من أبو الظهور إلى «صفقة أمنية» شاملة؟


تسريبات خطيرة تختبر حدود الاتفاق السوري–الإسرائيلي


ميديا برس ليبانون |لقاء الشيباني وغوفمان يفتح قناة أمنية مباشرة… فهل تدور المفاوضات حول خفض التصعيد فقط، أم أن هناك شروطاً إسرائيلية تتجاوز الأمن إلى إعادة هندسة سوريا؟.


لم تعد التطورات السورية–الإسرائيلية مجرد اتصالات لاحتواء حادث أمني عابر. فمنذ الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية، دخلت المفاوضات بين دمشق وتل أبيب مرحلة أكثر حساسية، بالتزامن مع دخول تركيا كطرف أساسي في المعادلة، وتحرك واشنطن لمنع تحول التنافس الإسرائيلي–التركي داخل سوريا إلى مواجهة مفتوحة.

وفي أحدث تطور، أفادت مصادر بأن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التقى مدير جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في محاولة لخفض التوتر، فيما تحدثت تقارير أخرى عن اتصالات سابقة بين الطرفين وعن مسار أميركي لإدارة الملفات الأمنية ومنع سوء التقدير.

لكن بالتوازي مع هذه الاتصالات، تتداول أوساط إعلامية وسياسية قائمة طويلة من الشروط المنسوبة إلى الجانب الإسرائيلي، تتجاوز بكثير مفهوم «الاتفاق الأمني»، لتطال شكل الدولة السورية، انتشار الجيش، وضع الجنوب، العلاقة مع الفلسطينيين، التعليم، الملكيات اليهودية، وحتى مستقبل النظام السياسي.

وهنا يصبح السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام اتفاق أمني محدود لوقف التصعيد، أم أمام محاولة لإعادة رسم سوريا سياسياً وأمنياً وجغرافياً؟.

أبو الظهور… الشرارة التي كشفت عمق الخلاف

لم تأتِ غارة أبو الظهور في فراغ. فبحسب تقارير نقلت عن مصادر مطلعة، كان رئيس الموساد قد أجرى اتصالاً بالشيباني في 14 آب، أي قبل أيام من الغارة، وتركز الحديث على الوجود العسكري التركي في سوريا. كما نفت دمشق وأنقرة وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية دائمة في أبو الظهور، فيما بررت إسرائيل ضرب الموقع بمخاوفها من ترسيخ حضور عسكري تركي داخل سوريا.

الأخطر أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الانتشار التركي في سوريا باعتباره شأناً سورياً–تركياً فقط، بل باعتباره جزءاً من معادلة أمنها القومي.

وهذا ما يفسر انتقال الملف من المستوى السوري–الإسرائيلي إلى مثلث أكثر تعقيداً:
دمشق – أنقرة – تل أبيب، تحت مظلة واشنطن.
واشنطن تدخل لمنع «حرب الحلفاء»
المسألة بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا تتعلق بسوريا وحدها.

فأي مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل داخل الأراضي السورية ستكون أزمة كبرى لواشنطن، باعتبار أن الطرفين حليفان للولايات المتحدة، فيما أصبحت سوريا مساحة تتقاطع فيها مصالح عدة قوى.

ولهذا ظهرت محاولات أميركية لإنشاء آليات اتصال وتنسيق تمنع سوء الحسابات، في وقت كانت الاتصالات السورية–الإسرائيلية تبحث في خفض التصعيد وإعادة إطلاق مسار الاتفاق الأمني. وتشير معلومات منشورة إلى أن دمشق دفعت سابقاً باتجاه إنشاء مركز تنسيق مشترك في الأردن لإدارة الحوادث ومنع التصعيد.

وهنا يمكن فهم أهمية الحديث عن لجنة أمنية ثلاثية سورية–تركية–إسرائيلية بإشراف أميركي–أردني، إذا تأكد رسمياً.

فمثل هذه اللجنة، إن وُجدت، لن تكون مجرد لجنة تقنية، بل قد تشكل نواة لنظام إقليمي جديد لإدارة المجال الأمني السوري.

أما «الشروط الإسرائيلية»… فالقصة مختلفة

القائمة المتداولة تتحدث عن شروط شديدة القسوة، بينها فتح سفارة إسرائيلية في دمشق وقنصلية في حلب، وترتيبات خاصة في الجنوب، ومنطقة أمنية بعمق يتراوح بين 40 و50 كيلومتراً، وتقييد حجم الجيش السوري، ومنح السويداء وأجزاء من الجنوب ترتيبات حكم ذاتي أو فيدرالي.

كما تتحدث التسريبات عن قيود شديدة على سلاح الجو والدفاع الجوي السوري، والسماح لإسرائيل بالتوغل داخل الأراضي السورية عند شعورها بوجود خطر أمني، فضلاً عن ترتيبات تتعلق بالفصائل الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين والمناهج التعليمية.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى أقصى درجات الحذر.

حتى الآن، لا تظهر في المصادر المفتوحة التي راجعتها وثيقة رسمية أو مصدر مستقل موثوق يثبت هذه القائمة كاملة باعتبارها شروطاً إسرائيلية رسمية مطروحة على دمشق.

أما المؤكد، فهو أن المفاوضات السورية–الإسرائيلية تبحث بالفعل في اتفاق أمني، وأن الشيباني أعلن توقع استئنافها، وأن إسرائيل مستمرة في مطالبة سوريا بترتيبات أمنية واسعة، فيما تؤكد دمشق أن هدفها الوصول إلى اتفاق يوقف الهجمات ويمهد لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية.

لماذا تبدو بعض الشروط «تعجيزية»؟

إذا صحت أجزاء جوهرية من هذه التسريبات، فإنها لا تكون مجرد شروط تفاوضية عادية.
إن تقييد الجيش السوري، ومنع امتلاك قدرات جوية ودفاع جوي، والسماح بتدخل عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية وفق تعريف أمني إسرائيلي للخطر، يعني عملياً نقل العلاقة من وقف إطلاق النار إلى نموذج من الوصاية الأمنية غير المباشرة.

أما فرض ترتيبات فيدرالية على مناطق سورية، إذا ثبت، فيتجاوز المسألة الأمنية إلى صلب بنية الدولة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية التدقيق في هذه التسريبات، لأن الفرق كبير بين:
منطقة عازلة أو ترتيبات أمنية مؤقتة
وبين إعادة هندسة جغرافية وسياسية للدولة السورية.

الجنوب السوري… العقدة الأكثر حساسية

الجنوب هو الحلقة الأولى في أي اتفاق.
إسرائيل تريد منطقة خالية من التهديدات العسكرية قرب حدودها، بينما تريد دمشق استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، في حين أن السويداء ودرعا تحملان تعقيدات اجتماعية وأمنية وسياسية خاصة.

لذلك فإن أي اتفاق يمنح ترتيبات حكم ذاتي أو فيدرالية لمناطق محددة سيكون من أخطر الملفات، لأنه قد يفتح الباب أمام نموذج قابل للتوسع إلى مناطق أخرى.
وهنا يصبح السؤال: هل تسعى إسرائيل إلى أمن حدودها فقط، أم إلى منع عودة سوريا كدولة مركزية قوية؟.

الفلسطينيون واليهود السوريون… ملفات تتجاوز الأمن

أما الشروط المتعلقة بالفصائل الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين والملكية اليهودية والمناهج، فهي تحتاج إلى تدقيق أكبر من غيرها.

فإذا كانت مطروحة فعلاً، فهذا يعني أن المفاوضات لا تدور حول الأمن الحدودي فقط، وإنما حول إعادة تعريف مجموعة من الملفات التاريخية والسياسية داخل سوريا.

لكن لا يجوز التعامل مع هذه البنود باعتبارها اتفاقاً قائماً قبل ظهور وثائق أو تأكيدات رسمية مستقلة.
التسريب ليس اتفاقاً.
وهذه قاعدة أساسية في العمل الصحافي الاستقصائي.

هل تريد إسرائيل اتفاقاً أم «سوريا جديدة»؟

هنا تتقاطع الخيوط.
إذا كانت إسرائيل تريد فقط ضمانات أمنية، فإن التفاوض الطبيعي يمكن أن يدور حول:
– انتشار القوات.
– الأسلحة الثقيلة.
– المنطقة الحدودية.
– آلية فض الاشتباك.
– وقف الهجمات.
– مراقبة الالتزام بالاتفاق.
أما إذا امتدت المطالب إلى الجيش السوري، والنظام السياسي، والفيدرالية، والمناهج، واللاجئين، والملكية، والعلاقات الدولية، فإن الأمر يصبح مختلفاً تماماً.

عندها لا تعود القضية اتفاقاً أمنياً بين دولتين، بل محاولة للتأثير في شكل الدولة السورية نفسها.

دمشق أمام معادلة شديدة الصعوبة

السلطة السورية الجديدة أمام خيارين كلاهما مكلف.
القبول باتفاق واسع قد يمنحها فرصة للحصول على وقف للهجمات الإسرائيلية، وانسحاب تدريجي، واعتراف دولي أكبر، وربما فتح الباب أمام استقرار اقتصادي وسياسي.
لكن قبول شروط تمس سيادة الدولة وقدراتها العسكرية ووحدتها الجغرافية قد يحول الاتفاق إلى مصدر أزمة داخلية طويلة الأمد.

أما رفض الاتفاق بالكامل، فقد يعني استمرار الضربات والتوغلات الإسرائيلية، واستمرار الضغط الأميركي، وبقاء سوريا ساحة تنافس بين إسرائيل وتركيا وقوى أخرى.
لذلك يبدو أن المعركة الحقيقية لن تكون حول هل توقع دمشق أم لا؟.
بل حول: ما الذي ستدفعه دمشق مقابل التوقيع؟.

أبو الظهور كان رسالة… لكن إلى من؟

قد تكون الغارة الإسرائيلية على أبو الظهور قد حملت أكثر من رسالة في وقت واحد.
إلى دمشق: لا تتخذوا ترتيبات عسكرية من دون حساب المصالح الإسرائيلية.
إلى أنقرة: الوجود العسكري التركي في سوريا له حدود إسرائيلية.
إلى واشنطن: الأمن الإسرائيلي سيبقى أولوية حتى داخل ترتيبات الوساطة الأميركية.
وإلى المفاوض السوري: أي اتفاق أمني لن يُبنى على الأمن السوري وحده، بل على منظومة مصالح إسرائيلية وإقليمية ودولية متشابكة.

اتفاق أمني أم إعادة رسم للخريطة؟

المؤكد حتى الآن هو وجود اتصالات سورية–إسرائيلية رفيعة المستوى، ومسار تفاوضي أمني، وتحرك أميركي لمنع التصعيد، وتصاعد الخلاف حول الدور العسكري التركي في سوريا.

أما القائمة الطويلة من الشروط المتداولة، فلا تزال في خانة التسريبات غير المثبتة، ولا ينبغي تقديمها كوثيقة اتفاق نهائية.

لكن حتى بصرف النظر عن صحة كل بند، فإن مجرد تداولها يكشف حجم المخاوف من أن يتحول الاتفاق الأمني إلى تسوية أوسع تمس شكل الدولة السورية.

وهنا تكمن المسألة الأخطر: إذا كانت الشروط المطروحة تهدف فقط إلى منع الحرب، يمكن التفاوض عليها. أما إذا كانت تهدف إلى جعل سوريا دولة منزوعة القدرة، مجزأة النفوذ، ومفتوحة أمام التدخل الإسرائيلي كلما عرّفت تل أبيب «الخطر» وفق مصالحها، فالأمر لا يعود اتفاقاً أمنياً… بل مشروعاً لإعادة صياغة سوريا.

ومن هذه الزاوية، قد تكون الشروط التعجيزية نفسها جزءاً من المعركة التفاوضية: رفع سقف المطالب إلى مستوى يصعب على دمشق قبوله، ثم استخدام الرفض السوري لتبرير استمرار الضغط العسكري والأمني.

وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً: هل تبحث إسرائيل عن اتفاق مع سوريا… أم عن سوريا لا تستطيع بعد الاتفاق أن تشكل تهديداً لإسرائيل؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الإقليمي والدولي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا