من عكار إلى البقاع… «وجع الأطراف واحد»: لقاء البعريني ومراد يفتح ملف الدولة والعفو العام

من عكار إلى البقاع… «وجع الأطراف واحد»: لقاء البعريني ومراد يفتح ملف الدولة والعفو العام


البقاع – ميديا برس ليبانون _ زيارة سياسية تتجاوز حدود المجاملة: تحالف مناطق الأطراف يرفع الصوت من البقاع، والبعريني يربط بين إنصاف عكار والبقاع وضرورة إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة والحقوق


لم يكن اللقاء الذي جمع النائب وليد البعريني بالنائب حسن مراد في دارة الأخير في الخيارة مجرد محطة بروتوكولية ضمن زيارة البعريني إلى البقاع، بل حمل في توقيته ومضمونه رسائل سياسية تتصل بواحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد اللبناني: علاقة الدولة بمناطق الأطراف، ومدى قدرتها على تحويل الخطاب عن الإنماء والعدالة الاجتماعية إلى سياسات فعلية، بالتوازي مع الملفات الوطنية الخلافية، وفي مقدمها قانون العفو العام.

البعريني، الذي وصل إلى البقاع ضمن زيارة تمتد ثلاثة أيام، التقى مراد بحضور رئيس اتحاد بلديات السهل محمد المجذوب وعدد من رؤساء البلديات والمخاتير، في مشهد عكس حضوراً سياسياً وبلدياً ومحلياً متنوعاً، وأعطى للقاء بعداً يتجاوز العلاقة الشخصية بين النواب إلى محاولة بلورة صوت مشترك لمناطق لطالما شعرت بأنها تقع خارج أولويات القرار المركزي.

عكار والبقاع… معادلة سياسية واحدة؟

من الخيارة، اختار البعريني عنواناً لافتاً لزيارته: «وجع وهموم عكار والبقاع واحد».
هذا التوصيف لا يقتصر على البعد الاجتماعي أو الاقتصادي، بل يمكن قراءته كإشارة سياسية إلى تقاطع مصالح المناطق الطرفية في مواجهة ما يعتبره أبناؤها اختلالاً مزمناً في توزيع الاهتمام والموارد والخدمات بين المركز والأطراف.

ويقول البعريني إن الهدف هو رفع الصوت «بحكمة ومنطق» للمطالبة بحقوق هذه المناطق، انطلاقاً من معادلة واضحة: المناطق التي «تدعم الدولة دائماً» تنتظر في المقابل أن تمنحها الدولة حقوقها.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها: كيف يمكن للدولة أن تطالب الأطراف بالالتزام الكامل بمؤسساتها وقوانينها، فيما تبقى ملفات التنمية والإنماء والعدالة الاجتماعية عالقة أو مؤجلة؟

إن تحويل هذا السؤال إلى موقف سياسي مشترك بين نواب وفعاليات عكار والبقاع قد يفتح الباب أمام إعادة طرح قضية المناطق المحرومة من زاوية وطنية، لا مناطقية، خصوصاً أن الأزمات المتراكمة لم تعد محصورة في منطقة دون أخرى.

من الإنماء إلى العفو العام… الملف الأكثر حساسية

لكن البعد الأكثر حساسية في تصريحات البعريني ارتبط بملف العفو العام، في ظل استمرار الجدل السياسي والشعبي حوله وتباين المواقف بين مؤيد ومعارض.

البعريني أكد أن قانون العفو العام «قطع»، وأنه لا يمكن لأحد الوقوف في وجهه، مشيراً إلى أن رئيس الجمهورية يتعامل مع الملف بحكمة، وكاشفاً عن معلومات تفيد بأن القانون سيُوقّع.

غير أن هذا الملف لا يمكن فصله عن طبيعة البيئة الاجتماعية والسياسية التي ينطلق منها النواب المطالبون به. فالعفو العام، بالنسبة إلى مؤيديه، ليس مجرد نص قانوني، بل يرتبط بملفات اجتماعية وإنسانية وقضائية متراكمة، وبعائلات تنتظر منذ سنوات معالجة أوضاع أبنائها.

في المقابل، يبقى الملف شديد الحساسية بسبب ارتباطه بحقوق الضحايا وهيبة المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، وهو ما دفع البعريني إلى التأكيد أن شهداء الجيش «إخواننا وأهلنا»، في محاولة واضحة لتثبيت معادلة سياسية تقول إن المطالبة بالعفو لا تعني، بحسب موقفه، التنكر لدماء العسكريين أو التقليل من تضحياتهم.

معادلة «رفع الظلم»… من الشعار إلى الاختبار

اختصر البعريني موقفه بعبارة «نحن ضد الظلم ونحاول رفعه». لكن هذه العبارة تضع القوى السياسية أمام اختبار عملي: أين ينتهي الظلم الاجتماعي وتبدأ مسؤولية القضاء؟ وكيف يمكن تحقيق معالجة إنسانية للملفات العالقة من دون تحويل العفو العام إلى مظلة شاملة قد تطاول ملفات ذات طبيعة مختلفة؟.

هذه الأسئلة ستصبح أكثر إلحاحاً إذا انتقل قانون العفو العام فعلاً إلى مرحلة التوقيع والتنفيذ، إذ إن الاختبار الحقيقي لن يكون في إقرار القانون فقط، بل في حدود المستفيدين منه، ومعايير الاستثناء، وضمانات عدم المساس بحقوق الضحايا، ومدى توافقه مع مبدأ سيادة القانون.

لقاء الخيارة… هل يتشكل خطاب جديد للأطراف؟

سياسياً، قد يكون الأهم في زيارة البعريني إلى البقاع هو أنها تضع عكار والبقاع في إطار واحد من حيث المطالب والهواجس.

فإذا كانت الزيارة مجرد جولة تضامنية، فإن أثرها سيبقى محدوداً. أما إذا تحولت إلى مسار من التنسيق بين ممثلي المناطق الطرفية، فقد نشهد ولادة خطاب سياسي يركز على الإنماء المتوازن، والعدالة في توزيع الخدمات، ومعالجة الملفات الاجتماعية والقضائية، وتعزيز حضور الدولة في المناطق التي تقول إنها دفعت أثماناً كبيرة خلال الأزمات المتعاقبة.

ومن هنا، فإن لقاء الخيارة يمكن قراءته كحلقة ضمن مسار سياسي أوسع، خصوصاً في ظل اقتراب الاستحقاقات الوطنية والانتخابية وارتفاع منسوب النقاش حول علاقة النواب بمناطقهم وقواعدهم الشعبية.

تقاطع الهواجس و«الوجع واحد»

بين عكار والبقاع، تتقاطع الهواجس قبل أن تتقاطع الجغرافيا. وعبارة البعريني بأن «الوجع واحد» تختصر مشكلة لبنانية أوسع تتعلق بالفجوة بين المركز والأطراف، وبين ما تطلبه الدولة من مواطنيها وما تقدمه لهم في المقابل.

أما ملف العفو العام، فيبقى الاختبار الأكثر دقة؛ إذ إن نجاح أي معالجة لن يقاس فقط بصدور القانون، بل بقدرته على تحقيق توازن صعب بين العدالة والرحمة، حقوق الضحايا وحقوق المحكومين، وهيبة الدولة ومعالجة المظالم الاجتماعية والقضائية المتراكمة.

وفي انتظار اتضاح مصير القانون، تبقى زيارة البعريني إلى البقاع رسالة سياسية قابلة للتوسع: حين تتلاقى عكار والبقاع على وجع واحد، يصبح السؤال موجهاً إلى الدولة نفسها: هل تستطيع تحويل مطالب الأطراف من أصوات موسمية إلى سياسة وطنية دائمة؟.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا