فضل الله من طهران: الوحدة الإسلامية ليست تكتيكًا عابرًا بل استراتيجية قوة واستقلال للأمة
■ طهران _ أحمد موسى
طهران _ ميديا برس ليبانون _ في المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية، دعا العلامة السيد علي فضل الله إلى تحويل الوحدة من شعار سياسي إلى مشروع متكامل يمتد إلى الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والمؤسسات، مؤكدًا أن قوة العالم الإسلامي تبدأ من قدرته على جمع إمكاناته وتوظيفها في خدمة مصالحه المشتركة.
في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه العالم الإسلامي على المستويات السياسية والاقتصادية والحضارية، برزت مسألة الوحدة الإسلامية كعنوان مركزي في أعمال المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية في العاصمة الإيرانية طهران، حيث شدد العلامة السيد علي فضل الله على أن الوحدة لا ينبغي أن تبقى إطارًا نظريًا أو موقفًا سياسيًا ظرفيًا، بل يجب أن تتحول إلى استراتيجية متكاملة لبناء القوة والاستقلال وحماية مصالح الأمة.
وفي كلمته خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، التي حملت عنوان «الوحدة الإسلامية في فكر السيد الخامنئي»، تناول فضل الله موقع الوحدة في المشروع الفكري والرسالي والقيادي للشهيد السيد الخامنئي، متوقفًا عند أبعادها السياسية والاقتصادية والحضارية، ودورها في تعزيز قدرة الدول والشعوب الإسلامية على مواجهة التحديات الخارجية وبناء حضور أكثر استقلالًا في النظام الدولي.
الوحدة في صلب المشروع الرسالي
وأشار فضل الله إلى أن الشهيد السيد الخامنئي أولى أهمية خاصة للمؤسسات والمنابر التي تعنى بالوحدة والتقريب بين المذاهب، وفي مقدمتها المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، معتبرًا أن الوحدة لم تكن بالنسبة إليه عنوانًا عابرًا أو ظرفيًا، بل جزءًا أساسيًا من مشروعه الرسالي والقيادي.
وأوضح أن هذا التوجه ظهر في مواقفه وتوجيهاته وآرائه وفتاواه الوحدوية، كما تجلّى في تأسيس المؤسسات ورعاية المواقع التي تهدف إلى تعزيز التقارب بين المسلمين وترسيخ ثقافة الحوار والتعاون بينهم.
وانطلق فضل الله من قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ليؤكد أن الوحدة تمثل نموذجًا أساسيًا في حركة الأمة الإسلامية، وأنها ليست مجرد تكتيك سياسي يمكن اللجوء إليه في لحظة معينة، وإنما استراتيجية دائمة ومصدر رئيسي من مصادر القوة.
لا وحدة بإلغاء التعدد
وفي مقاربة لافتة، شدد فضل الله على أن الدعوة إلى الوحدة لا تعني إلغاء التعدد المذهبي، ولا تهدف إلى تحويل المذاهب الإسلامية إلى مذهب واحد.
وأكد أن الاختلافات الفقهية والكلامية تمثل واقعًا تاريخيًا، لكن التحدي يكمن في كيفية إدارة هذه الاختلافات بعيدًا من منطق الصراع، والتركيز بدلًا من ذلك على المساحات المشتركة والواسعة التي تجمع المسلمين من السنة والشيعة.
وبحسب هذا التصور، فإن الوحدة لا تقوم على إلغاء الخصوصيات، بل على احترام التنوع المذهبي ضمن إطار جامع يحفظ المصالح المشتركة ويمنع تحويل الاختلاف إلى صراع.
مواجهة التكفير وحماية المقدسات
وفي هذا السياق، دعا فضل الله المسلمين إلى الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة الدعوات التكفيرية، وكل أشكال الإساءة إلى المقدسات والرموز الدينية، محذرًا من خطورة استثمار الخلافات المذهبية لإثارة الفتن والنزاعات.
وأكد أن حماية الوحدة ليست مسؤولية المؤسسات الدينية وحدها، بل تحتاج إلى وعي سياسي واجتماعي وثقافي يمنع تحويل التباينات الطبيعية بين المذاهب إلى أدوات للانقسام الداخلي.
فالخلاف، وفق الرؤية التي طرحها، لا يصبح خطرًا إلا عندما يتحول إلى مشروع فتنة، فيما يمكن للتنوع أن يتحول إلى مصدر غنى إذا أُدير ضمن قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
الوحدة لا تلغي الدولة الوطنية
وتوقف فضل الله عند إشكالية العلاقة بين مفهوم الأمة الإسلامية ومفهوم الدولة الوطنية، موضحًا أن الوحدة لا تعني إلغاء سيادة الدول أو تجاهل مصالحها الوطنية.
وأكد أن الأمة الإسلامية ليست بديلًا من الدولة، وأن التعاون والوحدة يمكن أن يشكلا عنصر قوة للدول نفسها، بدل أن يكونا عاملًا لانتقاص سيادتها.
وأوضح أن اتحاد العالم الإسلامي لا يعني بالضرورة تحويل الدول الإسلامية إلى دولة واحدة، أو فرض سياسات متطابقة بالكامل بينها، بل يمكن أن يقوم على تحديد المصالح المشتركة وتنسيق المواقف والسياسات لحمايتها.
ومن شأن هذا المسار، بحسب فضل الله، أن يعزز سيادة الدول الإسلامية ويحد من قدرة القوى الكبرى على التدخل في شؤونها أو استثمار التناقضات بينها، فضلًا عن الحد من استنزاف مواردها وثرواتها.
من الوحدة السياسية إلى السوق المشتركة
ولعل الجانب الاقتصادي شكّل إحدى أبرز النقاط التي ركز عليها فضل الله في كلمته، إذ دعا إلى إخراج مفهوم الوحدة من إطاره السياسي التقليدي، وإدخاله إلى المجال الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والاستراتيجي.
وأشار إلى أن العالم الإسلامي يمتلك عناصر قوة كبيرة، من ممرات ومواقع جغرافية استراتيجية، إلى رؤوس الأموال والموارد الطبيعية والبشرية، فضلًا عن الطاقات العلمية والتكنولوجية، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في غياب الإمكانات، بل في تشتتها وعدم تحويلها إلى قوة متكاملة.
وفي هذا الإطار، طرح إمكان إنشاء سوق إسلامية مشتركة، وتعزيز التبادل التجاري والاقتصادي، وتطوير العلاقات بين الدول الإسلامية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون في المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار والطاقة والغذاء.
فالثروة، وفق هذا المنظور، لا تصبح قوة سياسية حقيقية لمجرد امتلاكها، بل عندما تُدار ضمن منظومة تعاون وتكامل تسمح بتحويل الإمكانات المتفرقة إلى قدرة جماعية مؤثرة.
الاقتصاد والعلم… جبهة جديدة للوحدة
وأكد فضل الله أن الوحدة لا ينبغي أن تبقى محصورة في المجال السياسي، لأن التحديات التي تواجه العالم اليوم تتجاوز السياسة إلى ملفات الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا والعلوم.
ومن هنا، فإن بناء القوة الإسلامية يتطلب الانتقال من مفهوم الوحدة بوصفها موقفًا سياسيًا إلى مفهومها باعتبارها منظومة تعاون مؤسسية واقتصادية وعلمية.
ويعني ذلك، عمليًا، تطوير مشاريع مشتركة، وتعزيز البحث العلمي، وتبادل الخبرات، وربط الأسواق، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، وتطوير القدرات التكنولوجية، بما يسمح للدول الإسلامية بتقليص اعتمادها على الخارج وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.
الوحدة بوابة إلى مشروع حضاري
وربط فضل الله بين الوحدة ومشروع بناء الحضارة الإسلامية، موضحًا أن استعادة الحضارة لا تعني مجرد العودة إلى الماضي أو استحضار إنجازاته، وإنما تعني امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة، وبناء المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، وصياغة موقع مستقل وفاعل في العالم.
وفي هذا الإطار، تصبح الوحدة شرطًا من شروط النهوض الحضاري، لأن الإمكانات المتناثرة، مهما كانت ضخمة، لا تتحول تلقائيًا إلى قوة مؤثرة ما لم يجمعها إطار من التعاون والتكامل.
ومن هنا، فإن الرهان لا يقتصر على تجاوز الانقسامات السياسية والمذهبية، بل يتصل أيضًا بقدرة العالم الإسلامي على بناء منظومة مصالح مشتركة تجعل الوحدة واقعًا ملموسًا في حياة الدول والشعوب.
من الشعار إلى القوة
في ختام كلمته، شدد فضل الله على أن أحد المحاور الأساسية في فكر الشهيد السيد الخامنئي يتمثل في ضرورة أن تدخل الوحدة الإسلامية المجال الاقتصادي، وألا تبقى محصورة في المستوى السياسي أو الخطاب الديني.
وبذلك، طرح معادلة واضحة: الوحدة التي تبقى شعارًا لا تكفي، أما الوحدة التي تتحول إلى قوة اقتصادية وعلمية ومؤسسية وسياسية مشتركة، فتملك القدرة على صناعة موقع جديد للعالم الإسلامي.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام العالم الإسلامي لا يتمثل فقط في الدعوة إلى الوحدة، بل في ترجمة هذه الدعوة إلى مؤسسات ومشاريع وشراكات ومصالح مشتركة، بما يحفظ استقلال الدول، ويحمي قضايا الشعوب والمقدسات، ويمنح الأمة قدرة أكبر على التأثير في مستقبلها بدل أن تبقى ساحة لتجاذبات القوى الخارجية.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي



اترك تعليقًا