موسكو ـ بيروت ـ تل أبيب… «خيوط سرية» تتحرك في الظلام: ماذا تعرف الـCIA عن التصعيد الكبير؟
■ أحمد موسى
ميديا برس ليبانون _ زيارة مفاجئة لمدير الاستخبارات المركزية الأميركية إلى موسكو، رسالة أميركية خطية إلى ح_ز_ب الله عبر قناة عربية، ثم تصعيد إسرائيلي متسارع في الجنوب اللبناني… تزامنٌ يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود الجبهة اللبنانية إلى حسابات إقليمية ودولية أكثر تعقيداً.
ليست كل التحركات التي تجري خلف الأبواب المغلقة قابلة للرصد، لكن بعض التوقيتات تكشف ما تعجز البيانات الرسمية عن قوله.
في هذا السياق، تكتسب الزيارة المفاجئة وغير المعلنة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب طبيعة موقعه، وإنما بسبب توقيتها والبيئة الدولية التي جاءت فيها.
فزيارة من هذا المستوى، حين تتم بعيداً عن الأجندة الدبلوماسية المعلنة، تفتح تلقائياً باب التساؤلات حول طبيعة المعلومات أو الرسائل التي تستدعي انتقال مسؤول استخباري أميركي بهذا الحجم إلى العاصمة الروسية.
حتى الآن، لا توجد معطيات علنية تسمح بالجزم بأن الزيارة مرتبطة بخطة تصعيد روسية ــ إيرانية ــ صينية، أو بأنها جاءت نتيجة إنذار استخباري محدد. لكن غياب التفاصيل الرسمية لا يلغي أهمية السؤال: هل دخلت واشنطن مرحلة إدارة أزمة عبر القنوات الاستخبارية، بعدما بدأت القنوات السياسية التقليدية تضيق؟، وهنا تبدأ الخيوط بالتقاطع.
من موسكو إلى بيروت… قناة خلفية تحت الاختبار
في بيروت، تتداول معلومات عن وصول موفد عربي حاملاً رسالة أميركية خطية إلى حزب الله، في إطار المسار التفاوضي القائم، وأن الرسالة لم تحصل على جواب.
وإذا تأكدت هذه المعلومة من مصادر مستقلة، فإنها تصبح جزءاً مهماً من المشهد، خصوصاً إذا وضعت إلى جانب التطورات الميدانية التي شهدها الجنوب اللبناني.
فالرسائل السياسية، في العادة، لا تُرسل منفصلة عن ميزان القوة على الأرض.
وعندما تصل رسالة تفاوضية في لحظة يتصاعد فيها الضغط العسكري، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت واشنطن تحاول اختبار حدود الممكن سياسياً، فيما تتولى إسرائيل رفع مستوى الضغط ميدانياً.
لكن هنا أيضاً يجب التمييز بين المعلومة والتحليل.
لا دليل علنياً حتى الآن على وجود قرار أميركي موحد بتحويل التصعيد العسكري الإسرائيلي إلى أداة مباشرة لفرض جواب على ح_ز_ب الله. إلا أن تزامن المسارين السياسي والعسكري يفرض مراقبتهما باعتبارهما مسارين متوازيين، لا حدثين منفصلين بالضرورة.
الجنوب… عندما تصبح الغارات جزءاً من الرسائل
في المقابل، شهد جنوب لبنان تكثيفاً في الاستهدافات الإسرائيلية، في وقت بقي فيه المسار التفاوضي محاطاً بالغموض.
وهنا تتحول الجبهة الجنوبية إلى ما يشبه مقياس حرارة للمفاوضات.
فكلما ارتفع منسوب الضغط العسكري، ارتفع معه السؤال حول ما إذا كانت تل أبيب تحاول تحسين شروط التفاوض، أم أنها تستعد فعلياً لمرحلة عسكرية أكثر اتساعاً.
والفارق بين الاحتمالين كبير.
إذا كان الهدف هو الضغط، فإن التصعيد يبقى مضبوطاً ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل.
أما إذا كان الهدف هو تغيير قواعد الاشتباك بالقوة، فإن طبيعة الأهداف، وعمق الضربات، ومدى توسعها، وحجم الردود عليها، تصبح مؤشرات أساسية على انتقال المنطقة من سياسة الردع والضغط إلى سياسة فرض الوقائع.
لماذا موسكو تحديداً؟
السؤال الأصعب يبقى: لماذا موسكو؟، روسيا ليست لاعباً هامشياً في المعادلة الشرق أوسطية، كما أن علاقاتها مع إيران، وحضورها في الملف السوري، وموقعها في الصراع الدولي مع واشنطن، تجعل أي قناة روسية ــ أميركية ذات طبيعة استخبارية موضع اهتمام.
ومن هنا، فإن زيارة راتكليف يمكن قراءتها ضمن أكثر من مستوى.
قد تكون مرتبطة بالحرب الروسية ــ الأوكرانية وحدها.
وقد تكون محاولة لإدارة ملف أمني حساس بين واشنطن وموسكو.
وقد تتصل بملفات أوسع تمتد إلى إيران والشرق الأوسط.
وقد تكون، في سيناريو أكثر تعقيداً، جزءاً من عملية جمع معلومات وتبادل رسائل لمنع تزامن أزمات متعددة في أكثر من مسرح.
لكن لا توجد حتى الآن أدلة منشورة تسمح باختيار أحد هذه الاحتمالات بصورة قاطعة.
وهذا تحديداً ما يجعل الزيارة مهمة: الغموض نفسه يصبح معلومة عندما يتعلق الأمر برئيس جهاز استخباري.
هل نحن أمام «ضغط قبل القرار»؟
ربط موسكو ببيروت وتل أبيب يحتاج إلى أكثر من التزامن الزمني.
لكن التزامن يستحق التدقيق.
ففي موسكو تتحرك قناة استخبارية أميركية على مستوى رفيع.
وفي بيروت تُتداول معلومات عن رسالة أميركية تنتظر جواباً.
وفي الجنوب ترتفع وتيرة الضربات الإسرائيلية.
وفي الخلفية، تتقاطع ملفات إيران وسوريا وروسيا والولايات المتحدة وإسرائيل ضمن بيئة إقليمية قابلة للاشتعال.
إذا كانت هذه الحلقات مترابطة، فقد نكون أمام مرحلة يمكن وصفها بـ«الضغط قبل القرار»: رسائل سياسية خلف الكواليس، معلومات استخبارية، ضغوط عسكرية، ثم محاولة إعادة تشكيل شروط التفاوض قبل الوصول إلى نقطة الحسم.
أما إذا كانت منفصلة، فإن التزامن بينها قد يكون مجرد انعكاس لأزمة إقليمية واسعة تتحرك فيها الأطراف في وقت واحد ولكن وفق أجندات مختلفة.
المؤشرات التي ستكشف الحقيقة
في الأيام المقبلة، ستكون هناك مجموعة من المؤشرات أكثر أهمية من التصريحات السياسية:
أولاً: هل تتكرر الاتصالات الأميركية ــ الروسية على المستوى الاستخباري أو الأمني؟.
ثانياً: هل تصل رسالة أميركية جديدة إلى بيروت، أو تظهر قناة تفاوضية مباشرة أو غير مباشرة؟.
ثالثاً: هل ينتقل التصعيد الإسرائيلي في الجنوب من استهدافات محددة إلى ضربات أوسع وأكثر عمقاً؟.
رابعاً: هل يتغير مستوى الرد المقابل على الضربات الإسرائيلية؟.
خامساً: هل تظهر تحركات أميركية عسكرية أو دبلوماسية إضافية في المنطقة؟.
سادساً: هل يدخل العامل الإيراني بصورة مباشرة في المشهد، سواء عبر رسائل سياسية أو تحركات ميدانية؟
هذه المؤشرات، مجتمعة، ستكون أكثر دلالة من أي تسريب منفرد.
الخيط الذي لم يظهر بعد
حتى الآن، لا يمكن القول إن زيارة راتكليف هي مقدمة مؤكدة لحرب كبيرة، ولا يمكن الجزم بأن التصعيد الإسرائيلي في الجنوب جاء تنفيذاً لقرار أميركي مرتبط برسالة إلى ح_ز_ب الله.
لكن يمكن القول إن ثلاثة مسارات تتحرك بالتوازي: مسار استخباري أميركي ــ روسي، مسار تفاوضي غير معلن حول لبنان، ومسار عسكري إسرائيلي متصاعد في الجنوب.
وهنا تكمن خطورة المشهد. فالخيوط قد تكون متصلة، وقد تكون منفصلة. لكن إذا بدأت المؤشرات القادمة بتأكيد وجود تنسيق أو رسائل متبادلة بين هذه المسارات، فإن الصورة ستتغير جذرياً.
عندها لن يكون السؤال: هل هناك تصعيد؟.
بل: من يحدد سقفه؟ ومن ينتظر جواباً؟ ومن يستعد لليوم الذي يلي فشل المفاوضات؟.
في موسكو تتحرك الاستخبارات.
في بيروت تنتظر الرسائل جواباً.
وفي تل أبيب يتكلم الميدان.
أما الخيط الذي يربط العواصم الثلاث، فما زال في الظلام.
لكن إذا ظهر، فقد يكشف أن ما يجري في الجنوب ليس سوى جزء من لوحة أكبر بكثير.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الإقليمي والدولي






اترك تعليقًا