من راشيّا الاستقلال إلى فلسطين: مولد النبي يتحوّل إلى رسالة وطنية للرحمة والوحدة والدولة
المفتي حجازي: لبنان أمانة في أعناقنا… ولأفضل العلاقات مع سوريا والعرب
ياسر خليل: خدمة الناس مسؤولية ولن نتخذ قراراتنا بعيدًا عن الرحمة والظروف المعيشية
ميديا برس ليبانون – لم يكن الاحتفال بذكرى مولد خير البرية في مقر اتحاد بلديات قلعة الاستقلال في بلدة خربة روحا – قضاء راشيّا، مجرد مناسبة دينية تستعيد سيرة النبي محمد وقيمه، بل بدا أقرب إلى منصة جامعة حملت رسائل إيمانية ووطنية وإنمائية، تداخل فيها الحديث عن الرحمة والعدل والوحدة مع واقع لبنان المثقل بالأزمات، وصولًا إلى العلاقات اللبنانية – السورية، والانفتاح على العمق العربي، والقضية الفلسطينية.
وفي منطقة لطالما عُرفت بتنوعها وتداخل مكوناتها، اكتسب اللقاء دلالته من طبيعة الحضور السياسي والديني والبلدي والأهلي الواسع، ليؤكد أن المناسبات الدينية يمكن أن تتحول إلى مساحة للحوار واستعادة الأولويات الوطنية، بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات.
المفتي حجازي: من قيم المولد إلى مسؤولية حماية الوطن
وبرعاية وحضور مفتي راشيا الشيخ الأستاذ الدكتور وفيق محمد حجازي، نظّمت دار الفتوى في راشيّا واتحاد بلديات قلعة الاستقلال احتفالًا دينيًا وإنشاديًا جامعًا بعنوان «مولد خير البرية»، بمشاركة حشد من الشخصيات السياسية والقضائية والدينية والبلدية والاجتماعية.
وفي كلمته، استهل المفتي حجازي حديثه بالتأكيد على أن اللقاء في «راشيا الاستقلال والإباء» وفي رحاب اتحاد بلديات قلعة الاستقلال، هو قبل كل شيء لقاء للمحبة والأخوّة، مشيرًا إلى أن منظمي الاحتفال تجاوزوا ما وصفه بـ«ثقافة الكرسي الأول»، في رسالة أراد منها التأكيد أن قيمة المجالس لا تقاس بمواقع الجلوس، بل بما تجمعه من محبة وتواصل.
واستعاد حجازي جوانب من السيرة النبوية، مركزًا على الرحمة والعفو والكرم والوفاء والعدل، ومعتبرًا أن إحياء ذكرى المولد النبوي ينبغي ألا يبقى في إطار الاحتفال، بل أن يتحول إلى فرصة لإعادة بناء الوعي والتمسك بقيم الوسطية والاعتدال ومقاصد الشريعة. لكن اللافت في كلمته كان انتقاله من البعد الديني إلى الهم الوطني المباشر.
ففي ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها لبنان، شدد المفتي حجازي على ضرورة أن يكون اللبنانيون صفًا واحدًا دفاعًا عن الوطن وكرامة أبنائه، داعيًا إلى الاحتكام إلى الدستور والقانون ومنطق الدولة ومؤسساتها.
وقال إن «الوطن أمانة في أعناقنا جميعًا، وأي عطب أو خلل يصيبه ينالنا جميعًا»، في رسالة تختصر، بحسب سياق كلمته، الحاجة إلى الخروج من منطق التعطيل والانقسام نحو منطق الدولة والمسؤولية المشتركة.
سوريا والعرب… دعوة إلى استعادة العمق العربي
وفي البعد الإقليمي، حملت كلمة مفتي راشيّا موقفًا واضحًا لجهة أهمية العلاقات اللبنانية العربية.
ودعا حجازي إلى إقامة أفضل العلاقات مع سوريا، متمنيًا لها الخير والاستقرار، كما ثمّن مواقف المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية الداعمة للبنان والقضايا العربية.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل تشابك الملفات اللبنانية مع محيطه العربي، إذ إن استقرار العلاقات مع الدول العربية لا يرتبط بالسياسة الخارجية فحسب، بل ينعكس أيضًا على الاقتصاد والتجارة والاستثمار وحركة اللبنانيين وعلاقات لبنان الإقليمية.
فلسطين… «قضية عقدية وأخلاقية وقيمية»
ومن لبنان إلى غزة، لم تغب القضية الفلسطينية عن خطاب المناسبة.
وأكد المفتي حجازي أن الاحتفال بمولد النبي لا يعني تجاهل آلام الأمة، متوقفًا عند المأساة الإنسانية المستمرة في غزة، ومشددًا على أن فلسطين «قضية عقدية وأخلاقية وقيمية وليست بابًا للمتاجرة».
ودعا إلى نصرة القضية الفلسطينية والعمل من أجل قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، مستشهدًا بحديث السفينة الذي يكرّس مفهوم المسؤولية الجماعية، ومفاده أن المجتمع لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن الخلل الذي يصيب أحد أجزائه.
وهنا تبرز إحدى الرسائل الأساسية في الاحتفال: الرحمة التي استُحضرت من السيرة النبوية لم تُطرح كقيمة فردية فحسب، بل كمسؤولية اجتماعية ووطنية وإنسانية.
ياسر خليل: البلديات في مواجهة الأعباء المعيشية
من جهته، وضع رئيس اتحاد بلديات قلعة الاستقلال ورئيس بلدية بكا ياسر خليل البعد الإنمائي والخدماتي في صلب كلمته.
وأكد أن ذكرى المولد النبوي ليست مناسبة عابرة، بل محطة لاستلهام قيم الوحدة والرحمة والعدل والعمل والأمانة، مشددًا على أن لبنان يحتاج اليوم إلى تجاوز الخلافات السياسية والمناطقية وتوحيد الجهود لمصلحة المواطن. لكن الأهم أن خليل ربط هذه القيم مباشرة بالعمل البلدي.
وأكد أن خدمة الناس أمانة ومسؤولية، وأن البلديات واتحاد البلديات معنيون بالعمل على تلبية احتياجات الأهالي في مجالات الطرق والإنارة والمياه والأمن الاجتماعي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين.
وفي رسالة واضحة إلى أبناء المنطقة، تعهد خليل بالحرص على التخفيف من الأعباء عن المواطنين قدر الإمكان، واعتماد الرحمة والمسؤولية في القرارات المتعلقة بالشأن البلدي.
وهذا الطرح يضع الإدارة المحلية أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن ترجمة الخطاب الأخلاقي والديني إلى سياسات بلدية ملموسة، خصوصًا في مناطق تواجه تحديات مالية وخدماتية متراكمة؟.
«اليد الواحدة لا تصفق»… التنمية تبدأ من الشراكة
واستعاد خليل مفهوم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، معتبرًا أن الوحدة والتعاون والتضامن هي الطريق إلى التنمية وخدمة الإنسان.
وبذلك، لم يقدّم اتحاد بلديات قلعة الاستقلال نفسه باعتباره مجرد إطار إداري، بل كمساحة يمكن أن تتحول، إذا توافرت الإمكانات والإرادة، إلى منصة للتنسيق بين البلديات والفعاليات والأهالي في الملفات الإنمائية والاجتماعية.
فالطرقات والمياه والإنارة والخدمات ليست تفاصيل تقنية منفصلة عن الحياة اليومية، بل عناصر أساسية في صمود المجتمعات المحلية، ولا سيما في المناطق الريفية التي تتحمل أعباء اقتصادية متزايدة.
الشيخ عبد المجيد سالم: المولد مناسبة لمواجهة الانقسام
بدوره، توسع القاضي المستشار الشيخ عبد المجيد سالم في الحديث عن سيرة الرسول محمد ومزاياه، مركزًا على قيم الرحمة والإنسانية والعدل والتسامح والحوار واحترام الإنسان.
ودعا إلى تحويل هذه القيم من مفاهيم دينية إلى ممارسة اجتماعية، ولا سيما في مواجهة الانقسام والكراهية والتعصب، وتعزيز ثقافة التلاقي والتفاهم بين أبناء الوطن.
كما أكد مركزية القضية الفلسطينية وضرورة الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، انطلاقًا من القيم الإنسانية والأخلاقية.
الشيخ إبراهيم حسين: السيرة النبوية مدرسة للأمانة والصدق
وكانت كلمة لمسؤول الشؤون الإدارية في دار الفتوى في راشيا الشيخ إبراهيم حسين، تناول فيها طفولة الرسول ونشأته، وما تميز به من الصدق والأمانة وحسن الخلق، معتبرًا أن هذه الصفات جعلته موضع محبة قومه قبل البعثة.
وأكد أن الاحتفال بالمولد ينبغي أن يكون مناسبة للاقتداء بالسيرة النبوية، والتمسك بالحق والابتعاد عن الباطل، وتحويل الذكرى إلى مدرسة عملية في الأخلاق والسلوك.
حضور عابر للطوائف… وراشيا تستعيد صورتها الجامعة
وشهد الاحتفال حضورًا سياسيًا ودينيًا وقضائيًا وبلديًا واجتماعيًا واسعًا، بينهم ممثلون عن النائبين وائل أبو فاعور وحسن مراد، ونائب رئيس مجلس النواب الأسبق إيلي الفرزلي، والوزير والنائب السابق جمال الجراح، والنائب السابق فيصل الداود، محمد شفيق حمود، تيري الياس الصابونجي، وممثل محافظ البقاع، وعدد من القضاة الشرعيين ورجال الدين، إضافة إلى شخصيات إدارية وسياسية وبلدية وأهلية.
كما شارك رجال دين من مختلف الطوائف والمذاهب، إلى جانب رؤساء البلديات والمخاتير والفعاليات الثقافية والاجتماعية.
وهذا الحضور المتنوع أعطى الاحتفال بعدًا يتجاوز المناسبة الدينية، إذ عكس خصوصية راشيّا كمنطقة تتميز بتداخل مكوناتها وحرصها على إبقاء قنوات التواصل والحوار مفتوحة.
الإنشاد والغيث… مسك الختام
وتخللت الأمسية فقرة إنشادية أحيتها فرقة نغم الشرق للإنشاد الديني بقيادة المنشد عبد الرحمن الساسة، وقدمت مجموعة من الأناشيد الروحية وسط أجواء إيمانية وتفاعل لافت من الحضور.
واختُتم اللقاء بأجواء من الروحانية والتآخي، قبل أن تأتي المفاجأة اللافتة: هطول المطر عقب انتهاء الاحتفال.
فكان الغيث بمثابة مسك الختام لأمسية جمعت الإيمان والمحبة والتلاقي، وأضفت زخات المطر عليها مشهدًا رمزيًا زاد المناسبة جمالًا ودفئًا.
هل تتحول القيم إلى سياسة يومية؟
ما حمله احتفال «مولد خير البرية» في اتحاد بلديات قلعة الاستقلال يتجاوز استعادة ذكرى دينية؛ فالرسائل التي أطلقت خلاله تقاطعت عند عناوين لبنانية أساسية: الدولة والقانون، الوحدة الوطنية، العلاقات العربية، فلسطين، والإنماء المحلي وخدمة المواطن.
ويبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه العناوين إلى ممارسة يومية.
فإذا كانت الرحمة مسؤولية، فإن حماية المواطن من الأعباء مسؤولية. وإذا كانت الأمانة قيمة، فإن إدارة الشأن العام أمانة. وإذا كانت الوحدة مصدر قوة، فإن التنمية المحلية لا يمكن أن تتحقق بالعمل المنفرد.
ومن راشيّا، جاءت الرسالة واضحة: لا يكفي أن نحتفل بالقيم؛ المطلوب أن تتحول هذه القيم إلى سلوك في السياسة والإدارة والبلديات والمجتمع، لأن الوطن، كما قال المفتي حجازي، أمانة في أعناق الجميع.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والإنمائي































اترك تعليقًا