من شهابية الفاعور إلى مجدل عنجر وكامد اللوز… البعريني يفتح ملف «البقاع المنسي»: الإنماء المتوازن بين الوعود ومسؤولية الدولة
جولة نيابية تتجاوز الزيارات الاجتماعية إلى تشخيص فجوة مزمنة في البنى التحتية والخدمات… وطريق ضهر البيدر يعود إلى الواجهة كاختبار فعلي لجدية الدولة في إنماء البقاع وربط مناطقه بمركز القرار والاقتصاد
ميديا برس ليبانون – لم تكن الجولة البقاعية للنائب وليد البعريني مجرد سلسلة من اللقاءات والزيارات الاجتماعية، بل بدت أقرب إلى جولة ميدانية على خريطة الإنماء المتعثر، حيث تتكرر المطالب نفسها من بلدة إلى أخرى: بنى تحتية تحتاج إلى معالجة، خدمات عامة دون المستوى، طرق تستنزف السكان والاقتصاد، وحضور رسمي لا يزال دون حجم الاحتياجات المتراكمة.
من شهابية الفاعور إلى خربة روحا والمرج ومجدل عنجر وكامد اللوز، وصولًا إلى زحلة، تنقّل البعريني بين البلديات والفعاليات والأهالي، في مشهد يعيد طرح سؤال قديم لكنه لا يزال بلا إجابة حاسمة: متى يتحول «الإنماء المتوازن» من عنوان دستوري وسياسي إلى خطة عمل ومشاريع قابلة للقياس؟.
شهابية الفاعور… مبنى بلدية جديد وسؤال أكبر من الزيارة
في بلدة شهابية الفاعور، زار البعريني مبنى البلدية الجديد، حيث التقى رئيس البلدية غازي الشريف وأعضاء المجلس البلدي وعددًا من أبناء البلدة، وجرى البحث في شؤون المنطقة واحتياجاتها الإنمائية والخدماتية.
وإذا كانت الزيارة تحمل بعدًا رمزيًا لكون البعريني أول مسؤول رسمي يزور المبنى الجديد، فإن الأهم في المشهد هو ما كشفه اللقاء من حجم الحاجة إلى حضور الدولة ومؤسساتها في المناطق، ليس فقط عبر الزيارات، وإنما من خلال مشاريع تستجيب للأولويات الفعلية للسكان.
فالمشكلة الإنمائية في المناطق اللبنانية لا تكمن في غياب المطالب، بل في غياب آلية مستدامة لتحويلها إلى مشاريع، وربطها بموازنات واضحة وجداول زمنية ومسؤوليات محددة.
ومن هنا جاءت رسالة البعريني بأن التواصل مع الناس والوقوف إلى جانب المناطق المحرومة «واجب ومسؤولية»، مع التشديد على أن الإنماء المتوازن لا يجوز أن يبقى شعارًا، بل يجب أن يتحول إلى سياسات ومشاريع تلامس حاجات الناس اليومية.
البقاع وعكار… جغرافيا مختلفة ومطالب متشابهة
اللافت في الجولة أن عنوان الإنماء لم يبقَ محصورًا بالبقاع، بل برزت بوضوح المقارنة بين البقاع وعكار، وهما منطقتان تختلفان جغرافيًا وسياسيًا، لكنهما تتقاطعان في الكثير من المشكلات الإنمائية.
فالمنطقتان تواجهان تحديات مرتبطة بالطرقات، والبنى التحتية، والخدمات، وفرص العمل، وضعف الاستثمار العام، فضلًا عن شعور متراكم لدى الأهالي بأن مناطقهم لا تحصل على حصتها العادلة من المشاريع الوطنية.
وفي هذا السياق، برزت دعوة سعيد ياسين إلى تعزيز التنسيق بين نواب البقاع وعكار، باعتبار أن تشابه المطالب يمكن أن يشكل مدخلًا لبناء مقاربة إنمائية تتجاوز الحسابات المناطقية الضيقة.
المعادلة هنا واضحة: المناطق المحرومة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى كتلة ضغط نيابية وبلدية وشعبية تضع الملفات الإنمائية على جدول أعمال الدولة وتتابع تنفيذها حتى النهاية.
طريق ضهر البيدر… أكثر من طريق
ولعل أبرز الملفات التي طُرحت خلال اللقاءات كان طريق ضهر البيدر، الذي عاد ليظهر كواحد من أكثر الملفات ارتباطًا بمصالح البقاع الاقتصادية والاجتماعية.
فالطريق ليس مجرد ممر جغرافي بين منطقتين، بل شريان حيوي يربط البقاع بالعاصمة ومرفأ بيروت والأسواق اللبنانية، ويؤثر بصورة مباشرة في حركة المواطنين ونقل المنتجات الزراعية والتجارية، وفي كلفة النقل وسلامة العابرين.
ولهذا فإن إبقاء الطريق في دائرة المعالجات الجزئية أو الموسمية لا يعالج أصل المشكلة.
المطلوب، بحسب المقاربة التي برزت في لقاءات البعريني، هو وضع الملف على سلم الأولويات، والتنسيق بين نواب المنطقة والجهات الرسمية المختصة للوصول إلى معالجة مستدامة، لا الاكتفاء بالتحركات عند وقوع الأزمات.
وهنا يصبح طريق ضهر البيدر اختبارًا عمليًا لمفهوم الإنماء المتوازن: فإذا كانت الدولة عاجزة عن تأمين طريق حيوي يربط منطقة أساسية من البلاد بالعاصمة، فكيف يمكن الحديث عن إنماء متوازن ومستدام؟.
من البلديات إلى البيوت… الإنماء يبدأ من حاجات الناس
توزعت لقاءات البعريني بين المؤسسات البلدية والفعاليات الاجتماعية والمنازل، من شهابية الفاعور إلى كامد اللوز والمرج وخربة روحا ومجدل عنجر وغيرها.
وزار البعريني رئيس بلدية كامد اللوز السابق أحمد ساطي، كما التقى منصور منصور في خربة روحا، وأبو علي لافي، ومحمود الحجي، ومحمد الجراح في المرج، وسعيد ياسين في دارته في مجدل عنجر.
وعلى الرغم من الطابع الاجتماعي الذي طبع جزءًا من هذه اللقاءات، فإن الملفات التي حضرت خلالها عكست واقعًا إنمائيًا واقتصاديًا ضاغطًا، في ظل استمرار الأزمة المعيشية وتراجع قدرة الدولة على تأمين الخدمات الأساسية بصورة منتظمة.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من منطق «الزيارة» إلى منطق المتابعة: فالقيمة السياسية لأي جولة مناطقية لا تقاس بعدد اللقاءات، وإنما بما يمكن أن تنتجه من ملفات موثقة، ومطالب محددة، ومشاريع واضحة، ومتابعة مع الوزارات والإدارات المعنية.
الأمن والإنماء… معادلة واحدة
وفي زحلة، أقام قائد منطقة البقاع الإقليمية في قوى الأمن الداخلي العميد نديم عبد المسيح عشاءً حضره عدد من الشخصيات والفعاليات السياسية والاجتماعية والأمنية.
وشكّل اللقاء مناسبة للبحث في الأوضاع العامة والتطورات الأمنية في البقاع، وضرورة تعزيز الاستقرار والتعاون بين الأجهزة الأمنية والفعاليات المحلية.
وهذا البعد الأمني لا ينفصل عن الملف الإنمائي؛ فغياب الاستقرار يطرد الاستثمار، ويضعف الدورة الاقتصادية، ويزيد من هشاشة المجتمعات المحلية.
وبالمقابل، فإن التنمية وخلق فرص العمل وتعزيز الخدمات العامة تشكل جزءًا من منظومة الاستقرار الاجتماعي، بما يعني أن الأمن والإنماء ليسا ملفين منفصلين، بل وجهان لمعالجة واحدة.
من التعزية إلى المسؤولية الاجتماعية
وخلال جولته، زار البعريني منزل الشيخ ميذر الفياض، قبل أن يتوجه لتقديم واجب العزاء بالشاب إبراهيم عاصي، الذي قضى إثر حادث سير أليم.
وإلى جانب البعد الإنساني للزيارة، يعيد هذا الحدث تسليط الضوء على قضية سلامة الطرق، وهي قضية ترتبط مباشرة بالواقع الإنمائي والخدماتي، ولا سيما في المناطق التي تعاني من بنى تحتية متعبة أو طرق تفتقر إلى شروط السلامة المطلوبة.
فكل حادث سير مأساوي يعيد فتح السؤال حول مسؤولية الدولة والبلديات والجهات المعنية في تأمين طرق أكثر أمانًا، وصيانة البنى التحتية، ومعالجة النقاط السوداء، وتعزيز الرقابة والإنارة والإشارات المرورية.
البعريني: الحقوق لا تُجزّأ
في ختام الجولة، شدد البعريني على أن حقوق المناطق لا ينبغي أن تكون خاضعة لمنطق المفاضلة بينها، مؤكدًا أن المطلوب هو تكامل الجهود والتعاون بين النواب والفعاليات للوصول إلى نتائج ملموسة.
وأكد أن الكثير من مطالب أبناء البقاع تتقاطع مع مطالب أهل عكار، خصوصًا في الملفات الإنمائية والخدماتية، مشددًا على مواصلة العمل لتحصيل حقوق أبناء البقاع وعكار وسائر المناطق، والدفع باتجاه إنماء متوازن وعدالة في توزيع المشاريع والخدمات.
وهذه المقاربة تضع المسؤولية في مكانها الصحيح: الإنماء ليس منّة من الدولة على المناطق، ولا مادة انتخابية موسمية، بل حق للمواطن وواجب على المؤسسات.
هل تبدأ مرحلة جديدة من الإنماء المتوازن؟
تكشف جولة البعريني في البقاع أن المشكلة لم تعد في تشخيص مكامن الخلل؛ فالطرق معروفة، وحاجات البلديات معروفة، وأولويات الأهالي واضحة، وملفات البنى التحتية والخدمات باتت حاضرة في كل لقاء تقريبًا.
التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الزيارات.
فالمطلوب تحويل هذا الحراك إلى جدول أولويات إنمائي واضح للبقاع وعكار، يتضمن مشاريع محددة، ومصادر تمويل، ومهلًا زمنية، وجهات رسمية مسؤولة عن التنفيذ، مع آلية متابعة ومحاسبة.
وفي مقدمة هذه الأولويات يأتي طريق ضهر البيدر، إلى جانب البنى التحتية والخدمات البلدية وتعزيز الاقتصاد المحلي ودعم الزراعة والنقل والاستثمار وخلق فرص العمل.
وبذلك، يصبح شعار «الإنماء المتوازن» أمام امتحان حقيقي: إما أن يتحول إلى سياسات ومشاريع تلمس حياة الناس، وإما أن يبقى عنوانًا يتكرر في المناسبات فيما تستمر المناطق في دفع كلفة التهميش من اقتصادها وفرص أبنائها ومستقبلها.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم الإنمائي والسياسي








اترك تعليقًا