دمشق ـ طرابلس ـ الخليج… «قطار المصالح» يعود إلى السكة: هل يستعيد لبنان موقعه على خريطة التجارة الإقليمية؟
دمشق | ميديا برس ليبانون _ في خطوة تتجاوز البعد التقني لمشاريع النقل، فتحت زيارة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى دمشق ملفاً شديد الحساسية اقتصادياً وجيوسياسياً: إعادة تفعيل الربط السككي بين لبنان وسوريا، انطلاقاً من مرفأ طرابلس عبر العبودية وصولاً إلى الشبكة الحديدية السورية، ومنها إلى العراق والأردن ودول الخليج وتركيا.
المعلن هو تشكيل فريق فني مشترك وتحديث الدراسات السابقة. لكن خلف هذا العنوان تكمن معادلة أكبر: هل يستعد لبنان لاستعادة دوره كبوابة تجارية على شرق المتوسط، أم أن المشروع لا يزال مجرد فكرة تصطدم بعوائق التمويل والبنية التحتية والسياسة الإقليمية؟
من «سكة لبنانية ـ سورية» إلى ممر إقليمي
اللافت في الطرح الذي حمله رسامني إلى دمشق أنه لم يتوقف عند حدود إعادة تشغيل خط بين بلدين، بل وضع الربط السككي ضمن تصور أوسع لشبكة نقل إقليمية.
المسار المقترح يبدأ من مرفأ طرابلس، يمر عبر العبودية إلى الأراضي السورية، وصولاً إلى حمص والشبكة الحديدية السورية، ومنها يمكن نظرياً الوصول إلى أسواق أوسع في المشرق والخليج.
وهنا تحديداً تكمن القيمة الاقتصادية للمشروع.
فالمرفأ الذي يمتلك موقعاً جغرافياً قريباً من الساحل الشرقي للمتوسط يمكن أن يتحول، في حال توافرت البنية التحتية والتمويل والبيئة السياسية المناسبة، إلى نقطة اتصال بين حركة التجارة البحرية وشبكات النقل البرية والسككية المتجهة شرقاً.
أي أن القضية لا تتعلق بالقطار وحده، بل بـ ممر تجاري متكامل.
طرابلس أمام فرصة مختلفة
اقتصادياً، قد يكون مرفأ طرابلس أحد أبرز المستفيدين من أي تحول جدي في حركة النقل الإقليمية.
فالربط السككي يعني إمكانية نقل كميات كبيرة من البضائع بكلفة أقل نسبياً من النقل البري لمسافات طويلة، مع تخفيف الضغط عن الطرقات وخفض زمن وكلفة بعض عمليات الشحن، إذا توافرت شروط التشغيل والاستثمار.
لكن الأهم أن المرفأ قد ينتقل من كونه نقطة استقبال ومغادرة للبضائع إلى حلقة ضمن شبكة لوجستية عابرة للحدود.
وهذا التحول من شأنه أن يفتح الباب أمام خدمات إضافية مرتبطة بالتخزين، وإعادة التصدير، والنقل البري والسككي، والخدمات اللوجستية، بما قد يخلق دورة اقتصادية جديدة في طرابلس والشمال.
«الممر الشرقي»… الفرصة التي تحتاج إلى أكثر من اتفاق
الحديث عن الوصول إلى العراق والأردن والخليج وتركيا يمنح المشروع بعداً استراتيجياً.
فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي، يملك منفذاً بحرياً على المتوسط، بينما تشكل سوريا جغرافياً نقطة وصل طبيعية بين الساحل والداخل العربي.
لكن تحويل هذه الجغرافيا إلى ميزة اقتصادية فعلية يحتاج إلى سلسلة مترابطة من الشروط: سكك مؤهلة، معابر حديثة، إجراءات جمركية سريعة، أنظمة نقل موحدة، استقرار أمني، تمويل طويل الأجل، واتفاقات عبور بين الدول المعنية.
وبالتالي فإن نجاح المشروع لا يتوقف على قرار وزارتي النقل اللبنانية والسورية وحدهما، بل يرتبط بقدرة المنطقة على بناء ممرات تجارية مستقرة وقابلة للاستثمار.
الفريق الفني… الاختبار الأول للجدية
الاتفاق على تشكيل فريق لبناني ـ سوري مشترك برئاسة رئيس مجلس إدارة مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا عن الجانب اللبناني، ومعاون وزير النقل السوري لشؤون النقل البري محمد رحال عن الجانب السوري، يشكل الخطوة العملية الأولى.
وتبرز أهمية الفريق في أنه مطالب بالانتقال من الخطاب السياسي إلى الأرقام والخرائط والكلفة.
فإعادة تفعيل السكك لا تعني بالضرورة إعادة استخدام الخط القديم كما هو؛ إذ إن البنية التحتية تحتاج إلى تقييم شامل، من حالة الخطوط والجسور والمحطات إلى الإشارات والسلامة وأنظمة التشغيل.
كما أن تحديث الدراسات السابقة يجب أن يأخذ في الاعتبار حجم التجارة المحتمل، وأنواع البضائع، وحركة الركاب، وكلفة إعادة التأهيل، ومصادر التمويل، والجدوى الاقتصادية الفعلية.
وهنا سيكون السؤال الحاسم: كم تبلغ كلفة إعادة إحياء الخط، وكم يحتاج لبنان وسوريا للوصول إلى مرحلة التشغيل التجاري؟.
العبودية والمصنع… السكك ليست وحدها في المشهد
زيارة رسامني حملت أيضاً ملف المعابر البرية، مع الحديث عن إعادة فتح معبر العبودية خلال نحو أسبوع، إضافة إلى البحث في تطوير معبر المصنع وتأمين التمويل اللازم.
وهذه النقطة أساسية، لأن أي استراتيجية للنقل الإقليمي تحتاج إلى تكامل بين الطرق والسكك والمرافئ والمعابر.
فإذا بقيت حركة الشاحنات عالقة في إجراءات عبور طويلة، أو بقيت المعابر غير قادرة على استيعاب النمو التجاري، فإن أي استثمار في السكك سيبقى محدود الأثر.
وبالمقابل، فإن تحديث المعابر بالتوازي مع تطوير السكك يمكن أن يمنح لبنان منظومة نقل أكثر مرونة، تجمع بين النقل البحري والبري والسككي.
البعد السياسي… الاقتصاد يتحرك حيث تسمح السياسة
رغم الطابع الاقتصادي للمباحثات، يصعب فصل المشروع عن السياسة.
فالربط السككي مع سوريا ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل ملف يرتبط مباشرة بموقع لبنان داخل شبكة المواصلات الإقليمية.
وأي انفتاح اقتصادي عبر الحدود اللبنانية ـ السورية يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح باستمرار التعاون، وإلى تفاهمات تتجاوز الوزارات المختصة نحو ملفات الجمارك والعبور والاستثمار والأمن والتنسيق الإقليمي.
لذلك فإن نجاح «القطار» سيكون، في جانب منه، اختباراً لقدرة بيروت ودمشق على بناء تعاون عملي قائم على المصالح الاقتصادية بعيداً عن التجاذبات السياسية.
هل يمكن أن يصبح طرابلس بوابة الخليج؟
السيناريو الأكثر طموحاً يتمثل في تحويل طرابلس إلى محطة بحرية على مسار تجاري يصل شرق المتوسط بالداخل العربي والخليج.
لكن هذا السيناريو لا يزال مشروطاً.
فالربط الجغرافي لا يعني تلقائياً انتقال البضائع. الأسواق تختار الطريق الأكثر أمناً والأقل كلفة والأسرع والأكثر استقراراً.
ومن هنا، فإن المنافسة لن تكون فقط بين المرافئ، بل بين الممرات التجارية الإقليمية بأكملها.
إذا استطاع لبنان تقديم خدمة لوجستية سريعة ومستقرة، فقد يملك فرصة حقيقية. أما إذا بقيت كلفة النقل والإجراءات والعبور مرتفعة، فقد تبقى الفكرة في إطار المشاريع المؤجلة.
محطة الحجاز… ذاكرة مشروع كان عابراً للحدود
زيارة الوفد اللبناني لمحطة الحجاز التاريخية في دمشق حملت رمزية واضحة.
فالسكك الحديدية التي ربطت مناطق واسعة من المشرق في مراحل تاريخية سابقة لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت أداة للتجارة والتواصل والحركة الاقتصادية.
واليوم، يأتي الحديث عن إعادة إحياء بعض هذه الروابط في لحظة تبحث فيها المنطقة عن ممرات تجارية جديدة.
المفارقة أن ما كان مشروعاً متقدماً في زمن سابق قد يتحول، بعد إعادة تأهيله وتحديثه، إلى جزء من شبكة نقل حديثة تخدم اقتصاداً مختلفاً تماماً.
القطار بين السياسة والاقتصاد
الاتفاق اللبناني ـ السوري على إطلاق فريق فني لمتابعة الربط السككي يمثل خطوة أولى مهمة، لكنه ليس بعدُ مشروعاً منفذاً.
الطريق من طرابلس إلى الخليج لا يبدأ من محطة قطار، بل من قرار استراتيجي لبناء منظومة متكاملة للنقل والتجارة.
وإذا نجح لبنان في ربط مرفأ طرابلس بالشبكة السورية، ثم بالأسواق الإقليمية، فقد يحصل على فرصة لإعادة تعريف موقعه الاقتصادي من دولة تعاني أزمة نقل ومرافئ ومعابر إلى طرف فاعل في ممر تجاري إقليمي.
أما الاختبار الحقيقي، فيبدأ الآن: الدراسات، التمويل، البنية التحتية، المعابر، الاتفاقات، والأمن.
فالسكة قد تكون موجودة على الخرائط، لكن تحويلها إلى «قطار اقتصادي» يحتاج إلى إرادة سياسية واستثمار طويل النفس.
السؤال لم يعد: هل يمكن إعادة تشغيل السكة؟
بل: هل يستطيع لبنان أن يجعل من طرابلس نقطة انطلاق لممر تجاري يصل المتوسط بالمشرق والخليج؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الإقليمي والدولي







اترك تعليقًا