من «تحرير العراق» إلى «حماية المدنيين»: ماذا تقول الوقائع عن الحروب العربية؟


قراءة استقصائية في مسار التدخلات العسكرية العربية والدولية… بين الوقائع الموثقة والأسئلة التي تركتها الحروب خلفها


ميديا برس ليبانون |على مدى العقود الماضية، شهد العالم العربي سلسلة حروب وتدخلات عسكرية أعادت رسم خرائط سياسية وأمنية، وخلّفت خسائر بشرية ومادية هائلة، فيما اختلفت العناوين التي قُدّمت تحتها تلك العمليات بين «تحرير»، و«حماية المدنيين»، و«إعادة الشرعية»، و«مكافحة الإرهاب».

لكن خلف هذه العناوين، تبرز أسئلة تتجاوز الرواية الرسمية لكل حرب: من اتخذ القرار؟ من شارك عسكريًا؟ من موّل؟ وما الذي جرى بعد انتهاء العمليات؟.

هذه الأسئلة لا تعني تلقائيًا أن جميع المشاركين امتلكوا الأهداف نفسها، ولا أن كل الادعاءات المتداولة حول هذه الحروب صحيحة. لكنها تستحق البحث في ضوء الوقائع الموثقة، والبيانات الرسمية، والتقارير الدولية، وما تركته تلك الصراعات من نتائج على الأرض.

العراق… عندما تحولت الحرب إلى ائتلاف دولي واسع

في عام 1990، أدى غزو العراق للكويت إلى تشكيل تحالف دولي واسع بقيادة الولايات المتحدة، شاركت فيه دول عربية بقوات عسكرية، من بينها مصر وسوريا ودول خليجية ودول عربية أخرى.

وقد اتخذت المشاركة العربية أشكالًا مختلفة، بين إرسال قوات برية، وتقديم قواعد وتسهيلات، والمشاركة في العمليات العسكرية أو الدعم اللوجستي.

أما الأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي حول أعداد القوات التي أرسلتها كل دولة، فتختلف بين مصدر وآخر، ولذلك لا يصح اعتمادها جميعًا باعتبارها أرقامًا نهائية من دون العودة إلى السجلات العسكرية والمصادر التاريخية المتخصصة.

لكن الثابت تاريخيًا أن حرب الخليج عام 1991 كانت نموذجًا بارزًا لتحالف عسكري دولي شاركت فيه دول عربية إلى جانب الولايات المتحدة وحلفائها.

ليبيا… «حماية المدنيين» والنتيجة المفتوحة على سؤال الدولة

في عام 2011، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1973 الذي سمح باتخاذ إجراءات لحماية المدنيين في ليبيا، بما في ذلك فرض منطقة حظر جوي.

وتحوّل القرار لاحقًا إلى عملية عسكرية واسعة نفذها حلف شمال الأطلسي «الناتو»، مع مشاركة عربية شملت قطر والإمارات، إضافة إلى أدوار أخرى لدول عربية. لكن سقوط نظام معمر القذافي لم يؤدِّ إلى استقرار سياسي مستدام.

بل دخلت ليبيا في مرحلة طويلة من الانقسام السياسي والصراع المسلح، وتعددت مراكز القوة، وتراجع حضور مؤسسات الدولة في مناطق واسعة.

وهنا تبرز إحدى أهم القضايا التي تستحق الدراسة: هل نجحت العمليات العسكرية في تحقيق الهدف المعلن المتمثل بحماية المدنيين، أم أن غياب مشروع سياسي متكامل لما بعد الحرب ساهم في إنتاج أزمة جديدة؟.

والإجابة لا يمكن اختزالها في موقف سياسي واحد، بل تحتاج إلى قراءة متأنية للقرارات الدولية ومسار التدخل والمرحلة التي أعقبته.

اليمن… الحرب التي تجاوزت الحسابات العسكرية

في آذار 2015، بدأت السعودية قيادة تحالف عسكري في اليمن، بعد طلب من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في مواجهة جماعة أنصار الله والقوى المتحالفة معها.
وشارك في التحالف عدد من الدول العربية، مع تفاوت في طبيعة المشاركة العسكرية والسياسية لكل دولة.
ومع مرور السنوات، تحولت الحرب اليمنية إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم.

وبغض النظر عن المواقف السياسية المتعارضة من أطراف النزاع، فإن النتيجة الإنسانية كانت ثقيلة: ضحايا مدنيون، نزوح، تدمير للبنية التحتية، وأزمة غذائية وصحية واسعة.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن أن تحقق العمليات العسكرية أهدافها السياسية إذا كانت كلفة الحرب على المجتمع والدولة أكبر من القدرة على إعادة بناء السلام؟.

سوريا… حرب متعددة اللاعبين

الحرب السورية تختلف عن الحالات السابقة من حيث تعدد الأطراف الإقليمية والدولية وتداخل ساحات الصراع.

فمنذ عام 2011، انخرطت قوى إقليمية ودولية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في النزاع، فيما دعمت دول مختلفة أطرافًا سورية متعارضة، وتعددت غرف العمليات وشبكات التمويل والتسليح والدعم اللوجستي.

وتحدثت تقارير عديدة على مدى سنوات الحرب عن دعم إقليمي لفصائل مسلحة مختلفة، لكن الأرقام المتداولة بشأن أعداد المقاتلين وحجم التمويل والتسليح تختلف بصورة كبيرة بين المصادر، ولا يمكن اعتماد رقم محدد من دون توثيق مستقل.

الثابت أن سوريا تحولت إلى ساحة صراع دولي وإقليمي، وأن الحرب أدت إلى خسائر بشرية هائلة ونزوح واسع وتدمير كبير للبنية التحتية.

من العراق إلى ليبيا واليمن وسوريا… ماذا بقي؟

المقارنة بين هذه الحروب الأربع لا تعني أنها متطابقة.
لكل حرب أسبابها وقراراتها وبيئتها القانونية والسياسية، كما أن مسؤوليات الأطراف المشاركة تختلف من حالة إلى أخرى.
لكن القاسم المشترك الذي يستحق البحث يتمثل في سؤال اليوم التالي للحرب.
فإسقاط نظام سياسي أو تحقيق تفوق عسكري لا يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة.
العراق واجه بعد 2003 موجات عنف وانقسامات حادة.
ليبيا دخلت بعد 2011 في انقسام سياسي وأمني طويل.
اليمن ما زال يعاني تداعيات حرب ممتدة.
وسوريا دفعت ثمنًا بشريًا واقتصاديًا وسياسيًا هائلًا بعد أكثر من عقد على اندلاع النزاع.
وبذلك يصبح السؤال الأهم ليس فقط: من ربح المعركة؟.
بل: من دفع ثمنها؟ وماذا حدث للدولة والمجتمع بعد توقف القصف؟.

غزة… اختبار جديد لمعايير المجتمع الدولي

في المقابل، كشفت الحرب في غزة عن أزمة أخرى تتعلق بازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات.

فبينما شهدت المنطقة تدخلات عسكرية دولية وإقليمية تحت عناوين حماية المدنيين أو دعم الشرعية أو مكافحة الإرهاب، أثارت الحرب في غزة انتقادات واسعة بشأن قدرة المجتمع الدولي على وقف القتال وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.

أما أعداد الضحايا، وخصوصًا الأطفال والنساء، فتتطلب اعتماد بيانات الجهات الدولية والمحلية المختصة وتحديثها باستمرار، نظرًا إلى تغير الأرقام وتفاوت طرق الإحصاء.

وهنا لا ينبغي أن تتحول المأساة الإنسانية إلى مادة للمزايدة السياسية، بل إلى سؤال قانوني وإنساني واضح: هل تطبق قواعد القانون الدولي الإنساني والمعايير نفسها على جميع النزاعات، أم أن الاعتبارات السياسية تجعل تطبيقها متفاوتًا؟.

بين الرواية الرسمية والرواية المضادة

تاريخ الحروب لا يُكتب من رواية واحدة.
فكل طرف يقدم مبرراته، ويستخدم مفرداته، ويحدد المسؤوليات وفق رؤيته السياسية.
ولهذا فإن التعامل الصحفي المسؤول لا يقوم على تبني رواية جاهزة، سواء كانت صادرة عن حكومة أو تحالف عسكري أو فصيل مسلح أو جهة سياسية.

المطلوب هو العودة إلى الوثائق، وقرارات مجلس الأمن، والبيانات العسكرية، وتقارير الأمم المتحدة، وشهادات المنظمات المستقلة، والدراسات الأكاديمية، ثم وضع الوقائع أمام القارئ.

أما الاتهامات غير المثبتة، والأرقام مجهولة المصدر، والعبارات التحريضية، فلا ينبغي أن تتحول إلى «حقائق» لمجرد أنها تكررت آلاف المرات على وسائل التواصل الاجتماعي.

التاريخ لا يحتاج إلى مبالغة

إن مراجعة الحروب العربية خلال العقود الماضية تفرض سؤالًا يتجاوز الانحياز لهذا الطرف أو ذاك: هل كانت القرارات العسكرية قادرة فعلًا على إنتاج الاستقرار الذي وعدت به، أم أن بعض التدخلات ساهم في فتح أزمات جديدة أكثر تعقيدًا؟.
الجواب لا يمكن استخراجه من منشور واحد أو رواية سياسية واحدة.
التاريخ يحتاج إلى وثيقة، والوعي يحتاج إلى تدقيق، والصحافة تحتاج إلى مسافة بين الخبر والرأي.

ولذلك فإن الهدف من إعادة فتح هذا الملف ليس إصدار أحكام مسبقة على دول أو شعوب، ولا إعادة إنتاج خطاب الكراهية، بل طرح الأسئلة التي يجب أن تبقى حاضرة: من يقرر الحرب؟ من يدفع ثمنها؟ من يحاسب على نتائجها؟ ومن يتحمل مسؤولية إعادة بناء الدول والمجتمعات بعد انتهائها؟.

فالذاكرة التاريخية لا تكون نافعة عندما تتحول إلى أداة للتحريض، وإنما عندما تصبح وسيلة لفهم الماضي، ومساءلة السياسات، ومنع تكرار الكارثة.

ملاحظة: تم تجنّب اعتماد الأرقام الواردة في النص المتداول باعتبارها حقائق نهائية، ولا سيما أعداد القوات والطائرات والتمويل، لعدم توثيق مصدر مستقل لكل رقم. وأي نشر لهذه الأرقام بصيغة قطعية يستوجب إرفاقها بمصادر أولية أو مراجع تاريخية موثوقة.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون |قسم التحقيقات العربية والدولية


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا