بين قانون الإعلام وحرية الصحافة: ماذا يناقش سلام مع «مراسلون بلا حدود»؟


بيروت – ميديا برس ليبانون _ لم يكن لقاء رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام مع وفد منظمة «مراسلون بلا حدود» (RSF) اجتماعاً بروتوكولياً عابراً، إذ جاء في توقيت يتقدم فيه ملف الإعلام والحريات الصحافية إلى واجهة النقاش العام، بالتوازي مع البحث عن إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع الإعلامي ضمن إطار قانوني أكثر وضوحاً.

واستقبل سلام رئيس مكتب الشرق الأوسط في المنظمة جوناثان داغر، يرافقه مراسلة المنظمة في لبنان إليسار قبيسي، حيث تركز البحث على قانون الإعلام وواقع الحريات الإعلامية في لبنان.

قانون الإعلام تحت المجهر

وضع اللقاء أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة العامة اللبنانية على طاولة البحث: مستقبل التشريع الإعلامي وحدود الحريات التي يفترض أن تحمي العمل الصحافي.

فأي تعديل أو تطوير لقانون الإعلام لا يتعلق فقط بتنظيم المؤسسات ووسائل النشر، بل يمس مباشرة العلاقة بين السلطة السياسية والإعلام، وآليات حماية الصحافيين، وحدود المساءلة القانونية، فضلاً عن التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية.

ومن هنا تكتسب زيارة «مراسلون بلا حدود» أهمية إضافية، باعتبار أن المنظمة تتابع بصورة دورية أوضاع الصحافة والحريات الإعلامية في لبنان والمنطقة.

سلام أمام اختبار الحريات

سياسياً، يمكن وضع اللقاء ضمن مسار أوسع تسعى من خلاله الحكومة إلى تقديم صورة مختلفة عن علاقة السلطة بالإعلام، خصوصاً في ظل التحولات السياسية والإدارية التي يشهدها لبنان.

ففتح النقاش مع منظمة دولية معنية بحرية الصحافة يرسل إشارة إلى أن ملف الإعلام لم يعد شأناً تنظيمياً محصوراً داخل المؤسسات الرسمية، بل أصبح جزءاً من صورة الدولة أمام المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإعلامية.

لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في عقد الاجتماعات، بل في ترجمة النقاش إلى ضمانات وتشريعات وممارسات عملية تحمي العمل الصحافي وتؤكد استقلاليته.

بين التنظيم والرقابة… الخط الفاصل

المعادلة الأكثر حساسية التي يواجهها أي قانون إعلام جديد تتمثل في تحديد المسافة بين تنظيم القطاع الإعلامي ومحاولة ضبطه.

فلبنان يمتلك تقليداً طويلاً في الصحافة والإعلام، لكن التحولات الرقمية وسرعة انتشار الأخبار وظهور المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي فرضت واقعاً جديداً يتطلب تشريعات تواكب التطور من دون أن تتحول إلى أدوات لتقييد التعبير.

ومن هنا، فإن أي قانون إعلام مقبل سيكون أمام اختبار أساسي: هل يوسّع مساحة الحماية القانونية للصحافيين والمؤسسات الإعلامية، أم يضيف قيوداً جديدة تحت عنوان التنظيم؟

الرسالة الأهم: الحريات جزء من صورة الدولة

اللافت في اللقاء أن البحث لم يقتصر على قانون الإعلام، بل شمل أيضاً واقع الحريات الإعلامية في لبنان، ما يعني أن النقاش يتجاوز النصوص القانونية إلى الممارسة اليومية.

فحرية الصحافة لا تُقاس بالقوانين فقط، وإنما أيضاً بقدرة الصحافي على الوصول إلى المعلومات، وطرح الأسئلة، وانتقاد أداء المسؤولين، وممارسة عمله من دون ضغوط أو تهديدات، مع الالتزام في المقابل بالقواعد المهنية والمسؤولية القانونية.

وفي بلد يعيش مرحلة إعادة ترتيب لمؤسساته وعلاقاته السياسية، تبدو حرية الإعلام واحدة من المؤشرات الأساسية على مدى نجاح عملية الإصلاح المؤسساتي.

القانون المقبل أمام امتحان الثقة

لقاء نواف سلام مع «مراسلون بلا حدود» يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز عنوان قانون الإعلام إلى سؤال أكبر: أي إعلام يريد لبنان في المرحلة المقبلة؟

إعلام تحكمه قواعد واضحة تحفظ الحقوق والمسؤوليات، أم مساحة إعلامية تتسع فيها الضغوط السياسية والقانونية مع اتساع المنصات الرقمية؟.

الجواب لن يكون في بيانات الترحيب بحرية الصحافة، بل في شكل القانون الذي سيُناقش، والضمانات التي سيتضمنها، وكيفية تطبيقه على أرض الواقع.

ففي نهاية المطاف، قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القانون، بل أيضاً بقدرتها على حماية حق مواطنيها في المعرفة، وحق الصحافي في السؤال، وحق الإعلام في ممارسة دوره الرقابي من دون خوف.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والإعلامي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا