عكار ووادي خالد.. من كلفة الإنتاج إلى الاستثمار: هاني يضع الزراعة الحدودية أمام اختبار التحول

عكار _ ميديا برس ليبانون |من عكار إلى وادي خالد، لم تكن جولة وزير الزراعة الدكتور نزار هاني مجرد زيارة ميدانية لتفقد حقول ومشاريع زراعية، بل حملت في مضمونها مقاربة تتجاوز الدعم التقليدي للمزارع نحو إعادة بناء منظومة إنتاج ريفية أكثر قدرة على خفض الكلفة، وإدارة المياه، وتطوير الثروة الحيوانية، وفتح الطريق أمام التصنيع والاستثمار.

في منطقة حدودية تختزن إمكانات زراعية وحيوانية كبيرة، تبدو المعادلة واضحة: لا يمكن حماية الأمن الغذائي اللبناني من دون حماية المزارع، ولا يمكن حماية المزارع من دون تخفيض كلفة الإنتاج ورفع القيمة المضافة للمنتج المحلي.

17 ألف مزارع.. والزراعة كاقتصاد ريفي

في الكواشرة، وضع هاني المزارع في صلب سياسات وزارة الزراعة، كاشفًا أن عدد المزارعين المسجلين في السجل الزراعي في عكار يبلغ نحو 17 ألف مزارع، تشكّل النساء قرابة 26 في المئة منهم.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم القطاع الزراعي، بل تكشف عن اقتصاد ريفي واسع يعتمد على الأرض والإنتاج الحيواني والنباتي كمصدر أساسي للدخل وفرص العمل.

لكن التحدي الأكبر لم يعد في القدرة على الإنتاج فقط، بل في كلفة هذا الإنتاج. فارتفاع أسعار الطاقة والمياه والنقل والمستلزمات الزراعية بات يضغط على هامش ربح المزارع، ويضعف قدرته على منافسة المنتجات المستوردة.

من هنا، يبرز توجه الوزارة نحو التكنولوجيا الزراعية والطاقة المتجددة وأنظمة الري الحديثة باعتبارها أدوات اقتصادية، لا مجرد خيارات تقنية.

الطاقة الشمسية والري.. معركة خفض الكلفة

تسليم عدد من المزارعين ألواحًا للطاقة الشمسية وأنابيب ومستلزمات للري يكتسب أهمية خاصة في ظل ارتفاع كلفة تشغيل المضخات والاعتماد الكبير على الطاقة في العمليات الزراعية.

المعادلة التي تطرحها الوزارة بسيطة: كل ليرة يتم توفيرها في الطاقة والمياه يمكن أن تتحول إلى قدرة إضافية لدى المزارع على الاستثمار والإنتاج.

لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرته على الانتقال من المبادرات المحدودة إلى برامج واسعة ومستدامة تشمل أكبر عدد ممكن من المزارعين، بالتوازي مع الإرشاد الزراعي والصيانة والتدريب.

فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ المطلوب منظومة متكاملة تجعل الاستثمار في التقنيات الحديثة مجديًا وقابلًا للاستمرار.

المياه.. ملف زراعي وصحي وبيئي في آن واحد

في نبع الصفا بوادي خالد، انتقلت الجولة من الحقول إلى مصدر المياه، حيث شكّل ملف الصرف الصحي والتلوث أحد أكثر الملفات حساسية.

المشكلة هنا تتجاوز مياه الشرب لتصل مباشرة إلى الزراعة والصحة العامة وسلامة الإنتاج. فأي تلوث في مصادر المياه يمكن أن يتحول إلى تهديد مزدوج: بيئي وصحي، إضافة إلى خسائر اقتصادية تطاول الأراضي والإنتاج الزراعي.

ولهذا، فإن معالجة المشكلة تتطلب تنسيقًا يتجاوز وزارة الزراعة، لتشمل وزارة الطاقة والمياه والبلديات والجهات البيئية والصحية المختصة.

والحل الحقيقي لا يكمن في معالجة نتائج التلوث فقط، بل في منع مصادره من الأساس، عبر شبكات صرف صحي سليمة ومعالجة فعالة للمياه المبتذلة ومراقبة مستمرة لنوعية المياه.

الحليب.. من مشكلة نقل إلى فرصة استثمارية

أحد أبرز الملفات التي حملتها الجولة كان مشروع إعادة تأهيل مركز تجميع الحليب في وادي خالد.

وهنا تبرز واحدة من أكثر حلقات الاقتصاد الزراعي حساسية: المزارع ينتج، لكن القيمة الأكبر غالبًا تتحقق بعد مرحلة الإنتاج الأولي.

بُعد المنطقة عن معامل الألبان والأجبان يرفع كلفة النقل، فيما يؤدي غياب التجميع والتبريد المنظم إلى زيادة الهدر وتقليص قدرة المربين على تحسين أسعار منتجاتهم.

لذلك، فإن إعادة تأهيل مركز تجميع الحليب يمكن أن تتحول إلى أكثر من مشروع خدماتي؛ فهي قد تشكل حلقة وصل بين المربي والصناعة الغذائية، وتفتح المجال أمام تطوير سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من المزرعة وتنتهي بمنتج غذائي لبناني ذي قيمة مضافة.

والخطوة الأكثر أهمية ستكون في ربط المركز مستقبلًا بشبكة تصنيع وتسويق، بحيث لا يبقى دوره محصورًا في التجميع، بل يصبح جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع.

الثروة الحيوانية.. قطاع يحتاج إلى سلسلة متكاملة

وادي خالد وعكار لا تختصران بالزراعة النباتية. تربية الأبقار والمواشي والنحل تشكل جزءًا أساسيًا من اقتصاد المنطقة، ما يجعل الخدمات البيطرية والتحصين والإرشاد والتسويق عناصر حاسمة في حماية هذا القطاع.

ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الحملات البيطرية والتلقيح والتحصين، بالتوازي مع تحسين نوعية الأعلاف والرعاية الحيوانية وفتح قنوات تسويق أكثر انتظامًا.

فالاستثمار في الثروة الحيوانية لا يعني فقط زيادة أعداد الحيوانات، بل رفع إنتاجيتها وتحسين جودة المنتجات وتقليص الخسائر.

من المساعدات إلى الاستثمار

الرسالة السياسية والاقتصادية الأبرز في جولة هاني تتمثل في محاولة نقل القطاع من منطق المساعدة إلى منطق الاستثمار.

المزارع لا يحتاج إلى دعم استثنائي في كل موسم بقدر حاجته إلى بيئة إنتاج تسمح له بالاستمرار: مياه متاحة ونظيفة، طاقة أقل كلفة، تقنيات حديثة، خدمات بيطرية وإرشادية، مراكز تجميع، تبريد وتصنيع، وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج.
وهنا يأتي دور القطاع الخاص والمنظمات والبلديات إلى جانب الدولة.

فإقامة وحدات صغيرة ومتوسطة للتصنيع الغذائي، وتطوير سلاسل القيمة للألبان والأجبان والعسل والمحاصيل، وربط المنتج بالأسواق، يمكن أن يحول عكار ووادي خالد من مناطق إنتاج أولي إلى مراكز اقتصادية زراعية متخصصة.

الحدود ليست هامشًا.. بل خط إنتاج للأمن الغذائي

إصرار هاني على أن وادي خالد والمناطق الحدودية ليست مناطق هامشية يحمل بعدًا تنمويًا وسياديًا في الوقت نفسه.

فالاستثمار في المناطق الريفية والحدودية يعني تثبيت السكان في أرضهم، خلق فرص عمل، تخفيف الهجرة الداخلية، وتحويل الموارد المحلية إلى قيمة اقتصادية.

وبهذا المعنى، تصبح الزراعة جزءًا من سياسة أوسع للأمن الاجتماعي والاقتصادي، لا مجرد قطاع إنتاجي منفصل.

الاختبار في التنفيذ

وضعت جولة وزير الزراعة مجموعة من الملفات على الطاولة: خفض كلفة الإنتاج، إدارة المياه، الطاقة المتجددة، حماية مصادر المياه، إعادة تأهيل مركز الحليب، دعم الثروة الحيوانية، والتوسع في الاستثمار والتصنيع الغذائي.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الجولة الميدانية.

فالمزارعون في عكار ووادي خالد لا يحتاجون فقط إلى الوعود، بل إلى مشاريع تنفذ ضمن جداول زمنية واضحة، وتمويل مستدام، ومؤشرات قابلة للقياس.

إذا نجحت وزارة الزراعة في تحويل هذه الأولويات إلى بنية إنتاج متكاملة، فإن عكار ووادي خالد قد تتحولان من منطقتين تواجهان ارتفاع كلفة الإنتاج وضعف البنية التحتية إلى نموذج للزراعة اللبنانية الحديثة، حيث تصبح الأرض مصدر دخل واستثمار واستقرار وأمن غذائي في آن واحد.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الزراعي والإنمائي والاقتصادي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا