من بعلبك.. قبلان يرفع سقف الموقف: الجيش والمقاومة والوحدة الوطنية «ثلاثية السيادة» في مواجهة إسرائيل
احتفال «تيار دعم ثقافة المقاومة» في بعلبك يتحول إلى منصة سياسية وفكرية: دعوات إلى تثبيت الشراكة الإسلامية ـ المسيحية، ورفض عزل لبنان عن محيطه، وتصعيد الخطاب في ملف السلاح والسيادة
■ أحمد موسى
بعلبك – ميديا برس ليبانون _ في بعلبك، المدينة التي تختزن في ذاكرتها السياسية والدينية والعسكرية محطات متشابكة من تاريخ لبنان، لم يكن احتفال «تيار دعم ثقافة المقاومة» بمناسبة المولد النبوي الشريف وأسبوع الوحدة الإسلامية مجرد مناسبة دينية، بل تحوّل إلى منصة سياسية عالية السقف، تمحورت حول ثلاث قضايا متلازمة: موقع المقاومة في المعادلة اللبنانية، دور الجيش في حماية السيادة، وحدود الشراكة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين.
وفي أبرز المواقف، اعتبر المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان أن «لا سيادة للبنان ولا مصالح كيانية له دون الجيش والمقاومة والوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية»، رافضاً أي مقاربة للشرعية اللبنانية تقوم، وفق طرحه، على تجاوز هذه العناصر أو فصل أحدها عن الآخر.
وجاء كلام قبلان أمام حشد من الشخصيات الدينية والسياسية والحزبية والبلدية والاجتماعية، بينهم النائبان ينال صلح وملحم الحجيري، ورئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة» الشيخ ماهر حمود، ومسؤول العلاقات العامة في «تجمع العلماء المسلمين» الشيخ حسين غبريس، ورئيس حزب «الراية الوطني» علي حجازي، إلى جانب ممثلين عن الكنائس والطوائف المسيحية وشخصيات من مختلف المناطق.
قبلان: لا شرعية لسلطة تتعارض مع «العقيدة السيادية»
المفتي قبلان وضع ملف السيادة في إطار مختلف عن الطرح التقليدي الذي يحصرها بمؤسسات الدولة، معتبراً أن الشرعية لا تنفصل عن ما وصفه بـ«العقيدة السيادية للبنان» وعن الصيغة التوافقية للبلاد.
وقال إن «لا شرعية لأي سلطة تتعارض مع العقيدة السيادية للبنان أو مع صيغته التوافقية»، مضيفاً أن أي سلطة تتعارض مع ما وصفه بـ«الوظيفة السيادية الشعبية» لا تكون، وفق رؤيته، صاحبة شرعية وطنية مكتملة.
وفي سياق دفاعه عن المقاومة، استعاد قبلان محطات تاريخية وسياسية من بينها «انتفاضة 6 شباط»، معتبراً أن المقاومة شكلت، في نظره، أحد أبرز عناصر الاستقلال الثاني للبنان، ودعا إلى إدراج تاريخها وإنجازاتها في المناهج التعليمية الرسمية.
هذا الموقف يعكس جوهر الخلاف اللبناني المستمر حول تعريف السيادة نفسها: هل تُقاس حصراً بقدرة الدولة ومؤسساتها الدستورية على احتكار القرار الأمني والعسكري، أم يمكن أن تشمل أيضاً قوى اجتماعية وسياسية مسلحة تعتبر نفسها جزءاً من منظومة الدفاع عن البلاد؟
وهو سؤال لا يزال في صلب النقاش الداخلي حول مستقبل السلاح ودور الدولة، ولا سيما في ظل الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة على لبنان.
من المولد النبوي إلى الصراع الإقليمي
القسم الأكبر من كلمة قبلان اتخذ طابعاً دينياً وفكرياً، مستنداً إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية لتقديم قراءة للصراع السياسي والعسكري في المنطقة.
وانتقل في خطابه من الحديث عن النبي محمد إلى مفهوم مواجهة الظلم والطغيان، معتبراً أن الخصومة، وفق قراءته، لا ترتبط بالدين بقدر ارتباطها بالظلم والعدوان.
ومن هذا المنطلق، وضع الولايات المتحدة وإسرائيل في خانة «الطغيان»، فيما اعتبر إيران و«محور المقاومة» ممثلين لمعسكر الحق والمواجهة.
وقال إن المنطقة العربية والإسلامية تمر بمرحلة «فرز إقليمي دولي» حادة، معتبراً أن الصراع الحالي يتجاوز الحدود اللبنانية ليطال مستقبل النظام الإقليمي بأكمله.
كما تحدث عن إيران ومحور المقاومة، واعتبر أن الحرب الأخيرة شكّلت، وفق تقييمه، محطة استراتيجية انتهت بـ«هزيمة تاريخية لأميركا» و«انتصار مصيري لإيران».
وفي قراءة أوسع، رأى قبلان أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة انتقالية تتراجع فيها، بحسب تعبيره، الهيمنة الأميركية، فيما تواجه إسرائيل واحدة من أصعب مراحلها.
الرسالة إلى السلطة التنفيذية: الدولة والمقاومة في معادلة واحدة
الرسالة السياسية الأكثر مباشرة في خطاب قبلان كانت موجهة إلى السلطة التنفيذية اللبنانية.
فقد دعاها إلى الوقوف، كما قال، إلى جانب «المصالح اللبنانية والسيادية» والشراكة الميثاقية، مؤكداً أن حماية لبنان، في رؤيته، لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن الجيش والمقاومة.
وقال إن «لا سيادة للبنان ولا مصالح كيانية له دون الجيش والمقاومة والوحدة الوطنية الإسلامية المسيحية»، رافضاً أي صيغة سياسية تفصل بين هذه المكونات.
ويكشف هذا الطرح عن استمرار التباين الجوهري حول مفهوم «الاستراتيجية الدفاعية» في لبنان: فبينما تدفع أطراف سياسية باتجاه حصر القرار العسكري والأمني بالدولة، تصر قوى سياسية أخرى على أن المقاومة تمثل جزءاً من منظومة الردع اللبنانية، وأن أي بحث في مستقبل سلاحها يجب أن يأخذ في الاعتبار المخاطر الإسرائيلية والواقع الإقليمي.
«لبنان الشراكة».. من بعلبك إلى كسروان وطرابلس
وفي محاولة لتوسيع خطابه خارج الاصطفافات الطائفية، شدد قبلان على أن لبنان لا يمكن أن يكون إلا دولة شراكة بين المسلمين والمسيحيين.
واستخدم لغة رمزية تجمع المناطق والطوائف، مشيراً إلى جبل عامل وجبل كسروان، والبقاع وطرابلس، والضاحية والطريق الجديدة، والجنوب وجبل الموحدين الدروز.
وقال إن الثقافة الوطنية التي يدعو إليها هي «ثقافة المسجد والكنيسة»، وإن الخيار الوطني يجب أن يكون واحداً، في إطار المواطنة والعدالة والإنصاف.
وفي هذا السياق، بدت الرسالة واضحة: المواجهة مع إسرائيل، وفق رؤية المتحدثين، لا ينبغي أن تتحول إلى عامل تقسيم طائفي داخل لبنان، بل إلى عنوان لإعادة تثبيت فكرة الشراكة الوطنية.
حمود: ثلاث روايات في مواجهة خطاب المقاومة
من جهته، اتخذ الشيخ ماهر حمود منحى أكثر مباشرة في مقاربة السجال الداخلي حول المقاومة وسلاحها.
واعتبر أن حضور رجال دين مسيحيين إلى جانب علماء مسلمين في الاحتفال يمثل، بحسب رأيه، تأكيداً على «لبنان العيش الواحد» وعلى وحدة الموقف الوطني.
ثم انتقل إلى قراءة دينية لمعركة أُحد، مستخلصاً منها أن الهزيمة أو الخسائر لا تعني بالضرورة سقوط القضية أو المشروع الذي يخوض المعركة.
ومن هذه الزاوية، أسقط حمود الرواية على الواقع اللبناني، معتبراً أن المقاومة تعرضت لخسائر كبيرة، لكنها لم تُهزم سياسياً أو فكرياً، بحسب تعبيره.
وركز على ما اعتبرها «ثلاث أفكار» يجري الترويج لها ضد المقاومة.
الأولى، بحسب حمود، تحميل المقاومة مسؤولية الدمار الناتج عن الحرب بدلاً من إسرائيل.
والثانية، القول إن تسليم السلاح يؤدي تلقائياً إلى تحقيق الأمن، مستشهداً بالتطورات الفلسطينية وبما آلت إليه تجربة اتفاق أوسلو.
أما الثالثة، فهي الدعوة إلى فصل لبنان عن محيطه العربي والإسلامي، وخصوصاً عن القضية الفلسطينية.
ومن خلال هذه النقاط، حاول حمود نقل النقاش من «سلاح المقاومة» كمسألة لبنانية داخلية إلى سياق إقليمي أوسع، معتبراً أن لبنان لا يستطيع، وفق رؤيته، أن يعزل نفسه عن التحولات التي تشهدها غزة وفلسطين والمنطقة.
غبريس: «تجمع العلماء المسلمين» يجدد اصطفافه
بدوره، أكد الشيخ حسين غبريس أن «أسبوع الوحدة الإسلامية» يمثل مناسبة لتجديد اللقاء بين علماء المسلمين من مختلف المذاهب.
وأشار إلى أن «تجمع العلماء المسلمين» يضم، بحسب ما قال، رجال دين من مختلف المناطق والطوائف الإسلامية، معتبراً أن التجربة تمثل نموذجاً للتلاقي الداخلي.
لكن غبريس انتقل سريعاً من عنوان الوحدة الإسلامية إلى الموقف السياسي المباشر، معلناً دعم التجمع للمقاومة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، ومؤكداً دعمه لإيران ضمن ما سماه «محور المقاومة».
وقال إن التجمع لا يتراجع عن هذا الخيار، وإن علماءه، وفق تعبيره، يؤكدون «الولاء لخط المقاومة».
ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه حدة النقاش الداخلي والإقليمي حول علاقة لبنان بالمحاور الإقليمية، وحول مدى قدرة الدولة اللبنانية على صياغة سياسة خارجية وأمنية مستقلة عن التجاذبات الكبرى في المنطقة.
الحضور المسيحي.. رسالة سياسية تتجاوز المناسبة الدينية
أحد أبرز عناصر المشهد في بعلبك كان الحضور المسيحي إلى جانب القيادات والعلماء المسلمين.
فقد شارك ممثلون عن المرجعيات الكنسية، بينهم الأب مروان معلوف ممثلاً رئيس أساقفة بعلبك الهرمل للروم الملكيين الكاثوليك المطران ميخائيل فرح، والأرشمندريت جورج معلوف ممثلاً متروبوليت زحلة وبعلبك للروم الأرثوذكس المطران أنطونيوس الصوري، إضافة إلى الأب شربل طراد.
هذا الحضور استُثمر سياسياً في كلمات المتحدثين لتأكيد أن خطاب المقاومة، كما يقدمه منظمو الاحتفال، لا يريد حصر نفسه في بيئة مذهبية واحدة، بل يسعى إلى تقديم نفسه كجزء من تصور أوسع للهوية الوطنية اللبنانية.
لكن في المقابل، يبقى هذا الطرح موضع جدل سياسي واسع، في ظل وجود قوى لبنانية تعتبر أن ربط مفهوم الوحدة الوطنية بالموقف من المقاومة لا يعكس بالضرورة كل التعدد السياسي والفكري الموجود في البلاد.
بين «السيادة» و«السلاح».. العقدة اللبنانية المفتوحة
ما صدر من بعلبك يعيد فتح أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية اللبنانية: من يمتلك قرار الحرب والسلم؟.
فالمعادلة التي طرحها قبلان تقوم على تكامل الجيش والمقاومة والوحدة الوطنية، بينما تطرح قوى أخرى معادلة مختلفة تقوم على حصر السلاح والقرار العسكري بالمؤسسات الرسمية.
وبين الرؤيتين، يستمر النقاش حول كيفية بناء استراتيجية دفاعية تحمي لبنان من إسرائيل، وتحافظ في الوقت نفسه على مرجعية الدولة وسيادتها وقرارها الوطني.
وهذه الإشكالية لا تبدو قابلة للحسم بخطاب سياسي واحد، لأنها مرتبطة بتوازنات داخلية وبالواقع العسكري على الحدود الجنوبية، إضافة إلى موقع لبنان في الصراع الإقليمي الأوسع.
بعلبك تعيد رسم خطوط الاشتباك السياسي
الاحتفال في بعلبك حمل أكثر من رسالة في آن واحد. فخطاب قبلان وضع الجيش والمقاومة والوحدة الإسلامية المسيحية في إطار ثلاثية يعتبرها أساساً للسيادة اللبنانية، فيما قدم حمود دفاعاً صريحاً عن خيار المقاومة ورفضاً لفصل لبنان عن محيطه، وجدد غبريس اصطفاف «تجمع العلماء المسلمين» إلى جانب المقاومة وإيران.
وفي المقابل، فإن الحضور المسيحي اللافت أعطى المناسبة بعداً يتجاوز الخطاب المذهبي، في محاولة لتقديم المقاومة ضمن سردية وطنية جامعة.
لكن خلف هذه الرسائل يبقى السؤال الأصعب مفتوحاً: كيف يمكن للبنان أن يحافظ على حقه في الدفاع عن أرضه وسيادته، من دون أن يتحول قرار الحرب والسلم إلى مصدر دائم للانقسام الداخلي؟.
في بلد اعتاد أن تتقاطع على أرضه المشاريع الإقليمية والدولية، تبدو معادلة السيادة أكثر تعقيداً من مجرد شعار. وبين الدولة والمقاومة، وبين الداخل اللبناني ومحيطه، يبقى التحدي الحقيقي هو إنتاج صيغة وطنية قادرة على حماية لبنان، وتحصين وحدته، ومنع تحوله مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي



اترك تعليقًا