قبلان يرفع سقف المواجهة السياسية: «الرئاسة الوطنية تبدأ من الجنوب والاستفراد السياسي يبعد عون عن شعبه»
ميديا برس ليبانون – في خطبة حملت رسائل سياسية ووطنية عالية السقف، وضع المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الملفات السيادية والوطنية في صدارة المشهد، رابطًا مفهوم الدولة بمسؤوليتها المباشرة تجاه الجنوب، ومحمّلًا السلطة التنفيذية مسؤولية ما وصفه بالابتعاد عن قضايا الناس والاستحقاقات الوطنية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
وخلال خطبة الجمعة في مسجد الإمام الحسين في برج البراجنة، وفي مناسبة ذكرى ولادة الرسول الأكرم محمد، انطلق قبلان من القيم التي اعتبرها جوهرًا للنموذج المحمدي، مؤكدًا أن الحق والعدل والنزاهة والاستقامة وإغاثة الفقراء والمحتاجين، إلى جانب التعاون وحفظ الحقوق ومواجهة الفساد، تشكّل المعايير الحقيقية لأي مجتمع يدّعي الانتماء إلى رسالة الرسول.
وقال إن هذه القيم لا تنفصل عن الواقع السياسي والاجتماعي، منتقدًا ما وصفه بتحوّل لبنان إلى ما يشبه «مزرعة»، وباتت مؤسسات الدولة، بحسب تعبيره، خاضعة لنفوذ أصحاب المصالح ومقاولي الدولة ومراكز الهدر والفساد السياسي والمالي.
انتقاد للسلطة التنفيذية ورسائل مباشرة إلى الرئاسة
وفي قراءة سياسية للمرحلة، اعتبر قبلان أن لبنان يقف أمام تحولات إقليمية كبرى، منتقدًا ما وصفه بـ«لعبة التوظيف السياسي» مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ورأى أنها أفضت إلى ما سمّاه «أسوأ فشل وذل»، محذرًا في الوقت نفسه من محاولات التبعية السياسية والأمنية التي قال إنها تمس جوهر الكيان الأمني والسيادي للبنان.
وفي الرسالة الأبرز في خطبته، توجه قبلان مباشرة إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، قائلًا إن «دولة المزرعة لا تنفع»، وإن «الرئاسة الوطنية تبدأ من جنوب لبنان وجبهاته»، محذرًا من أن «الاستفراد السياسي يبعدك عن شعبك».
ووضع المفتي الجنوب في قلب المعادلة الوطنية، معتبرًا أن لبنان «الوطني والسيادي والشعبي» يخوض، بحسب توصيفه، معركة الصمود الوطني انطلاقًا من الجنوب، في ظل غياب فعالية السلطة التنفيذية وإدارات الدولة عن هذا المشهد.
كما دعا اللبنانيين إلى إعادة تنظيم أنفسهم، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تمثل «فترة اختبار وطني»، في إشارة إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات الداخلية في ظل التطورات الأمنية والسياسية المحيطة بلبنان.
«رئاسة بلا رئيس» وانتقاد لإدارة الملفات الوطنية
ولم تقتصر انتقادات قبلان على الأداء التنفيذي، إذ عبّر عن أسفه لما وصفه بأن البلد يعيش «رئاسة بلا رئيس»، معتبرًا أن السلطة الحالية تتعامل مع الملفات الوطنية بطريقة عاجزة عن إنتاج حلول حقيقية.
وانتقد ما اعتبره انشغالًا بقضايا هامشية مقابل التحديات الكبرى التي تواجه لبنان، محذرًا من خطورة مشاريع التمزيق والشحن الطائفي، ومن تصاعد خطاب إعلامي وصفه بـ«المتصهين»، إلى جانب ما سماه «السلطة المتواطئة».
الجنوب والمقاومة والجيش والوحدة الوطنية
وفي ختام مواقفه، رسم قبلان معادلة واضحة للمرحلة المقبلة، معتبرًا أن حماية لبنان تستند، في الظروف الراهنة، إلى «المقاومة والجيش والوحدة الوطنية»، ومؤكدًا أن إسرائيل تمثل، في رأيه، الخطر الأكبر على لبنان.
كما وجّه انتقادًا حادًا إلى السياسة الأميركية، معتبرًا أن واشنطن لا يمكن أن تكون ضامنًا للسيادة اللبنانية، ودعا المؤسسات الدينية المسيحية والإسلامية إلى رفع الصوت في مواجهة ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي.
وبلغة شديدة الوضوح، اعتبر قبلان أن الصمت أمام ما يراه انتهاكًا لحرمة الوطن ليس خيارًا، داعيًا إلى موقف وطني جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية.
معادلة الحماية
خطبة المفتي قبلان أعادت فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد اللبناني: حدود العلاقة بين الرئاسة والجنوب، ودور الدولة في مواجهة التحديات الأمنية، وموقع الجيش والمقاومة في معادلة حماية لبنان.
وبينما وضع قبلان الرئاسة أمام اختبار مباشر يبدأ، بحسب رؤيته، من الجنوب، فإن مواقفه تندرج في سياق سياسي أوسع يعكس عمق الانقسام حول مفهوم السيادة وآليات حمايتها، وحول طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في وقت يمر فيه لبنان والمنطقة بمرحلة شديدة الحساسية، تجعل أي مقاربة للملف الوطني محكومة بتوازنات داخلية وإقليمية متشابكة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي



اترك تعليقًا