قانون الإعلام الجديد في لبنان يدخل حيّز الواقع: مرقص يضع خريطة التحوّل ونجار وبارود يقرآن «المنعطف الإصلاحي»

قانون الإعلام الجديد في لبنان يدخل حيّز الواقع: مرقص يضع خريطة التحوّل ونجار وبارود يقرآن «المنعطف الإصلاحي»


بيروت _ ميديا برس ليبانون – لم يعد قانون الإعلام الجديد في لبنان مجرد مشروع ينتظر مصيره في أدراج المؤسسات، بل أصبح نصًا نافذًا يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والإعلام، وبين حرية التعبير والمسؤولية المهنية. وفي لقاء حواري جمع أهل القانون والإعلام والثقافة، طُرحت الأسئلة الكبرى حول مستقبل القطاع، وحدود الحريات، ودور الدولة والهيئات الناظمة في مرحلة يفترض أن تنتقل فيها المنظومة الإعلامية من التشريعات القديمة إلى قواعد أكثر ملاءمة للتحولات الرقمية.

وفي هذا السياق، نظمت مؤسسة «ثقافة وحريات» لقاءً حواريًا مع وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص بعنوان «قانون الإعلام الجديد»، بمشاركة الوزيرين السابقين إبراهيم نجار وزياد بارود، وحضور شخصيات دبلوماسية وأكاديمية وعسكرية وثقافية وإعلامية، حيث تحوّل اللقاء إلى مساحة نقاش حول القانون الجديد، خلفياته، وأبرز ما يمكن أن يغيّره في المشهد الإعلامي اللبناني.

نجار: إنجاز تشريعي يؤشر إلى مسار إصلاحي

وزير العدل السابق البروفسور إبراهيم نجار، الذي استضاف اللقاء، استهل النقاش بالإشادة بشخصية الوزير مرقص، واصفًا إياه بـ«الرجل العصامي الموثوق» الذي يجمع بين الكفاءة والنزاهة والوعي، معتبرًا أن اختياره لهذا الموقع جاء في مكانه نظرًا إلى إلمامه بالجوانب القانونية والإعلامية والاجتماعية وانفتاحه الفكري.

واستعاد نجار محطات من تجربته في وزارة العدل بين عامي 2008 و2010، مشيرًا إلى ما شهدته تلك المرحلة من حملات طالت القضاء ونشر ملفات تحقيق حساسة، الأمر الذي عزز الحاجة إلى تشريع حديث ينظم العمل الإعلامي ويحمي في الوقت نفسه حرية الصحافة والحقوق الأساسية.

وأشار إلى أنه سبق أن أحال مشروعًا في هذا المجال إلى مجلس الوزراء ومنه إلى مجلس النواب، معتبرًا أن الوصول إلى قانون جديد بعد سنوات طويلة من النقاش يمثل تطورًا مهمًا.

ولم يغفل نجار الثغرات التي كانت تحيط بالنظام السابق، من تفاوت الأحكام والغرامات أمام محكمة المطبوعات، إلى غياب الأطر الواضحة للجرائم الإلكترونية وتداخل الصلاحيات القضائية، فضلًا عن الحاجة إلى تعزيز المعايير المهنية وميثاق الشرف الإعلامي.

كما شدد على ضرورة أن يتعامل التشريع مع قضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة بوصفها ملفات أساسية لا يمكن تجاوزها.

وفي قراءة سياسية أوسع، اعتبر نجار أن إقرار القانون يأتي ضمن حزمة تشريعية إصلاحية، مشيدًا بما وصفه بـ«رشقات من القوانين» التي تشمل ملفات الإصلاح المصرفي وإلغاء عقوبة الإعدام والعفو والإعلام، ورأى في ذلك مؤشرًا إلى توجه العهد نحو مسار إصلاحي يحتاج إلى شخصيات تمتلك الشجاعة والموثوقية لمواصلة تنفيذه.

بارود: القانون انتقل من المشروع إلى النص القائم

من جهته، ركّز الوزير السابق زياد بارود على البعد التاريخي للتشريع الجديد، معتبرًا أن النقاش لم يعد يدور حول مشروع نظري، بل حول نص أصبح قائمًا وواقعًا تشريعيًا.

وأشار بارود إلى أن مشروع القانون بدأ مساره منذ عام 2014، وخضع خلال السنوات الماضية لنقاشات طويلة، وصولًا إلى إقراره وتوقيعه.

ورأى أن أهمية اللقاء لا تكمن في استعراض مواد القانون فحسب، بل في فتح نقاش هادئ حول كيفية تطبيقه وتطويره، معتبرًا أن أي تشريع يبقى قابلًا للتعديل والتحديث تحت قبة البرلمان عندما تفرض التطورات ذلك.

وشدد على ضرورة الخروج من أسر الرؤى القديمة، والتعامل مع القانون بروحية إصلاحية تستند إلى الحوار والتعلم المتبادل، بما يعزز حرية التعبير ويواكب التحولات التي يشهدها القطاع الإعلامي.

مرقص: 16 عامًا من الانتظار انتهت بقانون جديد

أما وزير الإعلام الدكتور بول مرقص، فوضع القانون في سياق مسار طويل من الانتظار والنقاشات البرلمانية، مشيرًا إلى أن التشريع الجديد انتظر أكثر من 16 عامًا في أروقة اللجان النيابية قبل أن يصل إلى خواتيمه.

وأكد أن اللقاء يشكل فرصة لمناقشة التحولات التي أحدثها القانون في المشهد الإعلامي، مشددًا على أن مهمته في الوزارة لم تقتصر على الجانب التشريعي، بل شملت العمل على إعادة تنشيط مؤسسات الإعلام الرسمي.

وفي هذا الإطار، تحدث عن ورشة تحديث تلفزيون لبنان، وعن العمل على تنظيم الأرشيف الوطني والعربي، الذي وصفه بأنه «كنز لا يقدر بثمن»، إضافة إلى تطوير الوكالة الوطنية للإعلام وإذاعة لبنان.

وكشف أن الأرشيف الوطني أصبح مرقّمًا ومحفوظًا وفق معايير دولية، وتم ترشيحه لـ«ذاكرة العالم» في اليونسكو، فيما استعادت مباني واستديوهات الحازمية جزءًا من حضورها بعد أعمال التجديد.

وأشار كذلك إلى إطلاق الوكالة الوطنية للإعلام بحلة جديدة، معتبرًا أن مساهمات القطاع الخاص والهبات ساعدت في تنفيذ عدد من المشاريع من دون تحميل الخزينة العامة أعباء إضافية.

من «الترخيص» إلى «العلم والخبر»

وفي صلب النقاش، توقف مرقص عند أبرز التحولات التي يحملها قانون الإعلام الجديد، معتبرًا أن إقراره يمثل «محطة تاريخية ومنعطفًا جذريًا» في تنظيم القطاع.

وأوضح أن القانون، الذي يضم أكثر من مئة مادة، يتجه نحو توسيع مساحة الحرية من خلال استبدال نظام الترخيص المسبق بنظام «العلم والخبر» وفق معايير مهنية محددة.

وتشمل هذه المعايير، وفق ما عرضه الوزير، تحديد هوية صاحب الموقع والمدير المسؤول، ووجود محررين يتمتعون بالخبرة والمؤهلات المطلوبة، إلى جانب اعتماد سياسات تحريرية وموجبات مهنية وشفافية في التمويل، بما يطال مختلف وسائل الإعلام والمنصات.

هيئة ناظمة وصلاحيات جديدة

ومن أبرز البنود التي توقف عندها مرقص إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام متعددة التمثيل، تضم مكونات نقابية وإعلامية وأكاديمية، بما يفترض أن يشكل إطارًا جديدًا لتنظيم القطاع.

وأوضح أن الهيئة ستتمتع بصلاحيات فرض غرامات مالية مشددة قد تصل إلى مئة ضعف الحد الأدنى للأجور، مع إحالة المخالفات التي تتجاوز صلاحياتها إلى القضاء.

وفي المقابل، تحدث عن إنشاء غرف قضائية مدنية متخصصة في المحافظات للنظر في المخالفات الإعلامية، بدلًا من إحالتها إلى محكمة المطبوعات بصيغتها الجزائية السابقة.

ويطرح هذا التحول سؤالًا جوهريًا حول كيفية تحقيق التوازن بين الردع القانوني وحماية حرية الصحافة والتعبير، خصوصًا في ظل توسع الإعلام الرقمي وانتقال جزء كبير من صناعة المحتوى إلى المنصات الإلكترونية.

تنظيم الإعلام الرقمي وخطاب الكراهية

ويحمل القانون أيضًا، وفق مرقص، نصوصًا تتصل بتنظيم المواقع الإلكترونية ومكافحة خطاب الكراهية، إلى جانب تحديد مفهوم «الإعلامي» للمرة الأولى بصورة أكثر وضوحًا.

وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط الاختبار أمام التشريع الجديد: فالمشهد الإعلامي لم يعد محصورًا بالصحيفة والتلفزيون والإذاعة، بل أصبح يشمل المواقع والمنصات الرقمية وصناع المحتوى، الأمر الذي يجعل أي تنظيم قانوني أمام تحدي مواكبة التطور التكنولوجي من دون تحويل التنظيم إلى قيد على حرية التعبير.

من وزارة الإعلام إلى «وزارة التواصل»

وفي رؤية تتجاوز القانون الحالي، كشف مرقص عن العمل على مشروع قانون مستقل لتحويل وزارة الإعلام إلى «وزارة التواصل».

وأوضح أن المسألة لا تتعلق بتغيير الاسم فقط، بل بإعادة تعريف الوظيفة والصلاحيات، بحيث تصبح الوزارة أكثر قدرة على مواكبة التحولات الحديثة في قطاع الاتصال والإعلام.

وأشار إلى أن دور وزير الإعلام يجب ألا يقتصر على الظهور الرسمي، بل أن يشمل صياغة الاستراتيجية الإعلامية للحكومة وشرح قراراتها للرأي العام، إضافة إلى ما وصفه بـ«الدفاع الإعلامي» عن الإصلاحات الحكومية في مواجهة الحملات الرافضة لها.

كما تطرق إلى ملفات الأرشيف والمراسلين الأجانب، ولا سيما خلال الحروب والأزمات، حيث تتطلب مهماتهم تنسيقًا بين وزارة الإعلام والأمن العام ووزارة العمل.

كسر الجمود ومواجهة خطاب الكراهية

وفي معرض إجاباته على أسئلة الحضور، رأى مرقص أن القانون الجديد جاء لكسر حالة من الجمود استمرت نحو ثلاثة عقود، معتبرًا أن التشريع يعيد تنظيم واقع إعلامي يعود إلى مرحلة مختلفة جذريًا عن الواقع الحالي.

كما أشار إلى حملات توعوية أطلقتها الوزارة بالتعاون مع اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيفيل، إلى جانب شراكات مع شركة إنتاج الصباح، بهدف الوصول إلى المدارس والجامعات وتعزيز ثقافة التعبير الحر المرتبط بالاحترام المتبادل وصون كرامة الآخرين.

قانون جديد… والاختبار يبدأ عند التطبيق

يضع قانون الإعلام الجديد لبنان أمام مرحلة مختلفة، لكن قيمة أي تشريع لا تُقاس فقط بعدد مواده أو مستوى الترحيب به، بل بقدرته على ترجمة المبادئ إلى ممارسة يومية.

فالانتقال من الترخيص إلى «العلم والخبر»، وتنظيم الإعلام الرقمي، وإنشاء هيئة مستقلة، وتغيير طبيعة المسؤولية القضائية، كلها خطوات يمكن أن تعيد رسم حدود العلاقة بين الإعلام والدولة.

غير أن نجاح التجربة سيبقى مرتبطًا باستقلالية الجهات الناظمة، ووضوح المعايير، وحماية الصحافيين والإعلاميين، ومنع استخدام الغرامات أو الإجراءات التنظيمية كوسيلة ضغط، بالتوازي مع تحميل المؤسسات والمنصات مسؤولية مهنية حقيقية في مواجهة الأخبار المضللة وخطاب الكراهية.

وبذلك، فإن المعركة الحقيقية لقانون الإعلام الجديد تبدأ بعد إقراره لا قبله: في كيفية تطبيقه، وفي قدرة المؤسسات على تحويله من نص تشريعي إلى ممارسة تحمي حرية الإعلام وتعيد بناء الثقة بين الصحافة والجمهور والدولة.

الذكاء الاصطناعي يختتم اللقاء

وفي ختام اللقاء، انتقل المشاركون إلى الحديقة، حيث كشف نجار عن عمل فني عبارة عن منحوتة حديدية أنجزت ضمن شراكة عائلية شارك فيها ابنه وزوجته، مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميمها.

وقدّم نجار التجربة باعتبارها نموذجًا على إمكانية تلاقي الذكاء البشري مع أدوات العصر الحديثة، في مشهد اختصر، بطريقة رمزية، جوهر النقاش الذي سبقها: كيف يمكن للمؤسسات والقوانين أن تتطور بالسرعة نفسها التي يتطور بها العالم من حولها؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والإعلامي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا