من علي الطاهر إلى أبو الظهور: هل فتحت إسرائيل جبهات متعددة بضوء أميركي مشروط؟

خاص _ ميديا برس ليبانون

■ أحمد موسى
في أقل من 48 ساعة، بدت المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك: تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان، واستهداف متكرر لمنطقة علي الطاهر، ثم ضربة نوعية لمطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب بعد ساعات من زيارة وفد تركي للموقع، بالتوازي مع رسائل إسرائيلية مباشرة إلى دمشق وأنقرة.

المشهد لا يبدو، في القراءة السياسية، مجموعة أحداث منفصلة. فالمشترك بينها هو محاولة إسرائيل منع تشكّل بيئة عسكرية إقليمية جديدة: في لبنان عبر الضغط على حزب الله ومنع إعادة بناء قدراته، وفي سوريا عبر تعطيل أي بنية عسكرية ناشئة يمكن أن تستفيد من التعاون التركي.

لكن السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بما تريده إسرائيل، بل بحدود الهامش الذي تمنحه واشنطن لهذه العمليات، وما إذا كان هذا الهامش يتحول من إدارة التصعيد إلى السماح بتوسيعه.

والوقائع المتاحة حتى الآن تستوجب التمييز بين أمرين: إسرائيل أبلغت واشنطن مسبقاً بضربة أبو الظهور، لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة وافقت عليها؛ بل إن الإدارة الأميركية انتقدت الضربة ووصفتها بأنها تصعيد غير ضروري، وتعمل على آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

علي الطاهر: الجنوب في قلب اختبار جديد

في لبنان، لم تعد منطقة علي الطاهر مجرد نقطة جغرافية على خريطة الجنوب، بل تحولت إلى واحدة من أبرز نقاط اختبار قواعد الاشتباك الجديدة.

التصعيد الإسرائيلي في محيط النبطية وأنصار يأتي في سياق أوسع من العمليات التي تستهدف ما تقول إسرائيل إنه بنى تحتية وعناصر تابعة لحزب الله، فيما تحاول تل أبيب ربط أي انسحاب من الجنوب بمسار نزع سلاح الحزب.

وهنا تكمن المفارقة السياسية: الاتفاقات التي رعتها واشنطن تقوم على مسار يفترض أن يقود إلى خفض التصعيد وانسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل إجراءات لبنانية تتعلق بانتشار الجيش ونزع سلاح الجماعات المسلحة، لكن إسرائيل تعيد تعريف شروط الانسحاب بصورة أكثر تشدداً.

وبالتالي، فإن استهداف علي الطاهر والمناطق المحيطة به يمكن قراءته باعتباره محاولة إسرائيلية لفرض وقائع ميدانية قبل اكتمال المسار السياسي.

أبو الظهور: إسرائيل تضرب «المستقبل» لا الحاضر

الأكثر دلالة جاء من سوريا.
مطار أبو الظهور لم يكن، وفق المعطيات المنشورة، قاعدة جوية سورية عاملة تشكل تهديداً جوياً فورياً لإسرائيل. المطار كان خارج الخدمة منذ سنوات طويلة، وكان يخضع لأعمال تأهيل، بينما تحدثت تقارير عن زيارة وفد تركي للموقع قبل ساعات من الضربة.
وهنا تحديداً تصبح الضربة أكثر أهمية من حجم الأضرار المادية التي خلفتها.

إسرائيل تقول إنها استهدفت الموقع لمنع انتشار قوات تركية فيه، معتبرة أن وجوداً عسكرياً تركياً متقدماً في هذه المنطقة يمكن أن يشكل تهديداً لأمنها. كما قالت إن دمشق كانت قد تلقت تحذيرات سابقة بشأن هذا الانتشار.

بمعنى آخر: الهدف الإسرائيلي ليس بالضرورة سلاحاً سورياً موجوداً اليوم، بل منع تشكّل قدرة عسكرية سورية ـ تركية غداً.
وهذه نقطة استراتيجية شديدة الأهمية.

لماذا تخشى إسرائيل سوريا الجديدة؟

إسرائيل تتعامل مع سوريا الخارجة من سنوات الحرب باعتبارها دولة ضعيفة عسكرياً في الوقت الراهن. لكن ضعف اليوم ليس بالضرورة ضمانة للغد.

إذا نجحت دمشق في بناء جيش مركزي مستقر، وإعادة تأهيل المطارات، وتطوير منظومات رادار ودفاع جوي، وبناء قدرات مسيّرة، وتدريب كوادر عسكرية، ثم ربط ذلك بتعاون دفاعي واسع مع تركيا، فإن ميزان القوة على الحدود الشمالية لإسرائيل سيتغير تدريجياً.

وتشير التقارير إلى أن تركيا دعمت القيادة السورية الجديدة في مجالات التدريب والتجهيز العسكري، فيما وقّعت أنقرة ودمشق ترتيبات تعاون عسكري.
من هنا يمكن فهم الضربة الإسرائيلية باعتبارها ضربة استباقية لبنية تحتية عسكرية قيد التكوين.

فإسرائيل لا تريد أن تنتظر حتى يصبح الخطر واقعاً، ثم تبدأ بمعالجته. إنها تريد، وفق هذه القراءة، ضرب القدرة على التشكل قبل أن تتحول إلى قدرة فعلية.

الرسالة الأولى: إلى دمشق

الرسالة الإسرائيلية إلى القيادة السورية الجديدة تبدو واضحة:
السيادة السورية لا تعني، من وجهة نظر إسرائيل، حرية بناء منظومة عسكرية من دون أخذ المصالح الإسرائيلية في الاعتبار.
وهذا يضع الاتفاق الأمني المفترض بين دمشق وتل أبيب أمام اختبار صعب.

فإذا كانت إسرائيل تعتبر أي وجود عسكري تركي متقدم في سوريا تهديداً لأمنها، فإنها عملياً توسع تعريف «التهديد» من إيران وحلفائها إلى أي بنية عسكرية إقليمية جديدة قد تنتج عنها سوريا أكثر قوة واستقلالية عسكرياً.
وهنا تتجاوز القضية مجرد مطار.

الرسالة الثانية: إلى أنقرة

الأخطر أن الضربة جاءت في لحظة حساسة جداً للعلاقات التركية ـ الإسرائيلية.
تركيا لا تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها ملفاً أمنياً فقط، بل باعتبارها مساحة نفوذ استراتيجية ومشروعاً لإعادة بناء الدولة والجيش والمؤسسات.
ولذلك، فإن استهداف موقع يُعتقد أن تركيا كانت تستعد لتعزيز حضورها فيه يحمل رسالة إلى أنقرة:
يمكن لتركيا أن تدعم دمشق، لكن إسرائيل تريد أن تحدد سقف هذا الدعم عندما يتحول إلى قدرة عسكرية.

وهذا ما يفسر حساسية الرد التركي، الذي وصف الضربة بأنها غير مقبولة ورفض المبررات الإسرائيلية، بينما تعمل واشنطن على آلية اتصال لتفادي تحول الاحتكاك إلى مواجهة مباشرة بين حليفين أميركيين في المنطقة.

وهنا يدخل العامل الأميركي

القول إن واشنطن «أعطت إسرائيل موافقة» على ضرب أبو الظهور يحتاج إلى تدقيق.
المؤكد من التقارير أن إسرائيل أبلغت الإدارة الأميركية بالضربة مسبقاً، لكن الولايات المتحدة لم تعتبرها مبررة عسكرياً، وانتقدتها باعتبارها تصعيداً غير ضروري.
لكن في المقابل، ثمة فارق بين رفض عملية محددة وبين سحب الهامش العملياتي الإسرائيلي بالكامل.
وهذا الفارق مهم جداً في قراءة التطورات اللبنانية.

فالولايات المتحدة سبق أن منحت إسرائيل، في مراحل مختلفة من التصعيد مع حزب الله، مساحة للتحرك عندما اعتبرت أن هناك خرقاً للهدنة أو تهديداً مباشراً لإسرائيل، كما أن إسرائيل أبلغت واشنطن مسبقاً بعمليات أخرى في بيروت.

إذن، المسألة ليست «ضوءاً أخضر مطلقاً»، بل أقرب إلى هامش أميركي مشروط: تستطيع إسرائيل التحرك، لكن عليها ألا تدفع المنطقة إلى حرب شاملة تقلب الحسابات الأميركية.

من لبنان إلى سوريا: الجغرافيا تتغير والقواعد تتشدد

إذا وضعنا علي الطاهر وأبو الظهور على خريطة واحدة، تظهر صورة أكثر اتساقاً.
في لبنان: إضعاف ح_ز_ب الله، منع إعادة بناء قدراته، الضغط على البيئة العسكرية جنوب الليطاني، وربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح.

وفي سوريا: منع إعادة بناء بنية عسكرية سورية قوية، الحد من النفوذ التركي العسكري، والحفاظ على حرية العمل الجوي الإسرائيلي.
القاسم المشترك هو محاولة إسرائيل منع تشكل عمق عسكري جديد على حدودها الشمالية.

وهذا يفسر لماذا لا تنتظر تل أبيب دائماً ظهور التهديد بصورة مكتملة؛ فهي تحاول ضربه وهو في مرحلة التكوين.

هل إسرائيل تستغل اللحظة الأميركية؟

هنا يدخل العامل الأكثر حساسية.
واشنطن تحاول في الوقت نفسه إدارة ملفات لبنان وسوريا وتركيا وإيران، ومنع انفجار إقليمي واسع. وفي هذا السياق، قد يكون الهدف الأميركي هو إبقاء إسرائيل قادرة على الرد على ما تعتبره تهديدات مباشرة، مع منعها من تحويل العمليات التكتيكية إلى حرب إقليمية مفتوحة.
لكن هذه المعادلة تحمل خطراً كبيراً.

لأن كل ضربة إسرائيلية قد تنتج رداً، وكل رد قد يفرض ضربة جديدة، إلى أن تصبح قواعد الاشتباك نفسها هي التي تقود السياسة الأميركية، وليس العكس.
وهذا ما شهدته المنطقة مراراً خلال الأشهر الماضية.

الروايتان اللتان تحتاجان إلى مراجعة

من الخطأ، في المقابل، اختزال المشهد في روايتين جاهزتين:
الأولى أن القيادة السورية الجديدة «عميلة لإسرائيل» لمجرد أن إسرائيل لا تريد حرباً شاملة معها.
والثانية أن تركيا تعمل في سوريا لخدمة إسرائيل لمجرد وجود قنوات اتصال أو ترتيبات أمنية إقليمية.
الوقائع الحالية لا تثبت أياً من هذين الاستنتاجين.

بل إن ضرب أبو الظهور بعد نشاط تركي في الموقع يعكس، في الاتجاه المعاكس، وجود تناقض واضح بين المشروع التركي في سوريا والرؤية الإسرائيلية لمستقبل الدولة السورية. كما أن أنقرة رفضت علناً المبررات الإسرائيلية للضربة.

الخطر الحقيقي: تلاقي الجبهتين

المشكلة ليست فقط في أن إسرائيل تضرب لبنان وسوريا في وقت متقارب.
المشكلة أن الجبهتين قد تبدآن بالتفاعل.
فأي تصعيد كبير في لبنان يمكن أن يدفع إسرائيل إلى ضرب طرق ومواقع داخل سوريا بحجة منع نقل السلاح أو إعادة بناء البنية العسكرية ل_ح_ز_ب الله.

وأي احتكاك إسرائيلي ـ تركي في سوريا قد ينعكس على لبنان، خصوصاً إذا دخلت تركيا بصورة أعمق في إعادة بناء الدولة والجيش السوريين، أو إذا أصبحت سوريا ممراً سياسياً ولوجستياً جديداً في الإقليم.

وبذلك يصبح لبنان وسوريا جزءاً من مسرح استراتيجي واحد يمتد من جنوب لبنان إلى الشمال السوري.

إسرائيل تريد منع ولادة «بيئة استراتيجية جديدة»

من علي الطاهر إلى أبو الظهور، لا يبدو أن إسرائيل تخوض فقط معارك مرتبطة بالتهديدات الموجودة الآن.
إنها تحاول، وفق المعطيات المتاحة، التأثير في شكل التهديدات التي قد تظهر بعد سنوات.
في لبنان، تضغط لمنع ح_ز_ب الله من استعادة قدراته وفرض واقع أمني جديد جنوباً.
وفي سوريا، تضرب بنية تحتية يمكن أن تدخل مستقبلاً في مشروع إعادة بناء الجيش السوري بدعم تركي.

أما واشنطن، فليست في موقع الموافقة المطلقة ولا الرفض المطلق. إنها تحاول إدارة هامش الحركة الإسرائيلي بحيث يبقى تحت سقف يمنع انفجاراً أكبر، وهو ما يفسر انتقادها لضربة أبو الظهور بالتزامن مع استمرارها في العمل على آليات احتواء الاحتكاك.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر:
كلما ضعفت سوريا ولبنان، شعرت إسرائيل أنها تملك مساحة أكبر للعمل. وكلما بدأ البلدان بإعادة بناء مؤسساتهما وقدراتهما، ازدادت في المقابل دوافع إسرائيل لضرب ما تعتبره نواة تهديد مستقبلي.
لذلك فإن معركة أبو الظهور قد لا تكون معركة على مطار، كما أن معركة علي الطاهر قد لا تكون معركة على تلة.

إنها، في جوهرها، معركة على شكل المشرق الذي سيولد بعد سنوات الحرب: من يملك قرار الأمن؟ من يعيد بناء الجيوش؟ من يرسم حدود النفوذ التركي؟ ومن يحدد لإسرائيل أين تبدأ «الخطوط الحمراء» وأين تنتهي؟.

والسؤال الذي ستكشفه الأيام المقبلة ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل ستواصل الضرب، بل ما إذا كانت واشنطن ستبقى قادرة على ضبط سقف هذه الضربات، أم أن الهامش الذي منحته لإسرائيل سيتحول تدريجياً إلى تفويض فعلي بتوسيع الحرب.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والاستراتيجي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا