من راشيا: البعريني يربط وجع البقاع بعكار والشمال… وحجازي يرفع سقف المطالبة بدولة واحدة وسلاح واحد
لقاء في دار إفتاء راشيا يجمع على حصرية السلاح والمرجعية الدستورية والإنماء المتوازن… ورفض التبعية والمحاور
ميديا برس ليبانون – في محطة جديدة من جولته على البقاع التي تمتد على مدى يومين، وضع النائب وليد البعريني التواصل بين المناطق اللبنانية في صلب حركته السياسية، مؤكداً أن الشمال والبقاع يتقاطعان في معاناة واحدة عنوانها الإهمال والحرمان وغياب الإنماء المتوازن، فيما حمل لقاؤه مع مفتي راشيا الدكتور الشيخ وفيق حجازي في دار الإفتاء في راشيا جملة مواقف سياسية ووطنية تتصل بمفهوم الدولة وسيادتها ودور المؤسسات.
اللقاء، الذي حضره عدد من العلماء ورجال الدين والفعاليات، لم يقتصر على المجاملة البروتوكولية، بل شكّل مناسبة لتأكيد ثوابت مشتركة حول أولوية الدولة، وتطبيق القوانين، وتعزيز السلم الأهلي، وإنصاف المناطق الطرفية التي ترى نفسها خارج دائرة الاهتمام الإنمائي والإداري المتوازن.
المفتي حجازي: الدولة وحدها المرجعية… والسلاح يجب أن يكون حصراً بيدها
المفتي حجازي شدد بوضوح على أن حصرية السلاح يجب أن تكون بيد الدولة اللبنانية حصراً، رافضاً وجود أحزاب أو قوى تتجاوز سلطة الدولة، ومؤكداً أن علاقة لبنان بمحيطه يجب أن تُدار ضمن الأطر الدبلوماسية الرسمية.
وقال إن مرجعية أبناء راشيا الوحيدة هي الجمهورية اللبنانية، مشدداً على أن دار الإفتاء تؤدي دوراً وطنياً يتجاوز الإطار الديني، باعتبارها، وفق تعبيره، “صمام أمان” وحريصة على السلم الأهلي والاستقرار.
وفي سياق حديثه، أشاد حجازي بالنائب وليد البعريني، مؤيداً مواقفه وما يقوم به على المستوى الوطني، ولا سيما في عكار والشمال، معتبراً أن شخصيته السياسية تمثل نموذجاً ينبغي الاقتداء به، ومثمناً دوره في متابعة ملف قانون العفو العام.
العفو العام: “أفضل الممكن”… لكنه لم يلغِ مرارة الاعتراض
وتوقف مفتي راشيا عند قانون العفو العام، معتبراً أن القانون، رغم أنه لم يلبِّ الطموحات، يبقى “أفضل الممكن”، لكنه وصفه في الوقت نفسه بـ”القانون الجائر”، انطلاقاً من اعتباره أنه لم يميّز بصورة كافية بين البريء والمجرم.
هذه المقاربة تعكس محاولة للموازنة بين القبول بما هو متاح سياسياً وتشريعياً، وبين التمسك بمبدأ العدالة وضرورة عدم تحميل الأبرياء تبعات أفعال لم يرتكبوها.
وفي رسالته الأوسع، عبّر حجازي عن أمله في ألا يتحول لبنان إلى وطن يشعر فيه المواطن بأن الأمن والأمان والوظيفة والخدمة العامة أصبحت أبواباً مغلقة أمامه، داعياً إلى أن ينال كل صاحب حق حقه.
وختم بالتشديد على الطموح إلى قيام “وطن حر سيد مستقل مزدهر”، بما يعكس ربط الاستقرار السياسي والاجتماعي بمسألة العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
البعريني: الشمال والبقاع وجهان لمعاناة واحدة
من جهته، وضع النائب وليد البعريني زيارته للبقاع في إطار يتجاوز التواصل السياسي التقليدي، مؤكداً أنها تأتي في سياق تعزيز التواصل بين شمال لبنان وبقاعه، باعتبار أن المنطقتين، بحسب توصيفه، متلازمتان في الإهمال والحرمان.
وقال إن حضوره إلى البقاع هو للوقوف إلى جانب أهل المنطقة، مشدداً على أن معياره السياسي هو الدولة القادرة على تخفيف وجع البقاع كما تخفف وجع عكار والشمال وسائر المناطق المحرومة.
ومن دار إفتاء راشيا، وجّه البعريني رسالة سياسية واضحة، مؤكداً أن خيارهم هو الدولة وتطبيق القوانين والسياسات العامة، بعيداً عن منطق الاصطفافات والتبعية.
الإنماء المتوازن: من الوظائف والتعيينات إلى مشاريع مجلس الإنماء والإعمار
المطلب الإنمائي حضر بقوة في كلمة البعريني، الذي طالب الدولة بإنصاف مناطق الأطراف، خصوصاً في ملفات التوظيفات والتعيينات والمشاريع الإنمائية.
كما شدد على ضرورة إيلاء مشاريع مجلس الإنماء والإعمار أهمية خاصة للمناطق المحرومة، داعياً إلى اعتماد معيار الإنماء المتوازن بدلاً من استمرار الاختلال في توزيع المشاريع والخدمات بين المناطق.
وهنا يتجاوز الطرح البعد المطلبي المحلي، ليطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الدولة على تحقيق العدالة المناطقية، ومدى ارتباط التنمية بالاستقرار الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في المناطق التي راكمت سنوات من الحرمان وضعف الخدمات وفرص العمل.
“لا للفوقية والتبعية والإذلال”… خطاب سياسي عنوانه الدولة للدولة
البعريني رفض ما وصفه بـ”الفوقية والتبعية والإذلال”، مؤكداً أن المطالبة بالحقوق ستبقى ضمن الأطر الحضارية والسياسية، وبما يضمن عدالة العمل وتكافؤ الفرص.
وفي رسالة تختصر جانباً أساسياً من خطابه، شدد على أن العلاقة التي يريدها هي “علاقة دولة بدولة، لا التبعية والمحورية”، مؤكداً الحرص على الدولة باعتبارها الإطار الجامع لكل اللبنانيين.
وبذلك بدا لقاء راشيا وكأنه يجمع بين مستويين متلازمين: مستوى سياسي يرتكز إلى تثبيت مرجعية الدولة وحصريتها، ومستوى إنمائي يطالب الدولة نفسها بإعادة الاعتبار إلى المناطق التي تشعر بأنها دفعت أثماناً متراكمة من الحرمان.
البقاع والشمال: هل تتحول المطالب إلى مشروع وطني للإنماء المتوازن؟
الأهم في هذا اللقاء أن الخطاب لم يتوقف عند حدود المطالبة بحقوق منطقة بعينها، بل حاول بناء مساحة مشتركة بين البقاع والشمال على قاعدة أن الحرمان لا طائفة له ولا منطقة، وأن معالجة الاختلال الإنمائي تحتاج إلى مقاربة وطنية تتجاوز الحسابات السياسية والمناطقية.
وفي المقابل، فإن ترجمة هذه المواقف إلى نتائج عملية تبقى الاختبار الحقيقي أمام الدولة والقوى السياسية، خصوصاً في ملفات التعيينات والمشاريع العامة وتوزيع الاستثمارات والخدمات.
فالإنماء المتوازن لا يتحقق بالشعارات، كما أن حصرية قرار الدولة لا تكتمل من دون دولة قادرة على تأمين الحقوق الأساسية لمواطنيها في مختلف المناطق.
تقاطع في الخطاب والموقف
من دار إفتاء راشيا، تقاطع خطاب المفتي وفيق حجازي والنائب وليد البعريني عند عنوان أساسي: الدولة أولاً، والقانون مرجعية، والإنماء حق، والعدالة شرط للاستقرار.
وبين مطالبة حجازي بسلاح حصري بيد الدولة وعلاقات خارجية تُدار عبر المؤسسات الدبلوماسية، ودعوة البعريني إلى إنصاف البقاع وعكار والشمال ورفض التبعية والمحاور، يبرز سؤال أكبر من حدود اللقاء نفسه: هل تنجح الدولة اللبنانية في تحويل مبدأ السيادة إلى ممارسة، ومبدأ الإنماء المتوازن إلى سياسة فعلية، بحيث يشعر المواطن في الأطراف بأن الدولة موجودة فعلاً لا شعاراً؟.
هذا هو الاختبار الذي ستكشفه المرحلة المقبلة، ليس في راشيا وحدها، بل في كل المناطق التي ما زالت تنتظر حصتها العادلة من الدولة. إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي






اترك تعليقًا