علي الطاهر على حافة الانفجار: هل تُحسم الهضبة فتُفتح أبواب الحرب؟

■ أحمد موسى
ميديا برس ليبانون |لم يعد مرتفع علي الطاهر مجرد نقطة عسكرية في جنوب لبنان، بل تحول إلى عقدة تتقاطع عندها الحسابات الإسرائيلية واللبنانية والإيرانية والأميركية. فمع تصاعد الضربات الإسرائيلية واتساع الرسائل السياسية والعسكرية، تبدو المنطقة أمام اختبار حساس: هل يبقى التصعيد ضمن حدود الضغط الميداني، أم تتحول محاولة فرض واقع جديد في علي الطاهر إلى شرارة مواجهة أوسع؟.

المفارقة أن القرار بالحرب لا يبدو مرتبطاً بالجنوب وحده. إسرائيل تحسب خطواتها على إيقاع المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، ونتنياهو يراقب في الوقت نفسه المشهد السياسي الداخلي، فيما تحاول واشنطن ضبط سقف التصعيد من دون سحب أدوات الضغط من يد تل أبيب. أما لبنان، فيسابق الوقت دبلوماسياً لمنع انهيار اتفاق الإطار وتفادي الفراغ الذي قد يتركه انتهاء مهمة “اليونيفيل”.

علي الطاهر… اختبار موازين القوة

أهمية علي الطاهر لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من كونه جزءاً من منظومة المرتفعات التي تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على الرصد والتحكم بالنطاق المحيط.

لذلك فإن أي محاولة إسرائيلية لفرض سيطرة ميدانية عليه لا يمكن قراءتها كعملية موضعية منفصلة. نجاح إسرائيل في تغيير المعادلة هناك سيعني، عملياً، محاولة تحسين شروطها الأمنية والتفاوضية في الجنوب، بينما سيُنظر إلى انسحاب “حزب الله” منه، إذا حصل، باعتباره نتيجة لتفاهم أوسع وليس مجرد تطور عسكري محلي.
ومن هنا، تكتسب المعركة المحتملة قيمة سياسية تتجاوز حجمها العسكري.

نتنياهو يحسب الحرب على أكثر من جبهة

في إسرائيل، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً من قرار عسكري تقليدي.
نتنياهو لا يتحرك في فراغ سياسي. فكل عملية كبيرة تحمل كلفة أمنية وعسكرية، لكنها تحمل أيضاً انعكاسات مباشرة على وضع حكومته وموقعه في السباق السياسي الداخلي. ولذلك، فإن السؤال الإسرائيلي ليس فقط: هل تستطيع إسرائيل ضرب لبنان؟ بل أيضاً: متى تكون الضربة مفيدة سياسياً، ومتى تتحول إلى عبء؟

ومن هنا يمكن فهم التردد بين التصعيد والاحتواء. إسرائيل تريد الحفاظ على الردع ومنع خصومها من استعادة المبادرة، لكنها تدرك أن حرباً واسعة على لبنان، خصوصاً إذا وصلت إلى بيروت، قد تفتح جبهة يصعب التحكم بنهايتها.

ولهذا تبدو الاتصالات بين نتنياهو وترامب ذات أهمية خاصة، باعتبار أن القرار الإسرائيلي يحتاج إلى حساب الموقف الأميركي، ولا سيما في ظل تشابك الملف اللبناني مع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية.

واشنطن: منع الحرب أم إدارة التصعيد؟

الموقف الأميركي هو أحد المفاتيح الأساسية في هذه المعادلة.
فالضغط الأميركي لمنع توسع الحرب لا يعني بالضرورة رفض كل عمل عسكري إسرائيلي. الفارق كبير بين محاولة منع حرب شاملة وبين السماح بعملية محدودة تهدف إلى تعديل ميزان الردع.

وهنا تكمن المنطقة الرمادية التي يتحرك فيها القرار الإسرائيلي: ضربات قوية، لكن دون الانزلاق إلى حرب لا يمكن ضبطها.

أما إذا انهارت القنوات الأميركية ـ الإيرانية، فإن هامش المناورة قد يتقلص بسرعة، لأن أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران ستعيد ترتيب أولويات جميع الساحات، وسيصبح لبنان واحداً من ميادين الرد المتبادل.

إيران… الجنوب مقابل الإقليم؟

في المقابل، تبدو طهران أكثر ميلاً إلى التعامل مع الجبهات باعتبارها شبكة مترابطة.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن علي الطاهر لا ينفصل عن مضيق هرمز واليمن وسوريا وسائر نقاط الاحتكاك الإقليمي.
ولا توجد معطيات معلنة تسمح بالجزم بوجود صفقة مباشرة تربط مستقبل علي الطاهر بمضيق هرمز، لكن طرح هذه المعادلة يعكس طبيعة الصراع الحالي: كل ورقة محلية يمكن أن تصبح جزءاً من تفاوض إقليمي أوسع.

وهذا ما يجعل أي عملية إسرائيلية واسعة في الجنوب قابلة لأن تُقابل بتحركات في ساحات أخرى، بما فيها اليمن والبحر الأحمر، الأمر الذي يرفع كلفة الحرب على إسرائيل وحلفائها اقتصادياً وأمنياً.

سوريا وتركيا… طبقة جديدة من الصراع

التطورات في سوريا تضيف بعداً آخر للمشهد.
فالضربات الإسرائيلية في الشمال السوري، ولا سيما استهداف مواقع قرب مطار أبو الظهور، تأتي في بيئة شديدة الحساسية بسبب الحضور والنفوذ التركي.
إسرائيل تنظر إلى أي تمركز عسكري أو بنية أمنية تعتبرها تهديداً لأمنها باعتباره هدفاً محتملاً، وهو ما يفسر تشددها في التعامل مع أي تغيير في موازين القوى داخل سوريا.

لكن المشكلة أن أي احتكاك إسرائيلي ـ تركي مباشر أو غير مباشر يمكن أن يضيف لاعباً إقليمياً جديداً إلى معادلة الحرب، في وقت تعاني فيه المنطقة أصلاً من تعدد الجبهات وتداخل المصالح.

اليمن: الجبهة التي قد تخرج من الحسابات

عودة الحوثيين إلى واجهة التصعيد تفتح احتمالاً إضافياً.
فأي مواجهة إسرائيلية ـ إيرانية واسعة قد لا تبقى محصورة بالحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل يمكن أن تمتد إلى البحر الأحمر والممرات البحرية، بما يجعل الحرب ذات تأثير مباشر على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد اتساع جغرافي للقتال؛ إذ يمكن أن يتحول الصراع إلى أزمة إقليمية ذات كلفة اقتصادية عالمية.

عون والفاتيكان… محاولة لتثبيت المظلة الدبلوماسية

في مواجهة هذا المشهد، يتحرك رئيس الجمهورية جوزاف عون دبلوماسياً على أكثر من خط.
وفي الفاتيكان، وضع عون الجنوب في صلب لقاءاته مع البابا لاوون الرابع عشر ومسؤولي الكرسي الرسولي، مطالباً بدعم لبنان في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتنفيذ اتفاق الإطار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.

كما أكد أن الحل المستدام يجب أن يمر عبر بسط سلطة الدولة وحصر قرار الحرب والسلم بها.

وجاء الموقف الفاتيكاني ليعكس القلق الدولي من تعثر تنفيذ الاتفاق، في إشارة إلى أن المشكلة لم تعد في صياغة تفاهم سياسي فحسب، بل في قدرة الأطراف على تحويله إلى واقع ميداني.

اليونيفيل… الفراغ الأخطر

في موازاة ذلك، يقترب لبنان من استحقاق بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل “اليونيفيل”.
فأي إنهاء للمهمة الدولية من دون صيغة بديلة واضحة قد يخلق فراغاً أمنياً وسياسياً في الجنوب، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استمرار العمليات الإسرائيلية.

ولهذا تتحرك باريس وروما في اتجاه البحث عن صيغة تحفظ حضوراً دولياً، فيما يحاول لبنان إقناع واشنطن بإمكان تمديد مهمة اليونيفيل.
وفي الوقت نفسه، بدأت عملية تسليم بعض مواقع القوة الدولية إلى الجيش اللبناني، ما يعكس انتقالاً تدريجياً للمسؤولية الميدانية.
لكن نجاح هذه العملية يبقى مرتبطاً بحجم الدعم الدولي للجيش وبالبيئة الأمنية التي سيعمل فيها.

“حزب الله” والسلطة: جبهة سياسية موازية

داخلياً، لا يقل الانقسام السياسي خطورة عن التصعيد العسكري.
فـ”حزب الله” يصعّد انتقاداته للسلطة، معتبراً أن اتفاق الإطار لم يوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وأن إسرائيل تستخدم الاتفاق لتغطية استمرار عملياتها.
في المقابل، يتمسك الخطاب الرسمي اللبناني بالمسار الدبلوماسي وبضرورة تنفيذ الاتفاق والانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: لبنان يدخل المرحلة الأكثر حساسية وهو منقسم حول تفسير الاتفاق نفسه وحول الطريق الأفضل لحماية الجنوب.

الميدان يسبق الدبلوماسية

على الأرض، جاءت التطورات لتؤكد أن المسافة بين التهدئة والانفجار لا تزال ضيقة.
القصف الإسرائيلي طال حولا وطلوسة ومركبا والمنصوري، وترافقت العمليات مع إحراق منازل وتنفيذ تفجيرات في عدد من البلدات الجنوبية، فيما استهدفت الغارات مرتفع علي الطاهر ومحيط الدبشة وأطراف النبطية الفوقا ودوحة كفررمان.

هذه التطورات تعني أن إسرائيل لا تتعامل مع الجنوب بمنطق الانتظار الدبلوماسي فقط، بل تواصل بناء ضغط ميداني يمكن استخدامه لاحقاً على طاولة التفاوض.

انهيار المفاوضات


المعادلة اليوم لا تختصر بسؤال: هل ستقع الحرب؟.
السؤال الأكثر دقة هو: ما الذي يمكن أن يشعلها؟.
قد يكون علي الطاهر. وقد يكون انهيار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وقد يكون حادث أمني كبيراً أو ضربة نوعية أو توسعاً في إحدى الجبهات.

وفي جميع الاحتمالات، تبدو إسرائيل وهي تحاول تحسين موقعها قبل أي تسوية، بينما تسعى واشنطن إلى منع الانفجار الشامل، وتعمل إيران على الاحتفاظ بأوراق الردع، فيما يحاول لبنان انتزاع الوقت عبر الدبلوماسية.

لذلك، فإن معركة علي الطاهر، إذا وقعت، لن تكون مجرد معركة على مرتفع. ستكون اختباراً لما إذا كانت قواعد الاشتباك الحالية لا تزال قابلة للحياة، أم أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة رسم موازين القوة بالنار.

والأخطر أن القرار قد لا يبقى لبنانياً أو إسرائيلياً فقط؛ فكلما اقتربت المواجهة من علي الطاهر، اقترب معها احتمال أن تتحول الهضبة إلى نقطة التقاء بين لبنان وإسرائيل وإيران والولايات المتحدة وسوريا واليمن، وعندها قد يصبح احتواء الحرب أصعب بكثير من منعها.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والتحليل السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا