روما تحت النار: هل تفاوض واشنطن نتنياهو على «اتفاق الإطار» أم على حجم التصعيد؟
بين سفارة ميشال عيسى ورسائل واشنطن إلى تل أبيب… الجنوب يحترق، وعلي الطاهر تتحول إلى اختبار لنوايا إسرائيل
ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى _ يعد السؤال في بيروت ما إذا كانت مفاوضات روما ستُستأنف، بل أي لبنان سيدخل إلى روما، وأي إسرائيل ستجلس إلى الطاولة؟. فبينما تعمل واشنطن على إعادة تشغيل المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، وتتحرك السعودية لدعم المساعي الدبلوماسية، وتدفع باريس باتجاه تعزيز قدرات الجيش اللبناني، تبدو إسرائيل وكأنها تختبر على الأرض حدود ما يمكن أن تحصل عليه قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة الكبرى: الدبلوماسية الأميركية تتحرك باتجاه روما، بينما الآلة العسكرية الإسرائيلية تتحرك باتجاه الجنوب.
فهل نحن أمام مسارين متناقضين، أم أمام استراتيجية واحدة عنوانها: التفاوض تحت النار؟.
لقاء نتنياهو ـ عيسى: ما قيل علناً وما بقي خلف الأبواب
لقاء الأول من أيلول بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، بحضور السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، لم يكن لقاءً بروتوكولياً عادياً.
السفارة الأميركية أعلنت أن البحث تناول سبل المضي قدماً في تنفيذ «الإطار الثلاثي»، فيما تحدث هاكابي عن تقدم المحادثات الأميركية بين لبنان وإسرائيل ووصفها بأنها مسار تاريخي.
لكن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في عنوانه الرسمي، بل في توقيته.
فالاجتماع جاء في لحظة كان فيها المسار التفاوضي متعثراً، فيما كان الجنوب يشهد تصعيداً متصاعداً، خصوصاً حول مرتفعات علي الطاهر.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل حمل ميشال عيسى إلى نتنياهو رسالة أميركية واضحة بضرورة خفض التصعيد تمهيداً لإحياء روما؟.
المعلومات المتداولة في بيروت تشير إلى محاولة أميركية لخفض التصعيد وإعادة إطلاق المفاوضات، فيما أفادت مصادر أميركية بأن واشنطن لم تمنح إسرائيل ضوءاً أخضر لعملية واسعة في علي الطاهر.
لكن حتى الآن، لا يمكن تحويل ذلك إلى حقيقة قاطعة بشأن وجود «رسالة من البيت الأبيض» شخصياً إلى نتنياهو. المؤكد أن واشنطن تتحرك سياسياً لمنع انهيار المسار التفاوضي، فيما الوقائع العسكرية لا تزال تسير في الاتجاه المعاكس.
نتنياهو… هل يعطي واشنطن ما تريد؟
التجربة الإسرائيلية مع المسارات التفاوضية تجعل الحذر اللبناني مفهوماً.
إسرائيل لا تنظر إلى الميدان باعتباره نقيضاً للدبلوماسية، بل تستخدمه تاريخياً في كثير من الأحيان بوصفه أداة لتحسين شروط التفاوض.
ومن هنا يمكن قراءة التصعيد حول علي الطاهر باعتباره أكثر من عملية عسكرية موضعية.
فالمرتفعات تحولت إلى عقدة سياسية وعسكرية وتفاوضية في آن واحد، إذ سبق أن ارتبط النقاش حولها بالمناطق النموذجية وآليات الانتشار والتحقق ووقف النار.
وبالتالي فإن السيطرة عليها، أو فرض واقع عسكري جديد فيها، يمكن أن تمنح إسرائيل ورقة إضافية قبل الجولة المقبلة.
وهذا هو بالضبط ما تخشاه بيروت: أن تدخل المفاوضات بعدما تكون إسرائيل قد أعادت رسم خريطة الجنوب بالنار.
علي الطاهر… ليست مجرد تلة
التصعيد الأخير يؤكد أن علي الطاهر باتت في قلب المعادلة.
فالغارات الإسرائيلية تركزت على المرتفعات ومحيطها، بالتزامن مع قصف وتحركات ميدانية، فيما شهد الجنوب تفجيرات واسعة وهجمات طالت بلدات ومناطق عدة.
وهذا يعيد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الخطورة: هل تحاول إسرائيل فرض «منطقة أمنية» جديدة قبل أن تبدأ مفاوضات روما؟.
إذا كانت الإجابة نعم، فإن المفاوض الإسرائيلي لن يدخل روما فقط بملف سياسي، بل بوقائع عسكرية يريد تثبيتها على الورق.
وهنا تصبح مهمة الوسيط الأميركي أكثر صعوبة، لأن نجاح واشنطن لا يقاس بقدرتها على جمع الوفدين، بل بقدرتها على منع إسرائيل من تغيير شروط التفاوض ميدانياً قبل انعقاد الجولة.
السعودية تدخل المشهد… ولبنان يبحث عن مظلة عربية
في المقابل، يبدو أن الحراك السعودي يضيف بعداً جديداً إلى الملف.
فزيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى روما تأتي في توقيت بالغ الحساسية، مع تزايد المساعي لإحياء المفاوضات ودعم الموقف اللبناني.
وهذا الحضور السعودي ليس تفصيلاً. فلبنان لا يريد أن يبقى المسار محصوراً في معادلة أميركية ـ إسرائيلية، بل يسعى إلى تثبيت حضور عربي داعم لسيادته ولمطلب وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وتعزيز سلطة الدولة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الحركة السعودية بالتوازي مع الدور الفرنسي.
الجيش اللبناني… الحلقة المركزية في أي تسوية
فالصفقة، إن وصلت إلى خواتيمها، لن تكون مجرد اتفاق أمني بين طرفين.
هناك سؤال جوهري: من يملأ الفراغ في الجنوب؟.
والجواب الدولي المطروح هو الجيش اللبناني.
ولهذا يتقدم ملف دعم المؤسسة العسكرية بالتوازي مع المفاوضات.
فالجيش يحتاج إلى قدرات وتمويل وتجهيز وانتشار، فيما يتعرض في الوقت نفسه لحملات تشكيك وتضليل تستهدف قيادته وتماسكه.
وهنا يصبح الدفاع عن المؤسسة العسكرية جزءاً من المعركة السياسية نفسها.
لأن إضعاف الثقة بالجيش يعني عملياً إضعاف الطرف الذي يفترض أن يكون عنوان الدولة في المرحلة المقبلة.
عون: التفاوض لتجنيب لبنان الحرب… وإسرائيل تفاوض بالنار
الرئيس جوزاف عون وضع هدفاً واضحاً للمسار التفاوضي: تجنيب لبنان ويلات الحرب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف يمكن تحقيق هذا الهدف بينما تستمر إسرائيل في الغارات والتفجيرات والهدم جنوباً؟.
فإذا كانت روما يفترض أن تكون مساحة للبحث عن وقف إطلاق النار، فإن التصعيد الحالي يطرح معادلة معاكسة تماماً.
الجنوب يقول إن الحرب لم تنتهِ.
والدبلوماسية تقول إن هناك اتفاقاً يجب أن يُنفّذ.
والجيش اللبناني يستعد للاضطلاع بدور أكبر.
وواشنطن تحاول جمع هذه المتناقضات في إطار واحد.
أما إسرائيل فتبدو وكأنها تريد أن تقول شيئاً آخر: الميدان أولاً… والتفاوض بعده.
الموسم الانتخابي يضغط على الجميع
ولا يمكن إغفال عامل التوقيت السياسي.
فإسرائيل مقبلة على موسم انتخابي، والولايات المتحدة بدورها تدخل تدريجياً في مرحلة انتخابية حساسة.
وهذا يجعل الملف اللبناني أكثر تعقيداً.
واشنطن تريد نجاحاً دبلوماسياً يمكن تسويقه باعتباره إنجازاً، بينما لا يريد نتنياهو أن يظهر أمام جمهوره كمن قدم تنازلات مجانية للبنان.
لذلك قد تكون المعادلة الأكثر واقعية هي: واشنطن تريد اتفاقاً، نتنياهو يريد اتفاقاً بشروطه، ولبنان يريد اتفاقاً ينهي الحرب ولا يشرعن الاحتلال.
وهذه ليست معادلة سهلة.
السؤال الأصعب: من يملك قرار الفصل بين روما والجنوب؟. حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية.
لكن الوقائع تقول إن واشنطن تحاول إعادة المسار إلى الطاولة، بينما إسرائيل تواصل الضغط العسكري.
وقد نشرت وسائل إعلام اليوم أن موعد الجولة المقبلة قد يكون بعد نحو أسبوعين، فيما يبقى الموعد النهائي عرضة للتثبيت السياسي.
وفي حال انعقدت الجولة، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الملفات التي ستُناقش، بل في سؤال واحد: هل تستطيع واشنطن أن تضمن أن لا تتحول مفاوضات روما إلى منصة لتثبيت نتائج الميدان الإسرائيلي؟.
لأن لبنان يستطيع أن يفاوض على الحدود، والانسحاب، والمناطق النموذجية، وآلية التحقق، وانتشار الجيش.
لكنه لا يستطيع أن يفاوض على أمر بديهي: حقه في أن يتوقف القصف وأن تعود الدولة إلى كامل أرضها.
بين روما وعلي الطاهر تُكتب المرحلة المقبلة
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري متزامن مع اتصالات دبلوماسية.
إنه صراع على ترتيب الأولويات.
هل تكون السياسة هي التي تضبط الميدان؟.
أم يكون الميدان هو الذي يفرض على السياسة نتائجها؟.
واشنطن تقول عملياً إنها تريد إبقاء باب روما مفتوحاً.
السعودية تدعم المسار اللبناني.
باريس تتحرك لتعزيز الجيش.
بيروت تتمسك بمنطق الدولة والتفاوض.
لكن إسرائيل تواصل إطلاق النار.
ومن هنا فإن علي الطاهر ليست مجرد جبهة؛ إنها اختبار مبكر لاتفاق الإطار كله.
فإذا هدأت الجبهة، يمكن لروما أن تتحول إلى منصة تسوية.
أما إذا استمر التصعيد، وبقيت إسرائيل تغيّر الوقائع على الأرض، فقد تصبح روما مجرد غرفة لتوثيق ميزان القوى الجديد.
وعندها لن يكون السؤال: متى تبدأ المفاوضات؟
بل: من سيصل إلى روما حاملاً شروطه… ومن سيصل إليها حاملاً نتائج الميدان؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء





اترك تعليقًا