بري يرفع «السقف السيادي» في ذكرى الإمام الصدر: الجنوب ليس منطقة عازلة.. ولا تنازل عن حق لبنان بمقاضاة إسرائيل
«المطلوب إسرائيلياً الفتنة».. رئيس المجلس يضع السلم الأهلي والجيش والوحدة الوطنية في خانة الخطوط الحمراء، ويرفض أي مساس بالجنوب أو اتفاق الطائف
قراءة وتحليل _ أحمد موسى
ميديا برس ليبانون – في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والإعلامي عباس بدر الدين، لم تكن كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري مجرد استعادة لرمزية الإمام الصدر أو مناسبة لتجديد الوفاء لقضية تغييب طال أمدها، بل جاءت بمثابة رسالة سياسية وسيادية شديدة الوضوح في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، وضع فيها بري مجموعة من العناوين في دائرة «الخطوط الحمراء»: السلم الأهلي، الوحدة الوطنية، الجيش اللبناني، وحدة الجنوب، وحق الدولة واللبنانيين في مقاضاة إسرائيل.
ومن منبر الذكرى التي أحيتها حركة «أمل» تحت شعار «أمانة وطن»، حاول بري إعادة وضع المواجهة مع إسرائيل ضمن إطار وطني جامع، محذراً من تحويل الحرب إلى مادة للانقسام الداخلي أو إلى فرصة لإعادة إنتاج الاصطفافات الطائفية والمذهبية.
بري: المعركة ليست مع طائفة أو حزب.. بل مع مشروع فتنة
النقطة الأكثر دلالة في خطاب بري كانت في مقاربته لطبيعة الصراع. فهو لم يحصر الاستهداف الإسرائيلي، وفق توصيفه، في حزب الله أو سلاحه أو حركة أمل أو الطائفة الشيعية، بل اعتبر أن الهدف الأوسع هو إشعال الفتنة وضرب لبنان في وحدته وسلمه الأهلي.
وهنا يستعيد بري جوهر خطاب الإمام موسى الصدر منذ عام 1969، حين كان الصدر يحذر من التعامل مع الصراع مع إسرائيل باعتباره قضية تخص منطقة أو طائفة بعينها.
وبهذا المعنى، يحاول بري نقل النقاش من سؤال «من يحمل السلاح؟» إلى سؤال أكثر اتساعاً: كيف يحافظ لبنان على وحدته في مواجهة حرب تستهدف أرضه ومؤسساته ومجتمعه؟.
الجنوب في قلب الرسالة: لا تقسيم بين شمال النهر وجنوبه
رفع بري سقف موقفه حيال مستقبل الجنوب، مؤكداً أن الجنوب «جزء لا يتجزأ من لبنان»، وأن مسؤولية حمايته والدفاع عنه وإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها.
لكن اللافت كان رفضه أي صيغة يمكن أن تؤدي إلى التعامل مع الجنوب باعتباره مساحة جغرافية قابلة للتقسيم أو الاختبار.
وقال بوضوح إن الجنوب «لا يقبل التجزئة بين شمال النهر وجنوبه»، رافضاً أن تتحول مناطقه إلى «مناطق تجريبية» لاختبار الجيش اللبناني أو المؤسسات المدنية والأهلية، أو أن يصبح «منطقة عازلة أو حزاماً أمنياً لأي كان».
وهذه الرسالة تحمل بعداً يتجاوز الميدان العسكري إلى شكل الدولة اللبنانية وسيادتها على كامل أراضيها، في ظل النقاش حول ترتيبات ما بعد الحرب ودور الجيش والقوات الدولية والحدود الجنوبية.
الجيش اللبناني: خط أحمر
في مقدمة الثوابت التي أعلنها بري، جاء الجيش اللبناني. فقد رفض بصورة قاطعة ما وصفه بمحاولات التشكيك أو التوهين بدور المؤسسة العسكرية، داعياً إلى تأمين جميع مقومات الدعم لها باعتبارها مؤسسة وطنية جامعة.
وهنا يبرز تناقض ظاهري يحاول بري حسمه سياسياً: الدفاع عن الجنوب لا ينبغي أن يكون على حساب الدولة، وفي المقابل فإن تعزيز دور الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لإضعاف الجنوب أو فرض ترتيبات خارج الإرادة اللبنانية.
ومن هذه الزاوية، وضع بري الجيش والوحدة الوطنية والسلم الأهلي في سلة واحدة، باعتبارها ركائز لا يرى مجالاً للمساس بها في مرحلة إعادة رسم التوازنات الداخلية والجنوبية.
«اتفاق الإطار».. سبع جولات والتساؤل عن الحصيلة
انتقل بري في خطابه إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية، وهي المفاوضات وما أسماه «اتفاق الإطار».
وأكد أن حركة أمل وكتلة التنمية والتحرير مارستا حقهما الديمقراطي في رفض الاتفاق، وأنهما ما زالتا على الموقف نفسه.
والسؤال الذي طرحه بري كان مباشراً: «سبع جولات من التفاوض ماذا كانت النتيجة؟».
ثم ربط بين استمرار التفاوض وبين اتساع رقعة الاحتلال والتدمير وسقوط المزيد من الشهداء، معتبراً أن إسرائيل واصلت حربها رغم المسار التفاوضي.
هذه المقاربة تكشف أن بري لا ينظر إلى التفاوض باعتباره هدفاً بحد ذاته، بل يربطه بالنتائج الميدانية والسيادية التي يفترض أن يحققها للبنان.
أخطر الرسائل: لا «تعليق» لحق لبنان بمقاضاة إسرائيل
في الملف الأكثر ارتباطاً بالمسار القانوني والسيادي، أعلن بري رفضه التنازل عن حق لبنان، دولة ومؤسسات وأفراداً، في مقاضاة إسرائيل على ما وصفه بجرائم الإبادة والتدمير التي ارتكبت في الجنوب.
وذهب أبعد من ذلك، رافضاً حتى استخدام تعبير «تعليق» هذا الحق.
وبحسب بري، فإن إسقاط هذا الحق أو تجميده يعني عملياً التفريط بجزء من السيادة الوطنية، معتبراً أن هذا الحق لا ينبغي أن يسقط بالتفاوض أو التقادم أو مرور الزمن.
واستند في خطابه إلى سلسلة من المواقع التي قال إنها تعرضت للتدمير أو الإساءة، بينها بلدة القوزح، والمسجد الكبير التاريخي في بنت جبيل، ومحيط قلعة الشقيف.
وهنا تتحول القضية من مجرد ملف تعويضات إلى معركة على الذاكرة والحق والسيادة والمسؤولية القانونية، وفق توصيف رئيس المجلس.
الطائف مقابل الفدرالية والتقسيم
لم يقتصر خطاب بري على الجنوب والعدوان الإسرائيلي، بل فتح ملف النظام السياسي اللبناني، معلناً التمسك باتفاق الطائف وضرورة تنفيذ بنوده الإصلاحية.
وفي رسالة واضحة إلى الطروحات التي تدعو إلى تغيير شكل النظام، رفض بري أي صيغة تحت عناوين الفدرالية أو التقسيم أو غيرها لا تتوافق مع وثيقة الطائف، واعتبرها «مغامرة ومقامرة» تهدد وجود لبنان وسلمه الأهلي وسيادته ووحدة أراضيه.
وهذا الموقف يعيد إدخال شكل الدولة اللبنانية إلى صلب النقاش السياسي، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل النظام السياسي وتوازناته بعد الحرب والأزمات المتراكمة.
قضية الإمام الصدر: 48 عاماً بلا أجوبة
وفي الجزء الأخير من كلمته، عاد بري إلى القضية التي ارتبطت باسم الإمام موسى الصدر ورفيقيه.
وبنبرة شديدة اللهجة، اتهم السلطات الليبية بالاستمرار في سياسة عدم التعاون مع لبنان، معتبراً أن هذا النهج يضعها، بحسب تعبيره، في خانة «التواطؤ والتمادي في ارتكاب هذه الجريمة».
وأكد أن قضية الإمام الصدر ورفيقيه ليست مسؤولية القضاء اللبناني وحده، بل مسؤولية جميع السلطات الرسمية، مشدداً على الاستمرار في استخدام الوسائل التي يكفلها القانون اللبناني والدولي، ولا سيما في ما يتصل بجرائم الإخفاء القسري.
«أمانة وطن».. بين تحرير الصدر وحماية لبنان
في خلاصة خطابه، أعاد بري ربط القضيتين: قضية الإمام الصدر وقضية الوطن.
فـ«الأمانة» التي حملها شعار الذكرى، بحسب الرسالة السياسية للخطاب، لا تتعلق فقط بتحرير الإمام الصدر ورفيقيه وكشف مصيرهم، وإنما أيضاً بحماية لبنان ومنع انهيار وحدته الداخلية والتفريط بسيادته.
ومن هنا جاءت عبارته الختامية التي اختزلت فلسفة الخطاب: الحفاظ على لبنان «وفي قلبه الجنوب».
خطاب يرسم حدود المرحلة المقبلة
كلمة نبيه بري في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام الصدر جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وحملت أكثر من رسالة في آن واحد.
فهي من جهة رسالة داخلية تؤكد رفض تحويل الخلاف السياسي والعسكري إلى صراع طائفي أو مشروع لتفكيك الدولة، ومن جهة ثانية رسالة جنوبية ترفض أي ترتيبات تنتقص من وحدة الجنوب أو تحوله إلى منطقة عازلة، ومن جهة ثالثة رسالة قانونية وسيادية ترفض إسقاط حق لبنان في ملاحقة إسرائيل قضائياً.
أما سياسياً، فقد وضع بري اتفاق الطائف في مواجهة أي طروحات لإعادة صياغة النظام خارج التوافق الوطني، بينما أعاد في ملف الإمام الصدر التأكيد على أن مرور 48 عاماً لا يعني سقوط القضية أو تراجع المطالبة بكشف الحقيقة.
وبذلك، يمكن قراءة خطاب بري باعتباره محاولة لإعادة تثبيت مجموعة من العناوين التي يرى أنها يجب أن تشكل سقفاً لأي تسوية مقبلة: لبنان الموحد، الجنوب غير القابل للتجزئة، الجيش والمؤسسات، حق الدولة في الدفاع عن سيادتها وملاحقة المعتدي، واتفاق الطائف كمرجعية للنظام السياسي.
وفي خلفية كل ذلك، تبقى عبارة الإمام الصدر التي استعادها بري حاضرة كعنوان للمرحلة: احفظوا لبنان، وفي قلبه الجنوب. إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي




اترك تعليقًا