من النبطية.. حنين السيد تضع «العودة» أمام اختبار التعافي: الدعم النقدي وحده لا يكفي
إطلاق الدفعة الثالثة من برنامج الاستجابة للصدمات لنحو 130 ألف أسرة يفتح النقاش حول الانتقال من الإغاثة إلى التعافي وإعادة بناء قدرة الدولة
ميديا برس ليبانون – من مدينة النبطية، انتقل ملف النازحين والعائدين خطوة جديدة من الاستجابة الاجتماعية الطارئة إلى البحث في شروط التعافي والاستقرار. فزيارة وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد إلى الجنوب، برفقة وزير التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي في مملكة هولندا شورد شوردزما، لم تقتصر على الاطلاع على الأضرار واحتياجات البلديات، بل ترافقت مع إعلان إطلاق الدفعة الثالثة من برنامج شبكة الأمان الاجتماعي المستجيبة للصدمات (SRSN)، في مؤشر إلى استمرار العمل على توفير شبكة حماية للعائلات المتضررة.
الزيارة جاءت في وقت تواجه فيه المناطق الجنوبية المتضررة تحديات متعددة تتصل بالسكن والخدمات الأساسية والقدرة الاقتصادية للبلديات واحتياجات العائلات النازحة والعائدة، ما يجعل ملف العودة مرتبطاً بمجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية والإنمائية، وليس بالجانب الأمني وحده.
128 ألف أسرة في الدفعة الثالثة
أعلنت السيد إطلاق الدفعة الثالثة من برنامج شبكة الأمان الاجتماعي المستجيبة للصدمات، والتي تستهدف 128,627 أسرة، أي نحو 426 ألف فرد، بقيمة إجمالية تبلغ 14.3 مليون دولار أميركي.
وبحسب ما أعلنته الوزيرة، جاء البرنامج استجابة للظروف التي فرضتها الحرب، مع استفادة أكثر من 200 ألف أسرة من الدفعة الأولى، ونحو 130 ألف أسرة من الدفعة الثانية، قبل إطلاق الدفعة الثالثة التي تستهدف نحو 130 ألف أسرة على مستوى لبنان.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية اجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تظهر حجم الضغط الواقع على منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان، حيث باتت المساعدات النقدية إحدى الأدوات الأساسية لمساندة الأسر التي تعرضت مصادر دخلها أو مساكنها أو قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية للضرر.
من «إدارة النزوح» إلى تثبيت العودة
الأهم في كلام السيد كان تأكيدها أن المساعدات النقدية ليست بديلاً عن إعادة الإعمار واستعادة الخدمات وتأمين فرص العمل.
هذه المقاربة تطرح عنواناً أساسياً للمرحلة المقبلة: إذا كانت المساعدات تساعد العائلات على الصمود، فإن تثبيت العودة يحتاج إلى بيئة تسمح لها بإعادة بناء حياتها.
ومن هنا، يصبح السكن والخدمات الصحية والتربوية والمياه والكهرباء والبنية التحتية، إلى جانب فرص العمل والنشاط الاقتصادي المحلي، عناصر مترابطة في أي سياسة تهدف إلى جعل العودة مستدامة.
وبحسب السيد، فإن العودة إلى الجنوب «لا تكتمل بالأمن وحده»، بل تحتاج أيضاً إلى خدمات وحماية اجتماعية وسكن وفرص تتيح للأهالي العودة والبقاء في أرضهم بكرامة.
وهذا الطرح، سياسياً وإنمائياً، ينقل النقاش من سؤال كم عائلة عادت؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تتوافر للعائلات العائدة الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح لها بالبقاء؟
البلديات في واجهة مرحلة التعافي
اللقاء مع اتحاد بلديات الشقيف وبلدية النبطية ورؤساء البلديات والجهات المحلية أبرز أيضاً الدور الذي يمكن أن تضطلع به السلطات المحلية في المرحلة المقبلة.
فالبلديات هي الأقرب إلى تحديد الحاجات اليومية للسكان، لكنها تواجه في المقابل تحديات مالية وإدارية وخدماتية تجعل قدرتها على الاستجابة مرتبطة إلى حد كبير بحجم الدعم الذي تحصل عليه.
ومن هنا، فإن التشديد على التنسيق المباشر مع البلديات وتحديد الاحتياجات بصورة واضحة يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً في تحسين توجيه المساعدات، شرط أن يقترن ذلك بآليات شفافة للتحديد والتنفيذ والمتابعة، وبما ينسجم مع القوانين والأنظمة المرعية الإجراء.
الحضور الهولندي.. عنوان للشراكة الدولية
وجود وزير التجارة الخارجية والتعاون الإنمائي الهولندي إلى جانب وزيرة الشؤون الاجتماعية في جولة جنوبية يسلط الضوء على أهمية الشراكة الدولية في دعم مسار التعافي.
لكن التحدي أمام لبنان لا يتمثل فقط في استقطاب التمويل، بل في تحويل المساعدات الدولية إلى برامج مستدامة تعزز قدرات المؤسسات الوطنية والمحلية.
فكلما طال أمد الاعتماد على الاستجابة الطارئة، ازدادت الحاجة إلى الانتقال نحو برامج تعالج جذور المشكلة، خصوصاً في المناطق التي تضررت بنيتها الاقتصادية والخدماتية.
وفي هذا السياق، تبدو الشراكة الدولية أكثر فاعلية عندما تكون مكملة لدور الدولة ومؤسساتها، وتندرج ضمن أولويات وطنية واضحة، مع معايير معلنة للتوزيع وآليات رقابة ومتابعة تحول دون تشتت الجهود أو ازدواجية البرامج.
النبطية.. من سوق متضرر إلى اقتصاد يحتاج إلى استعادة
الجولة الميدانية في مدينة النبطية والاطلاع على الأضرار التي لحقت بالأسواق والمرافق المحلية تضع البعد الاقتصادي في قلب معادلة التعافي.
فعودة السكان لا تنفصل عن عودة النشاط التجاري، وعودة الأسواق لا تنفصل عن قدرة الأهالي على الإنفاق، وهذه الحلقة تحتاج إلى مقاربة تتجاوز المساعدات المباشرة نحو تحريك الاقتصاد المحلي ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وأصحاب المهن المتضررة، وفق برامج وآليات قانونية ومالية واضحة.
وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى رؤية متكاملة تجمع بين الحماية الاجتماعية والتعافي الاقتصادي وإعادة تأهيل البنية التحتية، بدلاً من معالجة كل ملف بمعزل عن الآخر.
الاختبار الحقيقي: ماذا بعد المساعدات؟
إطلاق الدفعة الثالثة من البرنامج يوفر دعماً ضرورياً للأسر المستفيدة، لكنه لا ينهي الأزمة. بل يمكن اعتباره جزءاً من مسار أطول يفترض أن يقود، تدريجياً، من الاستجابة إلى التعافي.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام الحكومة والجهات الدولية والمحلية هو: كيف يمكن ضمان ألا تتحول المساعدات الطارئة إلى سياسة دائمة، وكيف يمكن استخدامها كجسر نحو استعادة القدرة على الاعتماد على الذات؟.
وهذا يتطلب، إلى جانب الدعم النقدي، خططاً واضحة لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، ودعم الخدمات العامة، وتمكين البلديات، وتحريك الاقتصاد المحلي، وتأمين فرص العمل، ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية للدولة اللبنانية.
العودة ليست عنواناً جغرافياً
الرسالة الأبرز من النبطية أن ملف الجنوب دخل، أو يفترض أن يدخل، مرحلة جديدة عنوانها تثبيت العودة عبر التعافي.
فالأمن يشكل شرطاً أساسياً، لكنه لا يمثل وحده ضمانة للاستقرار الاجتماعي. والاستقرار يحتاج إلى منزل صالح للسكن، وخدمات قابلة للاستمرار، ومدرسة ومستشفى، وبلدية قادرة، وسوق يعمل، وفرصة عمل تحفظ للعائلة قدرتها على الاستمرار.
ومن هنا، فإن الدفعة الثالثة من برنامج الدعم النقدي، بما تستهدفه من نحو 130 ألف أسرة، تمثل استجابة اجتماعية مهمة، لكن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بمعيار آخر: قدرة الدولة وشركائها على تحويل الدعم من أداة للصمود المؤقت إلى رافعة للتعافي والاستقرار والعودة المستدامة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والإنمائي





اترك تعليقًا