توم باراك بين «إسرائيل الكبرى» و«العثمانية الجديدة»: واشنطن تنفي مخاوف التوسع وتكشف خلفيات ضربة أبو الظهور


■ بيروت –  أحمد موسى

ميديا برس ليبانون|أعاد المبعوث الأميركي إلى تركيا توم باراك فتح ملفين شديدي الحساسية في المشهد الإقليمي، هما سردية «إسرائيل الكبرى» وطموحات «الإمبراطورية العثمانية بنسختها الثانية»، في حديث تناول أيضاً الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في سوريا، وسط تصاعد التوتر حول طبيعة الأدوار الإقليمية ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وفي مقابلة مع رجل الأعمال والإعلامي اللبناني الأسترالي ماريو نوفل، قال باراك إن الحديث عن «إسرائيل الكبرى» يظهر أحياناً في الصحافة التركية، في إشارة إلى خرائط أو تصورات تُقدَّم باعتبارها مؤشراً إلى أهداف توسعية إسرائيلية تمتد جغرافياً إلى مناطق واسعة من الشرق الأوسط وخارجه.

وفي المقابل، أشار إلى أن المشهد نفسه يُقابَل في تل أبيب بصور وخرائط تتحدث عن «الإمبراطورية العثمانية بنسختها الثانية»، في إسقاط يعكس حجم المخاوف المتبادلة بشأن مشاريع النفوذ الإقليمي.

لكن باراك سارع إلى وضع موقف الإدارة الأميركية في إطار مختلف، قائلاً: «لا نعتقد أن أياً من هذه الأمور صحيح»، في رسالة سياسية تسعى إلى الفصل بين الخرائط المتداولة في الإعلام وبين السياسات الفعلية للدول المعنية.

أبو الظهور.. «معلومة استخباراتية لم تكن صحيحة»

الأكثر حساسية في تصريحات باراك كان حديثه عن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب الجنوبي.

وأوضح أن إسرائيل كانت تمتلك معلومات استخباراتية تفيد بوجود قوات أو أصول عسكرية تركية في الموقع، إلا أن التحقيقات التي أجرتها الولايات المتحدة بالتواصل مع أجهزة الاستخبارات المعنية خلصت، بحسب روايته، إلى أن هذه المعلومات لم تكن صحيحة.

وقال باراك إن واشنطن أجرت التحقيقات اللازمة وتواصلت مع الجهات الاستخباراتية المعنية، وكانت الخلاصة: «لا، هذا غير صحيح».

وتحمل هذه الإشارة أهمية سياسية وأمنية، كونها تضع رواية الضربة الإسرائيلية أمام اختبار استخباراتي، وتفتح في الوقت نفسه باب التساؤل حول طبيعة المعلومات التي استندت إليها إسرائيل لاتخاذ قرار استهداف الموقع، ومدى دقتها، وما إذا كانت العملية قد ارتبطت بتقديرات ميدانية خاطئة أو بحسابات تتجاوز الهدف العسكري المباشر.

لماذا أبو الظهور؟

يمثل موقع أبو الظهور أهمية استراتيجية في الجغرافيا السورية، في ظل التحولات المتسارعة في موازين القوى والانتشار العسكري في شمال سوريا.

ومن هذه الزاوية، فإن استهداف الموقع لا يُقرأ بمعزل عن التنافس الإقليمي على النفوذ داخل الأراضي السورية، ولا عن حساسية أي حضور عسكري تركي أو مدعوم من أنقرة.

وتثير الضربة، وفق قراءات سياسية وأمنية، تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض خطوط حمراء جديدة في سوريا، أو منع تشكل ترتيبات عسكرية وأمنية قد تراها تهديداً لمصالحها، في وقت تتداخل فيه الحسابات الإسرائيلية والتركية والأميركية والسورية ضمن مساحة جغرافية شديدة التعقيد.

باراك: الجيش التركي «قوي وشجاع»

وفي سياق حديثه عن تركيا، حرص المبعوث الأميركي على التأكيد أن الجيش التركي قوي وشجاع ومجهز جيداً ويعرف ما يفعله، في توصيف يعكس أهمية الدور التركي في الحسابات الأميركية المتعلقة بالمنطقة.

ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه حساسية العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، ولا سيما على خلفية التطورات السورية، حيث أصبح الوجود التركي في سوريا أحد الملفات التي تتقاطع حولها الحسابات الأمنية والاستراتيجية بين القوى الإقليمية والدولية.

«الحرب العالمية الثالثة».. تحذير من الخطأ غير المقصود

وفي الجانب الأكثر إثارة للقلق، تناول باراك احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة، محذراً من أن مساراً بهذا الحجم قد يبدأ نتيجة عمل غير مقصود.

واستند إلى تجربة الحرب العالمية الثانية للإشارة إلى أن الأزمات الدولية لا تحتاج بالضرورة إلى قرار معلن ببدء حرب شاملة، إذ يمكن أن يؤدي خطأ في الحسابات أو عمل غير مقصود إلى سلسلة من ردود الفعل يصعب احتواؤها.

وهنا تكمن الرسالة الأهم في حديث باراك: المنطقة لا تتحرك فقط بفعل القرارات الكبرى، بل أيضاً بفعل المعلومات الاستخباراتية الخاطئة، وسوء التقدير، وتضارب الرسائل، والعمليات العسكرية التي قد تفتح مسارات لم تكن الأطراف قد خططت لها.

مشهديّة بالغة الحساسية

تكشف تصريحات توم باراك عن مشهد إقليمي بالغ الحساسية: واشنطن تقول إنها لا ترى في خرائط «إسرائيل الكبرى» أو «الإمبراطورية العثمانية الجديدة» تعبيراً عن مشاريع فعلية، لكنها في الوقت نفسه تقر بأن المعلومة الاستخباراتية التي استندت إليها إسرائيل في ضرب أبو الظهور لم تكن صحيحة، وفق روايته.

وبين الخرائط المتداولة والضربات العسكرية والأدوار المتشابكة في سوريا، تبدو المشكلة الأخطر في المنطقة أقل ارتباطاً بما تقوله الخرائط وأكثر ارتباطاً بما قد تفعله قراءة خاطئة لخريطة أو معلومة استخباراتية خاطئة على الأرض.

وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح التركية والإسرائيلية والأميركية والسورية، قد يكون الفارق بين حادث أمني محدود وأزمة إقليمية كبرى مجرد خطأ واحد في الحسابات.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والتحليلي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا