عن اعتقالات واختطافات طاولت ناشطين ومدنيين، وعن غياب الضمانات القانونية في عدد من حالات الاحتجاز.

وتشكل هذه الاتهامات، في حال ثبوتها عبر تحقيقات مستقلة، واحدة من أخطر الملفات الحقوقية، نظراً لما يمثله الإخفاء القسري من انتهاك مركب لحقوق المحتجز وأسرته، فضلاً عن صعوبة معرفة مصير الضحايا ومكان وجودهم.

الثروات النفطية والسمكية.. ملف اقتصادي في قلب النزاع

ولم يفصل التقرير بين الأزمة الحقوقية والواقع الاقتصادي، إذ اتهم الجهات المسيطرة على المحافظات الجنوبية والشرقية بنهب الموارد الطبيعية، بما فيها النفط والثروة السمكية والثروات المعدنية.

وتحدثت المنظمة عن تحويل عائدات وموارد إلى خارج البلاد، معتبرة أن إدارة الثروات تمثل أحد أبرز أوجه الصراع على القرار والسيادة في اليمن.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن المحافظات الجنوبية والشرقية تضم مناطق ذات أهمية استراتيجية وثروات طبيعية كبيرة، ما يجعل السيطرة على الموارد جزءاً أساسياً من المعادلة السياسية والاقتصادية للصراع اليمني.

المرأة.. الانتهاك لا يبدأ بالرصاصة

خصص التقرير مساحة لواقع النساء، مؤكداً أن الانتهاكات، بحسب المنظمة، لا تقتصر على الاعتداءات المباشرة، بل تشمل حرمان النساء من الوصول المنتظم إلى الماء والغذاء والعلاج والأمن.

وأشارت ميرندا شهاب، في كلمة المرأة بالمناطق الجنوبية والشرقية، إلى أن النساء يتحملن أعباء إضافية نتيجة تدهور الظروف المعيشية والخدمية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بأمن الأسرة ومستقبل الأطفال.

وطالبت بضمان حق النساء في العمل والتنقل والرعاية والحماية، معتبرة أن حماية المرأة ينبغي أن تتحول من شعار حقوقي إلى إجراءات عملية تضمن الأمن والخدمات والعدالة.

الأطفال في دائرة الخطر

كما تناول التقرير أوضاع الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، مشيراً إلى انعكاسات العنف والاعتقالات وتدهور الخدمات على حياتهم.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الأزمات الممتدة، إذ لا تتوقف آثار النزاعات المسلحة عند حدود الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى التعليم والصحة والتغذية والحماية النفسية والاجتماعية للأطفال.

ودعت المنظمة إلى ضمان وصول الفئات الأكثر ضعفاً إلى الخدمات الأساسية، وإبعادها عن تداعيات الصراع السياسي والعسكري.

اتهامات بالفساد والانفلات الأمني

وفي الجانب السياسي والإداري، تحدث التقرير عن فساد داخل مؤسسات السلطة المحلية، وعن تعدد الفصائل والولاءات، معتبراً أن غياب مؤسسات الدولة الموحدة أسهم في تحويل عدد من المناطق إلى ساحات مفتوحة للصراع والانتهاكات.

كما أشار إلى ما وصفه بانفلات أمني وتجويع ممنهج وتراجع في الخدمات العامة.

وتبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة، خصوصاً أن المشهد اليمني شديد التعقيد، وتتداخل فيه مسؤوليات سلطات محلية وفصائل مسلحة وقوى إقليمية وأطراف دولية.

الضربات الجوية والخسائر المدنية

وثق التقرير، وفق منظمة انتصاف، عدداً من الضربات الجوية التي طالت تجمعات مدنية أو منشآت في المحافظات الجنوبية والشرقية، وربطها بسياق الحرب والتدخل العسكري الخارجي.

وتشكل حماية المدنيين والمنشآت المدنية أحد أبرز الاختبارات القانونية في النزاعات المسلحة، إذ تفرض قواعد القانون الدولي الإنساني التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتحظر استهداف المدنيين عمداً وتضع قيوداً صارمة على العمليات العسكرية.

توصيات تتجاوز البعد الحقوقي

لم يكتف التقرير بعرض الانتهاكات، بل قدم مجموعة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى إنهاء التدخل العسكري الأجنبي وسحب القوات، واستعادة السيادة على الأراضي والمياه الإقليمية اليمنية.

كما دعا إلى:
– إغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية وإحالة المحتجزين إلى القضاء.
– الكشف عن مصير المختطفين والمخفيين قسراً وإعادتهم إلى أسرهم.
– محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أمام القضاء المختص.
– حماية الصحفيين والناشطين ومنظمات المجتمع المدني.
– تحييد الملفات الاقتصادية والخدمية عن الصراع السياسي.
– مكافحة الفساد وتفعيل الأجهزة الرقابية والقضائية.
– دعم القطاع الإنساني والخدمات الأساسية.
– معالجة انهيار العملة والتضخم وتوحيد السياسة النقدية.
– تسهيل حركة المدنيين والتجارة عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية.
– ضمان استخدام عائدات الموارد الطبيعية بما يخدم السكان.

بين التوثيق والمساءلة.. ماذا بعد التقرير؟

تكمن أهمية أي تقرير حقوقي من هذا النوع في قدرته على الانتقال من تسجيل الانتهاكات إلى إثباتها، ومن سرد الشهادات إلى بناء ملفات قابلة للتحقق والمساءلة.

وفي الحالة اليمنية، تبرز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة تشمل مختلف أطراف النزاع، وتتحقق من أسماء الضحايا، وأماكن الاحتجاز، وسلاسل القيادة والمسؤولية، ومصادر التمويل، والوقائع المتعلقة بالهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية.

فالتوثيق الحقوقي لا يكتمل بمجرد إصدار التقارير، بل يحتاج إلى أدلة قابلة للفحص، وشهادات مستقلة، وبيانات يمكن مقارنتها بمصادر أخرى، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية وفق الأطر القانونية المعتمدة.

المحافظات الجنوبية أمام أزمة متعددة الأوجه

يقدم تقرير «صرخات تحت وصاية الاحتلال» صورة شديدة القتامة للأوضاع في المحافظات الجنوبية والشرقية اليمنية، وفق الرواية التي عرضتها منظمة انتصاف، واضعاً ملفات الأمن والاعتقال والإخفاء القسري والموارد والخدمات وحقوق النساء والأطفال في سلة واحدة.

لكن الأهمية الحقيقية للملف لا تكمن في الاتهامات السياسية وحدها، بل في السؤال الذي يطرح نفسه على المجتمع الدولي: كيف يمكن تحويل هذه الادعاءات إلى تحقيقات مستقلة وشفافة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات وتنصف الضحايا؟.

فاليمن لا يحتاج فقط إلى توثيق ما جرى، بل إلى آلية تضمن عدم تكرار الانتهاكات، وتحمي المدنيين، وتصون الموارد، وتعيد الاعتبار للمؤسسات، وتضع حداً للإفلات من العقاب.

وفي نهاية المطاف، تبقى العدالة هي الاختبار الأصعب لأي مسار سياسي في اليمن؛ إذ لا يمكن بناء سلام مستدام فوق ملفات مفتوحة من الاعتقال والإخفاء والقتل والنهب وتدهور الحقوق الأساسية.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الحقوقي والسياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا