عاطف مداح… خمسون عاماً في «دفتر الصراع»: ميمس تودّع أميناً حمل الأرض وا_ل_م_ق_ا_و_م_ة عقيدةً ومساراً

عاطف مداح… خمسون عاماً في «دفتر الصراع»: ميمس تودّع أميناً حمل الأرض وا_ل_م_ق_ا_و_م_ة عقيدةً ومساراً


من قرية ميمس إلى مواقع النضال وا_ل_م_ق_ا_و_م_ة… تشييع حاشد للأمين عاطف مداح، والحزب السوري القومي الاجتماعي يستعيد أمام نعشه سيرة جيلٍ ربط الانتماء بالفعل والتضحية بالموقف

قراءة وتحقيق _ أحمد موسى


ميديا برس ليبانون – لم تكن ميمس، في وداع الأمين المناضل عاطف مداح، تودّع رجلاً عابراً في الحياة الحزبية، بل كانت تستعيد أمام نعشه أكثر من نصف قرن من مسيرة امتزج فيها الانتماء بالأرض، والعقيدة بالفعل، والعمل الحزبي بمفهوم ال_م_ق_ا_و_م_ة والنضال [أحمدموسى].

ففي مأتم حزبي وشعبي حاشد، ودّع أهالي ميمس ـ حاصبيا والسوريون القوميون الاجتماعيون الأمين عاطف مداح، الذي توفي مساء الجمعة في 28 آب 2026 بعد معاناة مع المرض، وسط حضور سياسي وحزبي وروحي وشعبي عكس حجم الحضور الذي تركه الراحل في محيطه وفي مسيرته الحزبية الممتدة منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي.

واللافت في مشهد التشييع أن المناسبة تجاوزت إطار الرثاء الشخصي، لتتحول إلى استعادة لمسار سياسي وفكري ونضالي ينتمي إلى مرحلة لبنانية شديدة التعقيد، كانت فيها القرى الحدودية والجنوبية مسرحاً مباشراً للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وكانت الأحزاب والقوى السياسية أمام اختبار حقيقي في تحديد موقعها من قضايا الأرض والسيادة والمقاومة.

أكثر من نصف قرن… حين يتحول الانتماء إلى مسار حياة

وُلد عاطف مداح في ميمس ـ حاصبيا عام 1955، وانضم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي في أوائل سبعينيات القرن الماضي، ليبدأ مسيرة حزبية استمرت لأكثر من خمسين عاماً.

هذه المدة لا تختصرها المناصب التي تولّاها، ولا الأوسمة التي حصل عليها، بل تكشف عن مسار طويل من الحضور والاستمرارية داخل مؤسسة حزبية عرفت تحولات سياسية وأمنية وفكرية متلاحقة.

وتولى مداح خلال مسيرته عدداً من المسؤوليات الحزبية المحلية والمركزية، وانتُخب عام 2021 عضواً في المجلس الأعلى، كما مُنح رتبة الأمانة، وحاز «وسام الثبات» وعدداً من الأوسمة الحزبية تقديراً لمسيرته.

لكن السيرة التي استُعيدت في يوم تشييعه ركزت بصورة خاصة على ارتباطه بالعمل المقاوم خلال مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وعملائه، وعلى موقعه في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.

وهنا تكمن إحدى أبرز دلالات سيرته: فالراحل لم يتعامل مع الانتماء الحزبي بوصفه بطاقة عضوية أو موقعاً إدارياً، وإنما، وفق رفاقه، باعتباره التزاماً يومياً وموقفاً سياسياً وفكرياً وميدانياً.

ميمس… الأرض التي صنعت جزءاً من الذاكرة

في كلمة الحزب، استعاد عضو المكتب السياسي أنطون سلوان صورة مداح بوصفه ابن بيئته الحدودية، وربط صلابته بما أسماه «جبال ميمس» التي نشأ في أحضانها.

وهذه الإشارة ليست تفصيلاً عاطفياً في خطاب التأبين، إذ إن ميمس وحاصبيا والعرقوب تنتمي إلى جغرافيا لبنانية حملت لعقود آثار الصراع والاحتلال وال_م_ق_او_م_ة، ما جعل مفهوم الأرض بالنسبة إلى أبناء المنطقة مرتبطاً بالتجربة اليومية أكثر من ارتباطه بالشعارات.

ومن هذا المنطلق، قدّم الحزب الراحل باعتباره واحداً من جيل عاش تلك المرحلة، وانخرط في مواجهتها من موقعه الفكري والسياسي والميداني.

ال_م_ق_ا_و_م_ة في سيرة مداح… بين العقيدة والتجربة

أبرز ما حملته كلمات التأبين كان التأكيد على أن مداح رأى في ال_م_ق_ا_و_م_ة وسيلة لمواجهة الاحتلال، وأنه كان من المشاركين في صفوف جبهة ال_م_ق_ا_و_م_ة الوطنية اللبنانية.

وقال سلوان إن الراحل آمن بأن الأرض المحتلة لا تتحرر بالتمني أو الاستجداء، بل بالصراع وال_م_قا_و_م_ة، معتبراً أن السيادة تحتاج إلى قوة تحميها.

وبصرف النظر عن الاختلاف السياسي حول مفهوم ال_م_قا_و_م_ة ووسائلها، فإن استعادة هذه الأفكار أمام نعش مداح تكشف أن الحزب أراد تحويل مراسم التشييع إلى مساحة لإعادة تثبيت منظومته الفكرية والسياسية، وربط سيرة الراحل بالمبادئ التي حملها طوال حياته.

وبذلك لم يكن الرثاء مجرد تعداد لمناقب شخصية، بل إعادة قراءة لمسيرة الرجل من خلال القضية التي آمن بها، وللدور الذي يقول رفاقه إنه أدّاه في مرحلة كانت فيها المواجهة مع الاحتلال عنواناً أساسياً في الحياة اللبنانية.

من البندقية إلى المعرفة… وجه آخر في شخصية الراحل

لم تقتصر الشهادة التي قدمها الحزب على الجانب ال_م_قا_و_م من شخصية مداح.
فقد ركز سلوان أيضاً على الجانب الفكري والثقافي، واصفاً الراحل بالمحدّث اللبق والمحاور القدير والخطيب الفصيح، وبأنه جعل من المعرفة وسيلة لنشر الوعي ومواجهة ما اعتبره «الغزوات الثقافية».

وهذه الزاوية تضيء جانباً مختلفاً من التجربة الحزبية للراحل، إذ تقدم صورته باعتباره ناشطاً في المجال الفكري والتثقيفي، إلى جانب انخراطه في العمل التنظيمي والمقاوم.

وفي قراءة أوسع، تعكس هذه الشهادة محاولة لإعادة تعريف المناضل الحزبي بعيداً عن الصورة العسكرية وحدها، عبر الجمع بين التنظيم والفكر والخطاب والعمل الاجتماعي والسياسي.

تشييع يتجاوز الحزب… حضور سياسي وروحي وشعبي

شهدت مراسم التشييع مشاركة واسعة من فعاليات حزبية وسياسية وروحية ومحلية.
وشارك ممثلون عن الحزب التقدمي الاشتراكي، والحزب الديمقراطي اللبناني، وحزب التوحيد العربي، وعن شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، ومفتي حاصبيا ـ مرجعيون، إضافة إلى رؤساء اتحاد بلديات حاصبيا والعرقوب وعدد من رؤساء البلديات والمخاتير ورجال الدين والفعاليات والوفود الشعبية والحزبية.

وتقدم المشاركين، إلى جانب عائلة الراحل، وفد مركزي من قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي برئاسة نائب رئيس الحزب وائل الحسنية، وضم عميد الإعلام معن حمية، وعميد الدفاع ربيع زين الدين، والعميد علي عرار، وأعضاء المجلس الأعلى قاسم صالح والدكتور جورج جريج وإياد معلوف، وعضو هيئة منح رتبة الأمانة جورج عجيل، إلى جانب أعضاء المكتب السياسي سماح مهدي وأنطون سلوان وخالد القعسماني وأسامة القادري، ورئيس المؤتمر العام ـ منفذ عام البقاع الغربي وسام غزالي وأعضاء هيئة المنفذية، ومنفذ عام حاصبيا أنور بو سعيد وأعضاء هيئة المنفذية، وأعضاء من هيئات منفذية زحلة، فضلاً عن عدد من الأمناء وأعضاء المجلس القومي وحشد من القوميين والمواطنين.

هذا الحضور المتنوع يعكس أن رحيل مداح لم يُقرأ داخل الحزب وحده، بل حضر أيضاً في الذاكرة المحلية لبلدته ومنطقته، حيث تتداخل العلاقات الحزبية والاجتماعية والوطنية بصورة وثيقة.

خطاب الوداع… محاولة لتحويل الغياب إلى استمرار

في كلمته، لم يقدّم سلوان الموت بوصفه نهاية لمسيرة الراحل، بل باعتباره محطة في مسار اعتبر أن أثر الإنسان يستمر بما تركه من أفكار ومواقف وتضحيات.

وقال إن حياة القوميين الاجتماعيين، وفق رؤيتهم، هي «طريق شاق وطويل» يقوم على الصراع والتضحيات وخدمة المجتمع، معتبراً أن قيمة الإنسان تقاس بما يقدمه وما يتركه من أثر.

ثم أسقط هذه الرؤية على تجربة مداح، معتبراً أن أكثر من خمسين عاماً من الالتزام جعلت من مسيرته نموذجاً لما وصفه بشدة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء العزيمة.

والرسالة الأوضح في الخطاب كانت أن رحيل مداح لا ينبغي، في نظر الحزب، أن يعني إغلاق صفحة، بل انتقال إرثه الفكري والتنظيمي إلى جيل آخر.

«في يوم وداعك… باقون على الطريق»

بلغ خطاب التأبين ذروته عندما وجّه سلوان رسالة مباشرة إلى الراحل قائلاً: «حضرة الأمين، في يوم وداعك عهداً لك منّا بأن نبقى على طريق الصراع الذي انتهجت، أوفياء للعقيدة التي اعتنقت وبها آمنت».

هذه العبارة تختصر بوضوح البعد السياسي للمناسبة؛ فالحزب لم يكتفِ بتكريم شخص رحل، بل جعل من التشييع مناسبة لتجديد الالتزام بالمسار الذي مثّله مداح بالنسبة إلى رفاقه.

وهكذا تحولت جنازته إلى مساحة لإعادة إنتاج الذاكرة الحزبية، واستحضار مرحلة تاريخية كاملة من الصراع وا_لم_قا_و_مة والعمل السياسي، في وقت تشهد فيه المنطقة ولبنان تحولات متسارعة تعيد طرح أسئلة السيادة والمقاومة ودور القوى السياسية والحزبية.

قصائد الرثاء… الذاكرة الشخصية إلى جانب الذاكرة الحزبية

وتولى هيثم مداح تقديم مراسم التأبين، فيما ألقى الشاعران سهيل صقر وسالم غانم قصيدتي رثاء. كما أُلقيت كلمات لكل من عياد مداح باسم آل مداح، وسمير علوان باسم أصدقاء الراحل، ونصير الرماح، وبهاء مداح باسم أهل الفقيد، تناولت مسيرته الشخصية ومناقبه وعلاقاته الاجتماعية والتزامه الحزبي والقومي، إضافة إلى محطات من حياته ودوره في خدمة قضيته ومجتمعه.
وفي هذا الجانب، بدت صورة الراحل أكثر اكتمالاً: رجل الحزب والمناضل والمقاوم من جهة، والابن والصديق وابن البلدة والجنوب من جهة أخرى.

المشهد الأخير… علم الزوبعة فوق النعش

بعد انتهاء الكلمات، أدّى الوفد المركزي وجموع القوميين الاجتماعيين التحية الحزبية على نعش الراحل، قبل أن يُرفع النعش، ملفوفاً بعلم الزوبعة، على الأكف، ويُوارى الثرى وسط مشهد وداعي مهيب.

كان المشهد الأخير أكثر من مراسم دفن؛ فقد حمل رمزية تختصر علاقة مداح بالحزب الذي انتمى إليه منذ شبابه، وبالمسار الذي ظل وفياً له لأكثر من خمسة عقود.

رحيل رجل… وبقاء سيرة

رحل عاطف مداح عن ميمس، لكن الحزب الذي نعاه قدّم رحيله بوصفه نهاية مرحلة شخصية لا نهاية لمسيرة أو فكرة.
وبين ميمس التي احتضنت طفولته وشبابه، وساحات النضال التي ارتبط اسمه بها، والمواقع الحزبية التي شغلها، تتشكل سيرة رجل عاش أكثر من نصف قرن داخل تجربة سياسية وفكرية شديدة الاضطراب.

قد يختلف اللبنانيون في تقييم الأحزاب والمقاومات والأفكار التي حملها الراحل، لكن الثابت أن مداح ترك وراءه سيرة طويلة يصعب اختزالها في خبر وفاة أو مراسم تشييع.

ففي ذاكرة رفاقه، هو «الأمين المناضل» الذي بقي وفياً لعقيدته حتى النهاية، وفي ذاكرة بلدته هو ابن ميمس الذي ارتبط اسمه بجيل عاش التحولات الكبرى للجنوب والعرقوب وحاصبيا، وفي ذاكرة الحزب هو صفحة من تاريخ طويل يريد أن يبقيها حيّة في وجدان الأجيال.

وهكذا، لم تكن ميمس في ذلك اليوم تودّع عاطف مداح فقط؛ بل كانت تشيّع جزءاً من ذاكرة مرحلة لبنانية كاملة، مرحلة كان فيها الانتماء موقفاً، والموقف التزاماً، والالتزام ـ بالنسبة إلى الراحل ورفاقه ـ طريقاً لا ينتهي برحيل صاحبه.

إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم السياسي


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا