حصار إيران: إعادة هندسة المنطقة بالقوة وتجاوز الأعراف
■ الدكتور محمد هزيمة
ميديا برس ليبانون | لم تكن زيارة جاريد كوشنر إلى القدس المحتلة، وفق قراءة المشهد الإقليمي، مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل حملت في دلالاتها السياسية خرائط لمشروع يتجاوز حدود التفاوض إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. فالهدف المعلن يتمثل في إضعاف المقاومة وتفكيك البنى المسلحة لمحور إيران، في رسالة لا تتوجه إلى طهران وحدها، بل إلى عواصم القرار من بيروت إلى بغداد وصنعاء، مرورًا بدمشق وأنقرة.ومن هنا، يصبح من الصعب قراءة التحركات التركية بمعزل عن التحولات المحيطة بها، وعن الدور الذي يبدو أن واشنطن وتل أبيب تريدان لأنقرة أن تؤديه في المرحلة المقبلة.المشهد الجديد يقوم، في تقديري، على ثلاثة مسارات متوازية: اقتصادي وأمني وسياسي، تتقاطع جميعها عند هدف إعادة ترتيب المنطقة وفق موازين قوة جديدة.أولًا: الاقتصاد… غاز شرق المتوسط بوابة جديدة للصراعيشكل ملف غاز شرق المتوسط أحد أبرز عناوين الصراع الجيوسياسي الجديد. فاستبعاد تركيا من ترتيبات إقليمية تتصل بالطاقة، بالتوازي مع إعادة رسم التحالفات الاقتصادية والأمنية في المنطقة، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلاف حول خطوط الغاز أو المصالح الاقتصادية.فالطاقة أصبحت أداة نفوذ سياسي، وخريطة خطوط الأنابيب والممرات البحرية باتت جزءًا من خريطة الصراع على النفوذ.وفي هذا السياق، تبدو أنقرة أمام معادلة صعبة: من جهة، تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها لاعبًا أساسيًا في أي منظومة إقليمية للطاقة، ومن جهة أخرى تواجه ترتيبات قد تهدف إلى الحد من قدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي واقتصادي واسع.وتزداد حساسية المشهد مع انتقال تركيا تدريجيًا من دولة تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السلاح إلى دولة تسعى إلى تعزيز صناعتها الدفاعية وتوسيع حضورها في أسواق السلاح. وهذا التحول لا يحمل أبعادًا اقتصادية فقط، بل يعكس محاولة لبناء استقلالية استراتيجية أكبر.ثانيًا: أمنيًا… من غزة إلى طهرانالانتقال من استهداف غزة إلى الضغط المباشر على إيران يفتح الباب أمام إعادة تشكيل واسعة للمشهد الأمني.فإذا اندلعت مواجهة جديدة مع طهران، فإن احتمال توسعها ليشمل ساحات أخرى يصبح قائمًا، من العراق واليمن ولبنان إلى سوريا، التي تشكل بالنسبة إلى تركيا مساحة نفوذ ومصالح مباشرة.وهنا تحديدًا تكمن حساسية الموقف التركي.فأنقرة لا تريد أن تجد نفسها أمام حرب إقليمية واسعة تُفرض عليها من خارج حدودها، ولا تريد في الوقت نفسه أن تسمح بتشكل واقع استراتيجي جديد يهدد مصالحها أو يحد من قدرتها على الحركة.لذلك تبدو الاستراتيجية التركية قائمة على تأجيل المواجهة بدل خوضها في توقيت يحدده الآخرون.وهذا التأجيل لا يعني بالضرورة ضعفًا أو تراجعًا، بل يمكن قراءته كإدارة للوقت في انتظار اكتمال عناصر القوة والقدرة على المناورة.ثالثًا: سياسيًا… هل تتحول دول المنطقة إلى مقاولين أمنيين؟.المسار الأخطر يتمثل في محاولة تحويل دول المنطقة إلى أدوات تنفيذ لأجندات أمنية خارجية، بحيث تتحول بعض الأنظمة من دول صاحبة قرار إلى أطراف تؤدي أدوارًا أمنية محددة في منظومة إقليمية تقودها واشنطن وتل أبيب.وهنا تجد تركيا نفسها أمام خيارين: القبول بدور ثانوي داخل النظام الإقليمي الجديد، أو العمل على بناء موقع مستقل يتيح لها أن تكون شريكًا مقررًا لا تابعًا.وقد يكون هذا أحد أسباب ارتفاع منسوب التوتر غير المباشر بين أنقرة وبعض العواصم الغربية.تركيا، التي تطمح إلى استعادة دور إقليمي واسع، لا تبدو مستعدة للتعامل مع نفسها كقوة هامشية. وهي تدرك أن مشروعها الإقليمي يصطدم بمشاريع أخرى، إسرائيلية وإيرانية وعربية وغربية، ما يجعل موقعها في المرحلة المقبلة شديد الحساسية.أنقرة تؤجل المواجهة… لكنها تستعد لهايمكن قراءة السلوك التركي الحالي من خلال أربعة عناوين رئيسية:أولًا: تأجيل المواجهة.تدرك القيادة التركية أن الانجرار إلى حرب استنزاف إقليمية في هذه المرحلة قد يستنزف قدراتها ويشتت أولوياتها. لذلك تبدو أنقرة حريصة على إبقاء أبواب الوساطة مفتوحة، وعلى منع تحول التوترات القائمة إلى مواجهة مباشرة معها.ثانيًا: بناء القوة الذاتية.تعمل تركيا على تطوير صناعتها الدفاعية وتعزيز قدراتها العسكرية، بالتوازي مع محاولة معالجة الملفات الداخلية التي يمكن أن تشكل عبئًا على مشروعها الإقليمي، وفي مقدمتها الملف الكردي.ثالثًا: تبريد بؤر الاشتباك.من غزة إلى إيران، تحاول أنقرة تقديم نفسها كوسيط قادر على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة. فالوساطة ليست بالضرورة هدفًا بحد ذاتها، وإنما يمكن أن تكون أداة استراتيجية لمنع انفجار إقليمي في توقيت لا يخدم المصالح التركية.رابعًا: دراسة سيناريوهات الحرب على إيران.أنقرة تدرك أن المواجهة مع إيران يمكن أن تأخذ أشكالًا متعددة: حربًا مباشرة، أو مواجهات عبر حلفاء ووكلاء، أو حربًا إقليمية شاملة. ولذلك فإن السؤال التركي لا يقتصر على: ماذا سيحدث لإيران؟ بل يتجاوز ذلك إلى: كيف ستنعكس الحرب على تركيا وموقعها داخل حلف شمال الأطلسي والمنظومة الإقليمية؟.فالاستعداد التركي ليس بالضرورة استعدادًا لحرب على إيران، بقدر ما هو استعداد لما قد ينتج عن الحرب بسبب إيران.من سيحدد مكان وزمان الحرب؟هنا تنتقل المعادلة إلى مستوى أكثر خطورة.لم يعد السؤال الأساسي: هل ستندلع الحرب؟بل أصبح: من سيحدد مكان الحرب وزمانها ومسارها؟.إسرائيل قد تفضّل نقل الصراع إلى ساحات مثل سوريا ولبنان، حيث توجد ملفات مفتوحة وقواعد اشتباك قابلة للتغيير.أما الولايات المتحدة، فقد تكون مصلحتها في إدارة الصراع ضمن ساحات الخليج وممرات الطاقة والمصالح الاستراتيجية.وفي المقابل، قد تنظر أوروبا إلى شرق المتوسط باعتباره مساحة حيوية لمصالحها الأمنية والاقتصادية والطاقة.أما تركيا، فهاجسها الأساسي هو ألا تتحول أراضيها إلى ساحة للحرب، وألا تجد نفسها مضطرة إلى خوض مواجهة في توقيت يحدده الآخرون.ومن هنا يمكن فهم سبب عودة ملف الغاز وملف إيران إلى الواجهة في الوقت نفسه.فهما، في أحد أبعادهما، وجهان لصراع واحد على النفوذ والطاقة والممرات والتحالفات.المنطقة أمام إعادة هندسة بالقوةالمشهد الإقليمي يتجه نحو مرحلة لا تكفي فيها التحالفات التقليدية لتفسير حركة اللاعبين.هناك سباق على النفوذ، وإعادة تموضع عسكري، وتنافس على الطاقة والممرات البحرية، ومحاولات لإعادة تعريف أدوار الدول، بالتوازي مع استخدام القوة العسكرية كأداة لإعادة رسم التوازنات.والأخطر أن هذه العملية تجري في ظل تراجع قدرة المؤسسات الدولية على فرض قواعد واضحة على جميع الأطراف، ما يفتح الباب أمام منطق القوة بدل منطق القانون.وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة يصبح فيها تغيير الخرائط السياسية والأمنية نتيجة مباشرة لتوازن القوة على الأرض، لا نتيجة تفاهمات دولية مستقرة.وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بإيران وحدها، ولا بتركيا وحدها، ولا بإسرائيل أو الولايات المتحدة وحدهما.إنه سؤال يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط بأكمله.السؤال الأخيرأمام هذه التحولات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا أمام حكومات المنطقة:هل تتحول دول المنطقة إلى “مقاولين أمنيين” ينفذون أدوارًا مرسومة لهم، أم أنها ستتمكن من صياغة أجنداتها الوطنية والإقليمية باستقلالية؟فإذا نجحت القوى الكبرى في تحويل المنطقة إلى شبكة من ساحات النفوذ المتداخلة، فقد نشهد إعادة رسم للمشهد الإقليمي بالقوة.أما إذا نجحت دول المنطقة في بناء تفاهمات تمنع الانفجار الكبير، فقد تكون أمام فرصة نادرة لإعادة صياغة النظام الإقليمي من داخل المنطقة نفسها.بين الخيارين، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا:الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية، والخطر لم يعد في اندلاع حرب جديدة فحسب، بل في أن تصبح الحرب نفسها أداة لإعادة هندسة المنطقة وتجاوز الأعراف والقواعد التي حكمت النظام الدولي لعقود.والسؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة ليس فقط: من سيحارب من؟.بل: من سيمتلك القدرة على تحديد قواعد اللعبة الجديدة؟، وحدها الأيام تحمل الإجابة.
■ كاتب سياسي – باحث استراتيجي – مستشار في العلاقات الدولية



اترك تعليقًا