مثلث الحصار الجديد: ولادة عالم لا يناسب أحداً
■ د. محمد هزيمة
ميديا برس ليبانون |يشهد العالم اليوم واحدة من أكثر مراحل التحول الجيوسياسي حساسية منذ نهاية الحرب الباردة. فالهيمنة الأميركية الأحادية لا تنهار بضربة واحدة، بل تتآكل تدريجياً بفعل تراكمات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية وجيوسياسية، فتحت في الوقت نفسه ثلاث جبهات كبرى: صمود طهران، وتفوق بكين الاقتصادي والتكنولوجي، ودخول القطب الشمالي بقوة إلى معادلة التجارة والطاقة والنفوذ الدولي.
لكن خلف هذا المثلث يبرز مشروع رابع أكثر تعقيداً: المشروع التركي بقيادة رجب طيب أردوغان، الذي يسعى إلى إعادة إنتاج النفوذ التركي التاريخي بأدوات القرن الحادي والعشرين، عبر الاقتصاد والطاقة والصناعات الدفاعية والدبلوماسية والنفوذ الثقافي.
وهكذا يجد العالم نفسه أمام هياكل قوة جديدة لا تنسجم بالكامل مع واشنطن، ولا تتطابق حتى في ما بينها.
طهران.. درس الصمود وكسر الحصار
كانت إيران طوال العقود الماضية واحدة من أبرز ساحات الاختبار للسياسة الأميركية القائمة على العقوبات والضغط الأقصى.
فمنذ مطلع الألفية، عملت واشنطن على الحد من النفوذ الإيراني الإقليمي وتطويق الامتداد الجغرافي الذي يصل طهران ببغداد ودمشق وبيروت. إلا أن النتائج لم تأتِ دائماً وفق الحسابات الأميركية.
فالعقوبات التي كان يفترض أن تؤدي إلى إضعاف إيران وعزلها دفعتها، في المقابل، إلى تطوير اقتصاد مقاوم، وتوسيع علاقاتها مع القوى غير الغربية، وتعزيز حضورها الإقليمي.
اليوم لم تعد إيران مجرد دولة تواجه العقوبات، بل أصبحت لاعباً إقليمياً مركزياً، وعضواً في بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وجزءاً من شبكة علاقات اقتصادية وسياسية تتجاوز النظام الغربي.
والرسالة الإيرانية الأساسية كانت واضحة: الحصار يمكن أن يكون أداة ضغط، لكنه قد يتحول أيضاً إلى حافز لبناء البدائل والتحالفات.
بكين.. الاقتصاد الذي يعيد رسم الجغرافيا
إذا كانت طهران قد قدمت درساً في الصمود، فإن بكين تقدم درساً مختلفاً: كيف يمكن للاقتصاد أن يتحول إلى قوة جيوسياسية.
فالصين لم تكتفِ بأن تصبح مصنعاً للعالم، بل حولت سلاسل الإمداد والتجارة والتكنولوجيا والطاقة إلى أدوات نفوذ استراتيجي.
ومع تصاعد المنافسة الأميركية–الصينية في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والفضاء والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة، بدأت بكين في بناء منظومة بديلة تقلل اعتمادها على المسارات والأسواق التي يمكن لواشنطن التأثير فيها.
ومن هنا تبرز أهمية الطريق القطبي أو “طريق الحرير الجليدي”.
فالقطب الشمالي لم يعد مجرد منطقة جليدية بعيدة عن الحسابات السياسية؛ إنه يتحول تدريجياً إلى ممر تجاري واستراتيجي محتمل يربط آسيا بأوروبا عبر مسارات أقصر من بعض الطرق التقليدية.
والدلالة هنا تتجاوز اختصار زمن الشحن.
فالرسالة الاستراتيجية هي أن السيطرة على الممرات البحرية التقليدية لن تعني بالضرورة السيطرة على التجارة العالمية، وأن الجغرافيا نفسها بدأت تنتج طرقاً بديلة لم تكن متاحة أو مجدية بالقدر نفسه في السابق.
مثلث المصالح: موسكو – بكين – طهران
في عالم المصالح الرمادية، لا تبدو التحالفات الجديدة قائمة دائماً على التطابق الأيديولوجي، بل على تقاطع المصالح.
ومن هنا يبرز مثلث موسكو–بكين–طهران.
روسيا تمتلك الطاقة والموارد والعمق الجغرافي والقدرات العسكرية.
الصين تمتلك الصناعة والتكنولوجيا والأسواق والقدرة المالية.
إيران تمتلك الموقع الجيوسياسي وشبكة واسعة من العلاقات الإقليمية وموقعاً محورياً في طرق الطاقة والتجارة.
وما يجمع هذه القوى هو الرغبة في الحد من احتكار الغرب للقرار الدولي، وإن كانت لكل منها حساباتها الخاصة ومصالحها التي قد تتقاطع في ملف وتتعارض في ملف آخر.
إنه ليس تحالفاً مغلقاً بالمعنى التقليدي، بل شبكة مصالح استراتيجية تتوسع كلما ازدادت الضغوط الغربية.
تركيا.. اللاعب الرابع
في قلب هذا المشهد تدخل تركيا بثقلها الخاص.
فأنقرة، رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي، تتعامل مع النظام الدولي بمنطق براغماتي شديد المرونة؛ فهي تتعاون مع الغرب حين تتطلب مصالحها ذلك، وتفتح قنوات واسعة مع روسيا والصين وإيران ودول الخليج وآسيا الوسطى.
ويرى أردوغان أن التحولات الدولية الراهنة تمنح تركيا فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها.
المشروع التركي لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على ثلاثة عناصر رئيسية:
الثروة والطاقة: عبر موقع تركيا في شبكات الغاز والنقل والطاقة.
الديموغرافيا: عبر امتدادها في فضاء تركي وإسلامي واسع.
الجغرافيا: باعتبارها جسراً بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط والقوقاز.
لكن الطموح التركي يصطدم بمشكلة أساسية: كلما اتسع الدور التركي، زادت احتمالات اصطدامه بمصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين وإيران، فضلاً عن حساسيات عدد من الدول العربية والأوروبية والآسيوية.
الخليج.. بين الأمن الأميركي والاستثمار الصيني
أما الخليج العربي فيجد نفسه أمام معادلة بالغة الصعوبة.
فهو يحتاج إلى المظلة الأمنية الأميركية، لكنه في الوقت نفسه أصبح مرتبطاً اقتصادياً بالصين بصورة متزايدة، ولا يستطيع تجاهل روسيا باعتبارها لاعباً أساسياً في أسواق الطاقة، كما أن الجغرافيا تفرض التعامل مع إيران.
وبالتالي، فإن دول الخليج تحاول السير بين القوى الكبرى دون الانضمام الكامل إلى أي محور.
إنها سياسة يمكن اختصارها بعبارة واحدة:
تنويع الشراكات دون خسارة المظلة الأمنية.
أوروبا.. بين الأمن الأميركي والاقتصاد الآسيوي
أما أوروبا فتواجه معادلة لا تقل تعقيداً.
فهي تحتاج إلى الولايات المتحدة في مجال الأمن والدفاع، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الأسواق الصينية وسلاسل التوريد الآسيوية، فيما تركت الحرب الروسية–الأوكرانية ملف الطاقة في قلب الحسابات الأوروبية.
وبذلك أصبحت أوروبا أمام سؤال صعب:
كيف تحافظ على أمنها من دون أن تتحول إلى تابع سياسي؟ وكيف تحافظ على مصالحها الاقتصادية من دون أن تصبح رهينة للصراع بين واشنطن وبكين وموسكو؟.
أربعة مشاريع في عالم واحد
هنا تظهر الصورة الأوسع.
نحن لا نتجه ببساطة نحو عالم ثنائي بين واشنطن وبكين، ولا نحو تعددية أقطاب مستقرة، بل نحو صراع بين مشاريع مختلفة للنظام الدولي.
أميركا تريد الحفاظ على أكبر قدر ممكن من امتيازات النظام الذي قادته لعقود.
الصين وروسيا وإيران تدفع باتجاه نظام أكثر تعددية، تتوزع فيه مراكز القوة ولا تحتكر فيه دولة واحدة القرار الدولي.
تركيا تسعى إلى بناء قطب إقليمي مستقل، خصوصاً في الشرق الأوسط والفضاءين التركي والإسلامي.
أوروبا والخليج يبحثان قبل كل شيء عن الاستقرار وحماية المصالح، ولو اقتضى ذلك التعامل مع أكثر من محور في الوقت نفسه.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: الجميع يريد نظاماً يخدم مصالحه، لكن لا أحد يمتلك القدرة منفرداً على فرض النظام الذي يريده.
المذهب تعبئة.. والاقتصاد ردع.. والجغرافيا معركة
في هذا العالم الجديد تتغير أدوات القوة.
المذهب والهوية يمكن أن يتحولا إلى أدوات تعبئة سياسية.
الاقتصاد يصبح سلاح ردع.
العقوبات تتحول إلى أدوات حرب غير عسكرية.
التكنولوجيا تصبح جزءاً من الأمن القومي.
الموانئ وخطوط الطاقة وسلاسل الإمداد تتحول إلى أهداف استراتيجية.
والجغرافيا نفسها تعود لتصبح ساحة صراع.
لذلك فإن الحرب المقبلة لن تكون بالضرورة حرب دبابات وطائرات فقط؛ قد تكون حرباً على المعلومات، والطاقة، والتجارة، والتكنولوجيا، والعملات، والممرات البحرية والبرية والقطبية.
عالم متعدد.. لكنه فوضوي
المفارقة الكبرى أن تراجع الهيمنة الأحادية لا يعني تلقائياً ولادة عالم أكثر استقراراً.
قد ننتقل من عالم تفرض فيه قوة واحدة قواعد اللعبة إلى عالم تتنافس فيه عدة قوى على كتابة قواعد جديدة.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر فوضوية من المرحلة السابقة.
فلا واشنطن قادرة على إعادة إنتاج عالم القطب الواحد بسهولة، ولا بكين مستعدة لقبول استمرار الهيمنة الغربية، ولا موسكو تقبل العودة إلى هامش النظام الدولي، ولا طهران مستعدة للتراجع عن نفوذها الإقليمي، ولا تركيا تريد أن تبقى مجرد لاعب تابع.
والنتيجة هي عالم تتغير فيه التحالفات بحسب الملف والمصلحة واللحظة.
من سيحكم العقدين المقبلين؟
ربما يكون السؤال المطروح بصورة خاطئة.
السؤال ليس فقط: من سيحكم العالم؟
بل: من يستطيع الصمود في العالم الجديد؟
فالقوة في العقود المقبلة لن تقاس فقط بحجم الجيش أو الناتج المحلي، بل بالقدرة على تحمل العقوبات، وتأمين الطاقة، وحماية سلاسل الإمداد، وتطوير التكنولوجيا، وتنويع التحالفات، والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
لقد انتهى، أو يكاد ينتهي، زمن اللاعب الوحيد.
لكن البديل لم يولد بعد بصورة مكتملة.
إنه عالم لا يناسب أحداً بالكامل؛ عالم متعدد المراكز، متشابك المصالح، سريع التحولات، ومفتوح على صراعات طويلة لا يستطيع أحد التنبؤ بنهاياتها.
وفي هذا العالم، لن يكون المنتصر بالضرورة هو الأقوى.
قد يكون المنتصر هو من يمتلك أطول نفس… وأكبر قدرة على التكيف والصمود.
■ كاتب سياسي – باحث استراتيجي – مستشار في العلاقات الدولية
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحليل والآراء



اترك تعليقًا