ميدان سباق الخيل في بيروت… قرنٌ من التاريخ في مواجهة إدارة متعثّرة ودولة غائبة عن المساءلة
خاص _ ميدان برس ليبانون _ من إرث بيروت الرياضي والاجتماعي إلى مرفق يترنّح بين التراجع الإداري والمالي… هل تتحمّل الإدارة الجديدة واللجنة الموكلة إدارة السباق مسؤولية التعثّر؟ ولماذا تواصل الوزارات والجهات الرسمية التعامل مع الملف بمنطق المراقب لا صاحب القرار؟.
في قلب بيروت، وعلى مساحة خضراء نادرة تختزن أكثر من قرن من ذاكرة العاصمة، يقف ميدان سباق الخيل أمام واحدة من أصعب مراحله منذ تأسيسه.
المشكلة لم تعد في عمر المنشآت أو تداعيات الأزمة الاقتصادية وحدها، ولا يمكن اختزالها بانهيار سعر الصرف وارتفاع كلفة تربية الخيول. فهذه العوامل طالت مختلف القطاعات اللبنانية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه داخل ميدان سباق الخيل أكثر تحديداً: ماذا فعلت الإدارة الجديدة واللجنة الموكلة إدارة السباق لمواجهة الأزمة؟ وهل أدّت هذه الجهة دورها في تطوير المرفق وإنقاذه، أم أن طريقة الإدارة نفسها أصبحت أحد أسباب التعثر؟.
هذه المساءلة لا تعني إصدار أحكام مسبقة أو اتهام أشخاص بعينهم، لكنها تضع الإدارة أمام مسؤولية طبيعية تفرضها مهمة إدارة مرفق رياضي واقتصادي وسياحي بهذا الحجم.
والأخطر أن علامات الاستفهام لا تتوقف عند الأداء الإداري، بل تمتد إلى بنية الإدارة نفسها، وآليات التمثيل والانتخابات، وإدارة الإيرادات، والمراهنات، والعقود، والإسطبلات، والإنفاق، والرقابة، وصولاً إلى السؤال الأكثر حساسية: هل تمارس الدولة رقابتها فعلاً على هذا المرفق، أم أنها تركت إدارة ملف شديد الحساسية مالياً وقانونياً للجنة تحيط بها منذ سنوات أسئلة إدارية ومالية تحتاج إلى إجابات موثقة؟.
من 1916 إلى 2026… كيف تحوّل أحد رموز بيروت إلى ملف يحتاج إلى إنقاذ؟
منذ انطلاق نشاطه في بدايات القرن العشرين، لم يكن ميدان سباق الخيل مجرد حلبة للسباقات.
لقد كان مساحة اجتماعية ورياضياً ومعلماً من معالم بيروت، استقطب المربين والفرسان والمالكين والجمهور، وارتبط بذاكرة أجيال لبنانية.
مرّ الميدان بالحرب والأزمات والدمار، لكنه تمكن في مراحل مختلفة من استعادة نشاطه.
المفارقة أن التحدي الحالي يبدو أكثر تعقيداً.
فالميدان لا يواجه عدواً خارجياً أو قذائف أو حصاراً.
إنه يواجه أزمة إدارة وحوكمة واستثمار ورقابة في وقت باتت فيه الدولة نفسها أمام تحديات مالية غير مسبوقة.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا تمكن الميدان من تجاوز الحرب، فلماذا يعجز عن تجاوز أزمة مالية وإدارية يمكن معالجتها بخطة واضحة وحوكمة سليمة؟.
الإدارة الجديدة تحت المجهر… من يتحمل مسؤولية التراجع؟
من السهل تحميل الأزمة الاقتصادية مسؤولية تراجع نشاط سباق الخيل.
لكن هذا التفسير، وإن كان صحيحاً جزئياً، لا يجيب عن السؤال الأهم: ما الذي فعلته الجهة المسؤولة عن الإدارة لمواجهة الانهيار؟.
الإدارة الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على تسيير السباقات، بل بقدرتها على:
– زيادة عدد المشاركين.
– استقطاب ملاك ومربين جدد.
– تحسين الجوائز.
– جذب الرعاة.
– تطوير البنية التحتية.
– تحديث آليات المراهنة.
– ضبط الإيرادات.
– استقطاب الجمهور.
– تسويق الميدان سياحياً.
– فتح المجال أمام الاستثمارات.
– وضع خطة مالية مستدامة.
وبحسب المعطيات والشكاوى المتداولة في أوساط المعنيين، فإن هذه الملفات لم تشهد المعالجة المطلوبة بما يتناسب مع حجم الأزمة.
بل إن التراجع في أعداد الخيول المشاركة، وانخفاض جاذبية الجوائز، وتراجع النشاط، كلها مؤشرات تستوجب سؤال الإدارة الجديدة عن خطة الإنقاذ التي وضعتها منذ توليها المسؤولية، وما الذي تحقق فعلياً منها؟.
فإذا كانت الإدارة قد ورثت مرفقاً متعثراً، فإن مسؤوليتها الأساسية ليست وصف المشكلة، بل تقديم الحلول.
وإذا كانت تملك الصلاحيات اللازمة ولم تستخدمها، فهنا تبدأ المساءلة الإدارية.
أما إذا كانت الصلاحيات مقيدة أو تعترضها عقبات قانونية، فمن حق أصحاب المصلحة والرأي العام معرفة من يضع هذه العراقيل وأين تقع المسؤولية.
اللجنة الموكلة إدارة السباق… بين الدور الإداري وعلامات الاستفهام
القضية الأكثر حساسية تتمثل في اللجنة التي تتولى إدارة شؤون السباق.
فهذه اللجنة لا يمكن أن تكون بمنأى عن المساءلة، خصوصاً إذا كانت تتحكم في مفاصل أساسية من النشاط الرياضي والمالي للميدان.
ومن هنا، تبرز مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن أن تبقى بلا إجابات: كيف تشكلت اللجنة؟.
ما هو الأساس القانوني لتشكيلها؟.
من انتخب أعضاءها؟.
ما مدة ولايتها؟.
هل جرت انتخابات دورية وفق الأصول؟.
من يراقب أعمالها؟.
هل تخضع حساباتها لتدقيق مستقل؟.
هل تُنشر نتائج أعمالها وإيراداتها ومصاريفها؟.
وما هي آلية اتخاذ القرار داخلها؟.
هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً.
فالجهة التي تدير مرفقاً تتداخل فيه الرياضة والمال والمراهنات والعقود والإيرادات العامة والخاصة، يفترض أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والرقابة.
وإذا كانت هناك علامات استفهام حول شرعية التمثيل أو انتظام الانتخابات أو تركيبة الهيئة العامة أو آلية التجديد، فإن الطريق الطبيعي ليس تجاهلها، بل فتح السجلات والتدقيق فيها.
هيئة عامة تحتاج إلى التدقيق… من يمثل من؟
من أبرز الملفات التي تستوجب المراجعة ملف الهيئة العامة والعضوية.
فإذا كانت تركيبة الهيئة العامة قديمة، وإذا كان عدد من أعضائها لم يعد فاعلاً لأي سبب، وإذا كانت العضويات لم تُحدّث بصورة منتظمة، فإن السؤال يصبح: هل لا تزال الهيئة العامة الحالية تعبّر فعلاً عن أصحاب الخيل ومصالحهم؟.
وهنا لا بد من تدقيق:
– سجل الأعضاء.
– العضويات الفعلية.
– حالات الوفاة أو فقدان الصفة.
– طلبات الانتساب الجديدة.
– محاضر الاجتماعات.
– محاضر الانتخابات.
– آليات الدعوة إلى الاجتماعات.
– النصاب القانوني.
– قرارات اللجان المتعاقبة.
فالانتخابات ليست إجراءً شكلياً.
إنها مصدر الشرعية الإدارية.
ومن دون تمثيل سليم وتجديد دوري، تتحول الإدارة إلى دائرة مغلقة يصعب محاسبتها.
الأزمة المالية… هل المشكلة في الاقتصاد أم في طريقة الإدارة؟
لا خلاف على أن تربية الخيول أصبحت أكثر كلفة.
العلف، الرعاية البيطرية، الأدوية، التدريب، النقل، التجهيز، الإسطبلات وغيرها من المصاريف ارتفعت بصورة كبيرة.
لكن في المقابل، فإن الإدارة يفترض أن تكون قد أعادت النظر في النموذج الاقتصادي للميدان.
فلماذا لا يتم استقطاب رعاة؟.
لماذا لا تُطلق بطولات موسمية؟.
لماذا لا تُستثمر المساحات المتاحة في فعاليات سياحية ورياضية؟.
لماذا لا يتم التعاون مع شركات محلية ودولية؟.
لماذا لا يتم تطوير منصة إلكترونية متكاملة للسباقات؟.
ولماذا لا يصبح الميدان وجهة سياحية ورياضية بدلاً من أن يبقى نشاطه محصوراً في سباق أسبوعي؟.
هذه الأسئلة تضع المسؤولية مباشرة أمام الإدارة واللجنة.
فالمرفق الذي لا يطور مصادر دخله في ظروف اقتصادية صعبة، سيبقى أسيراً للعجز.
انخفاض عدد الخيول… إنذار اقتصادي قبل أن يكون رياضياً
من أبرز مؤشرات التراجع ما يُتداول عن انخفاض عدد الخيول المشاركة في الأشواط.
الشوط الذي كان يمكن أن يضم أعداداً كبيرة من الخيول، بات يشهد في بعض الحالات مشاركة محدودة.
وهذه ليست مسألة تقنية.
إنها مؤشر على تراجع الثقة الاقتصادية.
فالمربي الذي ينفق مبالغ كبيرة على الحصان يحتاج إلى بيئة تنافسية وجوائز تحفزه على الاستمرار.
وحين تصبح كلفة المشاركة أعلى من العائد المتوقع، يبدأ الانسحاب.
ثم تتراجع المنافسة.
ثم يتراجع الجمهور.
ثم تنخفض قيمة المراهنات.
ثم تتراجع الإيرادات.
وهكذا تدخل المنظومة في حلقة انكماش يصعب كسرها من دون قرار إداري جريء.
المراهنات… الصندوق الأسود الذي يحتاج إلى فتح
هنا يصل التحقيق إلى أكثر الملفات حساسية.
المراهنات.
فأي نشاط مالي مرتبط بالرهان يحتاج إلى أنظمة واضحة تمنع التلاعب وتضمن احتساب الإيرادات بصورة دقيقة.
والسؤال ليس فقط: كم يبلغ حجم المراهنات؟.
بل: من يديرها؟.
كيف تسجل؟.
كيف تُحصّل؟.
كيف توثّق؟.
من يدقق فيها؟.
ما هي حصة الميدان؟.
ما هي الرسوم والضرائب؟.
ما الذي يدخل إلى الخزينة؟.
وما هي المصاريف التي تُحسم قبل احتساب صافي الإيرادات؟.
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتقديرات.
المطلوب أرقام ودفاتر وحسابات وتدقيق مستقل.
شبهات «البارولي» والتلاعب… أين كانت الرقابة؟
لقد ازدادت حساسية الملف مع الإجراءات الأمنية والقضائية التي تناولت شبهات مرتبطة بالمراهنات غير الشرعية والتلاعب بنتائج بعض السباقات.
وبعيداً عن نتائج التحقيقات القضائية، وعن قاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم مبرم، فإن مجرد فتح هذا النوع من التحقيقات يطرح سؤالاً إدارياً بالغ الأهمية: أين كانت أنظمة الرقابة داخل الميدان؟.
هل توجد كاميرات وأنظمة مراقبة كافية؟.
هل هناك نظام إلكتروني لتسجيل المراهنات؟.
هل يمكن تعديل البيانات بعد إدخالها؟.
من يملك صلاحية الوصول إلى النظام؟.
هل هناك تدقيق داخلي؟.
هل تخضع العمليات لمراجعة خارجية؟.
وهل توجد جهة مستقلة تراقب النتائج وتطابقها مع حركة المراهنات؟.
إذا كانت الإجابة سلبية، فإن المشكلة لا تكون فقط في أفراد قد تثبت التحقيقات مسؤوليتهم أو براءتهم، بل في ضعف النظام الرقابي نفسه.
التكنولوجيا… لماذا لا يزال الميدان أسير الآليات القديمة؟
في عالم أصبحت فيه الرياضة صناعة تعتمد على البيانات، لا يمكن لمرفق تاريخي أن يبقى خارج مسار الرقمنة.
الرقاقات الإلكترونية، قواعد بيانات الخيول، التسجيل الإلكتروني، كاميرات المراقبة، الأنظمة الرقمية للمراهنات، التدقيق الآلي، وإصدار تقارير مالية دورية، كلها أدوات متاحة.
والسؤال: لماذا لم يتحول الميدان إلى نموذج رقمي شفاف؟.
التكنولوجيا هنا ليست رفاهية.
إنها وسيلة لمنع التلاعب، وحماية الإدارة، وحماية أصحاب الخيل، وحماية الدولة، والأهم حماية سمعة الميدان.
بلدية بيروت… أين تقف من كل ما يجري؟
إذا كان الميدان مرتبطاً بأملاك بلدية بيروت وحقوقها القانونية والمالية، فإن البلدية لا تستطيع أن تبقى في موقع المتفرج.
الملف يحتاج إلى كشف واضح للعقود:
من يستثمر؟.
بأي صفة؟.
ولأي مدة؟.
وما هي الالتزامات؟.
وما هي الإيرادات؟.
ومن يدفع كلفة الصيانة؟.
ومن يتحمل مسؤولية المنشآت؟.
وما هو الوضع القانوني للإسطبلات والبوكسات والمنشآت الموجودة داخل المرفق؟.
والأهم: هل تملك بلدية بيروت صورة كاملة ومدققة عن الواقع المالي والإداري للميدان؟.
إذا كانت الإجابة نعم، فلماذا لا تُعلن النتائج؟.
وإذا كانت الإجابة لا، فهذه بحد ذاتها مشكلة تستوجب المعالجة.
الوزارات المعنية… لماذا هذا الصمت؟
الميدان ليس جزيرة منفصلة عن الدولة.
فهناك وزارات وجهات رسمية ترتبط، كل ضمن صلاحياتها، بملفات الزراعة والسياحة والمالية والداخلية والبلديات.
وزارة الزراعة
أمامها ملف الثروة الحيوانية وتربية الخيول وتنظيم القطاع وحماية السلالات ودعم المربين.
وزارة السياحة
أمامها فرصة لتحويل الميدان إلى منتج للسياحة الرياضية، وليس مجرد مكان لسباقات أسبوعية.
وزارة المالية
أمامها سؤال الإيرادات والرسوم والضرائب والتدفقات المالية المرتبطة بالمراهنات والنشاط الاقتصادي للمرفق.
وزارة الداخلية والبلديات
أمامها جانب أساسي من الرقابة الإدارية والقانونية، ضمن حدود الصلاحيات، والتأكد من سلامة الأطر القانونية والتنظيمية.
بلدية بيروت
أمامها مسؤولية مباشرة في كل ما يرتبط بحقوقها القانونية والمالية والعقود والأملاك والمنشآت.
لكن المشكلة أن هذه الجهات تبدو، وفق ما يثيره الملف من تساؤلات، وكأنها تتعامل مع الميدان كموضوع ثانوي.
وهذا تحديداً ما يجب أن يتغير.
230 ألف متر مربع… ثروة عقارية وبيئية لا يجوز إهدارها
بعيداً عن الخيول، هناك ثروة حضرية وبيئية ضخمة.
مساحة واسعة في قلب العاصمة، وسط مدينة تعاني أصلاً من نقص المساحات الخضراء والأماكن العامة.
ولهذا فإن مستقبل الميدان يجب ألا يُناقش فقط من زاوية السباقات.
يمكن تطويره ليجمع بين:
الرياضة + السياحة + المساحات الخضراء + الفعاليات الثقافية + الفروسية + الاستثمار.
لكن ذلك يتطلب إدارة محترفة، لا إدارة يومية تكتفي بتسيير السباقات.
أين يكمن الهدر؟
عندما نتحدث عن الهدر، لا ينبغي القفز مباشرة إلى اتهام أشخاص أو جهات.
الهدر قد يكون مالياً مباشراً، وقد يكون أيضاً هدر فرص.
هدر في المساحات.
هدر في الإيرادات الممكنة.
هدر في الرعاية والاستثمار.
هدر في السياحة الرياضية.
هدر في التكنولوجيا.
هدر في البنية التحتية.
وهدر في الوقت.
وفي بلد يعاني من أزمة مالية خانقة، يصبح هدر أي مورد اقتصادي مسألة عامة تستحق التحقيق.
المطلوب ليس إلغاء الإدارة… بل إخضاعها للمساءلة
المخرج لا يكمن في استبدال لجنة بلجنة من دون تغيير قواعد اللعبة.
المطلوب هو:
أولاً: تدقيق قانوني مستقل في شرعية اللجنة والهيئة العامة وآليات انتخابها وتجديدها.
ثانياً: تدقيق مالي مستقل يشمل السنوات السابقة والحالية.
ثالثاً: نشر تقرير مالي سنوي يوضح الإيرادات والمصاريف والجوائز والمراهنات.
رابعاً: إعادة تحديث سجل الهيئة العامة والعضويات.
خامساً: إجراء انتخابات شفافة وفق القانون والأنظمة.
سادساً: رقمنة المراهنات وربطها بنظام تدقيق ومراقبة.
سابعاً: وضع خطة استثمار وتسويق للميدان.
ثامناً: رفع قيمة الجوائز وفق دراسة اقتصادية واقعية.
تاسعاً: إدخال الميدان في استراتيجية السياحة الرياضية الوطنية.
عاشراً: تحديد واضح للمسؤوليات بين اللجنة والبلدية والوزارات والجهات الرقابية.
السؤال الأكبر: من يحاسب الإدارة إذا فشلت؟
هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط التفاصيل.
إذا كانت الإدارة مسؤولة عن تشغيل الميدان، فمن الطبيعي أن تُسأل عن نتائجها.
إذا انخفض عدد الخيول، تُسأل عن السبب.
إذا تراجعت الإيرادات، تُسأل عن الخطة.
إذا تراجع الجمهور، تُسأل عن التسويق.
إذا ظهرت شبهات تلاعب، تُسأل عن أنظمة الرقابة.
إذا بقيت المنشآت متعثرة، تُسأل عن الصيانة.
إذا بقيت الحسابات غامضة، تُسأل عن الشفافية.
وإذا كانت اللجنة نفسها موضع علامات استفهام قانونية أو إدارية، فمن واجب الجهات الرسمية أن تتحقق، لا أن تكتفي بالصمت.
الإدارة ليست امتيازاً بلا مسؤولية، واللجنة ليست سلطة فوق المساءلة، والدولة لا تستطيع أن تتنصل من دورها الرقابي.
ميدان سباق الخيل أمام مفترق حاسم
بعد أكثر من قرن على تأسيسه، يقف ميدان سباق الخيل في بيروت أمام مفترق لا يحتمل المزيد من التسويات المؤقتة.
إما أن تتحول الدولة إلى طرف فعلي في حماية هذا المرفق وتنظيمه ومراقبته، وإما أن يستمر النزيف.
وإما أن تخضع الإدارة الجديدة واللجنة الموكلة إدارة السباق لتقييم حقيقي وشفاف، وإما أن تبقى أسباب التعثر تتكرر تحت عناوين مختلفة.
المطلوب ليس حملة على أشخاص.
والمطلوب أيضاً ليس حماية أشخاص.
المطلوب فتح الملف.
فتح العقود.
فتح الحسابات.
فتح سجلات العضوية.
فتح محاضر الانتخابات.
فتح ملفات المراهنات.
فتح ملفات الإيرادات والمصاريف.
فتح ملف الإسطبلات.
فتح ملف الصيانة.
فتح ملف الاستثمارات.
وفتح السؤال الأهم: هل الإدارة الحالية قادرة فعلاً على إنقاذ ميدان سباق الخيل، أم أن استمرارها بالشكل الحالي أصبح جزءاً من المشكلة التي يفترض بها أن تعالجها؟.
إن كان لدى الإدارة ما يثبت عكس ذلك، فلتقدمه.
وإن كانت الحسابات سليمة، فليُكشف عنها.
وإن كانت الانتخابات قانونية، فلتُنشر محاضرها.
وإن كانت الإيرادات واضحة، فلتخضع للتدقيق.
وإن كانت الدولة تمارس رقابتها، فليظهر أثر هذه الرقابة.
أما ترك ميدان عمره أكثر من قرن يتراجع أمام أعين الجميع، ثم تحميل الأزمة الاقتصادية وحدها مسؤولية ما يحصل، فهو تفسير لا يكفي.
فالأزمات الاقتصادية تختبر الإدارة، ولا تعفيها.
وميدان سباق الخيل في بيروت اليوم لا يحتاج إلى لجنة تدير أزمته فحسب، بل إلى إدارة قادرة على صناعة مستقبله، وإلى دولة تمارس رقابتها، وإلى حوكمة تجعل المال والقرار والرهان خاضعين للقانون.
وبينما تتجه الأنظار إلى مستقبل هذا المعلم البيروتي، يبقى السؤال مفتوحاً: من يدير الميدان فعلياً؟
من يقرر مصير إيراداته؟
من يراقب حساباته؟
من يحاسب لجنته؟
ومن يتحمل المسؤولية عن سنوات التعثر؟.
التحقيق لم ينتهِ هنا.
في الجزء المقبل: ملف الأرقام والحسابات: أين تذهب أموال المراهنات؟ كيف تُحتسب الإيرادات والجوائز؟ ما هي حقوق بلدية بيروت؟ وما الذي تكشفه العقود والسجلات ومحاضر الإدارة عن واقع ميدان سباق الخيل؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – قسم التحقيقات والاقتصاد والسياحة









اترك تعليقًا