أزمة التعليم في لبنان تهدد بضياع جيل كامل
أرقام صادمة تكشف انهيار المهارات الأساسية… الحرب لم تصنع الأزمة بل كشفت هشاشة نظام تعليمي أنهكته الأزمات
ميديا برس ليبانون| لم يعد الخطر الذي يتهدد التعليم في لبنان مرتبطًا فقط بتعطّل عام دراسي أو إغلاق مدارس بفعل الحرب، بل بات أقرب إلى أزمة بنيوية قد تترك آثارًا طويلة الأمد على جيل كامل من الأطفال.
فبين الانهيار الاقتصادي والمالي، وجائحة «كوفيد-19»، وانفجار مرفأ بيروت، والإضرابات المتكررة للمعلمين، وعدم الاستقرار السياسي والإداري، وصولًا إلى تداعيات الحرب الإسرائيلية الأخيرة والنزوح الواسع، تراكمت الصدمات فوق نظام تربوي كان يعاني أصلًا من ضعف قدرته على الصمود والاستجابة.
ويحذّر تقييم حالة صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت بعنوان «الجيل الضائع: كلفة الحرب والأزمات على تعليم الأطفال في لبنان» من أن الأزمة التعليمية بلغت مستويات غير مسبوقة، وأن استمرارها لا يهدد حق الأطفال في التعليم فحسب، بل يضرب أيضًا رأس المال البشري ويترك تداعيات مباشرة على مستقبل لبنان الاقتصادي والاجتماعي.
الأزمة لم تبدأ مع الحرب
المعطى الأكثر أهمية الذي يكشفه التقييم هو أن الحرب الأخيرة لم تُنشئ الأزمة التعليمية من الصفر، بل كشفت هشاشة نظام كان يعاني أصلًا من تراكم الاختلالات.
فالقطاع التربوي دخل الحرب وهو مثقل بأزمات متراكمة، فيما كان جزء كبير من التلاميذ قد بدأ يفقد القدرة على اكتساب المهارات الأساسية قبل اندلاع الأعمال العسكرية.
وتزداد صعوبة المشهد في التعليم الرسمي تحديدًا، بعدما تحمّل هذا القطاع لسنوات أعباء إضافية نتيجة استضافة أعداد كبيرة من التلاميذ السوريين، والاعتماد الواسع على نظام الدوام الثاني في عدد من المدارس الرسمية، بالتوازي مع تراجع الموارد والقدرة التشغيلية.
بمعنى آخر، لم تكن المدارس اللبنانية أمام أزمة طارئة فحسب، بل أمام نظام تعليمي مستنزف دخل حربًا جديدة وهو لم يتعافَ أصلًا من الحروب السابقة التي ضربت قدرته على أداء وظيفته الأساسية.
أرقام تكشف حجم الانهيار
تكمن خطورة الأزمة في الأرقام التي أظهرها التقييم، ولا سيما نتائج التقييم التشخيصي الوطني الذي أجرته وزارة التربية والتعليم العالي.
وبحسب النتائج، خسر التلاميذ ما يعادل ثلاثة أيام تعلم من أصل كل خمسة أيام دراسية.
لكن الخطر لا يتوقف عند حجم أيام التعلم المهدورة، بل يظهر بصورة أكثر وضوحًا في مستوى المهارات الأساسية.
فأكثر من نصف تلاميذ الصف الأول الأساسي لم يمتلكوا المهارات الحسابية الأساسية، بينما يصل التأخر لدى طلاب الصف السادس الابتدائي إلى أربع سنوات ونصف السنة عن المستوى المتوقع في مهارات القراءة والكتابة.
والأكثر إثارة للقلق أن أكثر من 8 من كل 10 تلاميذ في الصف السادس يعجزون عن إتقان عمليات القسمة الأساسية.
هذه الأرقام تطرح سؤالًا يتجاوز العام الدراسي الحالي:
ماذا يحدث عندما ينتقل طفل لم يكتسب مهارات القراءة والحساب الأساسية إلى الصفوف الأعلى؟.
المشكلة هنا ليست في خسارة محتوى تعليمي يمكن تعويضه بدورة مكثفة، بل في احتمال تراكم فجوات التعلم من مرحلة إلى أخرى، وصولًا إلى تلاميذ يحملون شهادات مدرسية من دون امتلاك الحد الأدنى من المهارات التي يفترض أن تؤمّنها سنوات التعليم الأساسي.
الحرب عطّلت ما تبقى من المسار
جاءت الحرب لتضيف طبقة جديدة من التعقيد. فخلال ذروة أزمة النزوح، تحولت مدرسة رسمية من بين كل مدرستين إلى مركز لإيواء النازحين، ما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية وإخراج أكثر من ربع مليون تلميذ من مساراتهم الدراسية المعتادة.
وهنا يظهر أحد أخطر أوجه الأزمة: المدرسة التي يفترض أن تكون مساحة للتعلم تحولت إلى مساحة للإيواء، فيما لم تتوافر بالسرعة نفسها بدائل تضمن استمرار التعليم.
والنتيجة أن الأطفال الأكثر تضررًا كانوا أولئك المنتمين إلى الأسر الأكثر هشاشة، والأكثر اعتمادًا على المدرسة الرسمية، لأن قدرتهم على الانتقال إلى التعليم الخاص أو تأمين مدرسين أو بدائل تعليمية كانت محدودة أصلًا.
النازحون… تعليم مؤجل
تكشف تقييمات الاحتياجات الطارئة عن فجوة أكثر خطورة داخل مراكز الإيواء.
فأكثر من نصف الأطفال الموجودين في مراكز الإيواء الجماعية كانوا خارج التعليم الابتدائي، بينما وصلت نسبة غير الملتحقين بالتعليم الثانوي إلى نحو 6 من كل 10 مراهقين.
وهذا يعني أن التعليم لم يتحول بالنسبة إلى عدد كبير من الأطفال إلى حق مؤجل لبضعة أسابيع، بل إلى مسار مهدد بالانقطاع.
وكلما طال الانقطاع، ازدادت احتمالات التسرب، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر، والاستغلال، وتدهور الصحة النفسية، فضلًا عن اتساع فجوة التعلم.
لذلك، فإن تأخير الاستجابة التعليمية في حالات النزوح لا يمثل مشكلة إدارية فقط، بل قد يتحول إلى عامل يحدد مستقبل الطفل نفسه.
أكثر من 100 مدرسة متضررة
ولا تقتصر تداعيات الحرب على تعطيل العملية التعليمية. فقد تعرضت أكثر من 100 مدرسة للتدمير أو لأضرار جسيمة، ما يضيف أزمة بنيوية إلى أزمة الوصول إلى التعليم.
إعادة فتح المدرسة لا تعني بالضرورة عودة التعليم إلى طبيعته؛ فالمبنى المتضرر يحتاج إلى إصلاح، والتجهيزات تحتاج إلى استبدال، والكوادر تحتاج إلى الدعم، والطلاب يحتاجون إلى بيئة آمنة ومستقرة.
كما أن تضرر المنشآت التعليمية يطرح سؤالًا أكبر حول قدرة الدولة على رصد الاعتداءات على المدارس وتوثيقها وحماية المنشآت التربوية خلال النزاعات.
بين الخطة والتنفيذ… فجوة خطيرة
أحد أبرز الاستنتاجات التي يطرحها التقييم يتمثل في وجود فجوة بين السياسات المعلنة وبين ما يصل فعليًا إلى الأطفال.
فالخطط والإجراءات الخاصة باستمرارية التعليم قد تكون موجودة على الورق، لكن الوصول إليها ميدانيًا كان محدودًا، خصوصًا بالنسبة إلى الأطفال الموجودين في مراكز الإيواء والمناطق المتضررة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في إدارة الأزمات: لا يكفي أن تعلن الدولة عن خطة لاستمرارية التعليم إذا كان الطفل غير قادر على الوصول إلى المدرسة، أو إذا كانت المدرسة مغلقة، أو مستخدمة للإيواء، أو متضررة بفعل الحرب.
في هذه الحالة، يصبح من الضروري نقل التعليم إلى الطفل بدل انتظار قدرة الطفل على الوصول إلى التعليم.
من يتحمل كلفة الجيل الضائع؟
الخطر الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المدارس المغلقة أو أيام التعلم المفقودة. كل يوم تعليمي لا يحصل عليه الطفل اليوم قد يتحول إلى فجوة معرفية غدًا، وكل فجوة غير معالجة قد تتحول إلى ضعف في التحصيل، ثم إلى تسرب مدرسي، ثم إلى تراجع في فرص العمل والإنتاجية.
وبالتالي، فإن تكلفة الأزمة التعليمية لا تقع على وزارة التربية وحدها. إنها تكلفة وطنية طويلة الأمد، ستتحملها لاحقًا سوق العمل والاقتصاد والمجتمع والدولة.
فالتعليم ليس قطاعًا خدماتيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمة، بل هو أحد أهم أدوات منع تحول الأزمة المؤقتة إلى أزمة بشرية مستدامة.
ما المطلوب قبل فوات الأوان؟
التقييم يطرح مجموعة من التوصيات التي تضع التعليم في صلب الاستجابة الوطنية للأزمات.
أولى الأولويات هي إدماج وزارة التربية والتعليم العالي منذ اللحظة الأولى في غرف عمليات الطوارئ، إلى جانب قطاعات الصحة والإيواء والخدمات الأساسية.
كما ينبغي اعتماد استراتيجيات تتيح إيصال التعليم إلى أماكن وجود الأطفال، بدل تحميلهم مسؤولية الوصول إلى مدارس مغلقة أو متضررة أو بعيدة عن أماكن النزوح.
ويبرز كذلك مبدأ «مصلحة الطفل الفضلى» باعتباره معيارًا أساسيًا في القرارات الإدارية والمالية، بما فيها تخصيص الموارد.
وهذا يعني أن البيروقراطية لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام حق الطفل في التعليم، خصوصًا في حالات الطوارئ.
أما حماية المدارس، فتحتاج إلى آليات وطنية موحدة لرصد الاعتداءات على المنشآت التربوية وتوثيقها، بما يسمح بتحديد حجم الأضرار ووضع خطط الاستجابة وإعادة التأهيل.
التحقيق في أصل الأزمة لا في نتائجها فقط
المشهد الذي تكشفه الأرقام يفرض التعامل مع أزمة التعليم بوصفها أزمة نظام لا أزمة حرب فقط.
فالحرب سرعت الانهيار، لكنها جاءت فوق اقتصاد منهك، ومدارس تعاني نقص الموارد، ومعلمين واجهوا أزمات متتالية، وطلاب فقدوا سنوات من التعلم، وإدارة تربوية تواجه ضغوطًا تفوق إمكاناتها.
ومن هنا، فإن إعادة بناء التعليم لا يمكن أن تقتصر على ترميم المدارس أو تعويض أيام الدراسة.
المطلوب هو إعادة بناء القدرة التعليمية نفسها: تشخيص فجوات التعلم، دعم المعلمين، استعادة انتظام العام الدراسي، حماية التعليم الرسمي، توفير التعليم للأطفال النازحين، وتأمين بدائل سريعة في حالات الطوارئ.
جيل أمام مفترق خطير
لبنان لا يواجه فقط خطر خسارة عام دراسي. إنه يواجه خطر تراكم خسارة تعليمية قد تمتد لسنوات. وحين يعجز طفل في الصف السادس عن إتقان مهارة أساسية، بينما يكون عشرات الآلاف من الأطفال خارج المدرسة بسبب النزوح والحرب، تصبح المسألة أكبر من أزمة تربوية عابرة. إنها قضية تتصل بمستقبل جيل كامل.
فإذا كان إعادة إعمار الأبنية ممكنًا بالمال، فإن إعادة بناء سنوات التعلم المفقودة أكثر تعقيدًا، لأن الزمن التعليمي الذي يضيع من الطفل لا يمكن استعادته بالطريقة نفسها.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون في صدارة القرار الوطني اليوم ليس فقط: متى ستفتح المدارس أبوابها؟، بل: كم طفلًا سيعود إلى المدرسة وهو قادر فعلًا على التعلم؟ وكم طفلًا يكون قد خرج من النظام التعليمي بصمت قبل أن نكتشف أننا فقدنا جيلًا كاملًا؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والدراسات



اترك تعليقًا