الكهرباء في لبنان أمام اختبار جديد: الفيول موجود قبالة الزهراني… فلماذا لا يصل إلى المعامل؟
من أزمة الاعتماد إلى تحصيل المستحقات وملاحقة سارقي التيار… مؤسسة كهرباء لبنان تحاول تأمين الحد الأدنى من الاستقرار وسط تراجع القدرة الإنتاجية
ميديا برس ليبانون – عاد ملف الكهرباء إلى الواجهة بقوة مع انقطاع التيار عن معظم المناطق اللبنانية، في مشهد يعيد طرح السؤال المزمن: هل تكمن المشكلة في غياب الفيول، أم في آلية تأمينه وتمويله، أم في ضعف إيرادات مؤسسة كهرباء لبنان وقدرتها على تأمين السيولة اللازمة لاستمرار الإنتاج؟.
وبحسب مصدر في مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، فإن الصورة الحالية لا تعني توقف الإنتاج بالكامل، إذ لا تزال مجموعة إنتاج واحدة تعمل في معمل دير عمار، فيما وصلت أزمة الفيول إلى مرحلة حساسة في معمل الزهراني، حيث ترسو باخرة محمّلة بالوقود قبالة المعمل، بانتظار استكمال الإجراءات المالية اللازمة لتفريغ حمولتها.
الفيول موجود… والعقدة في فتح الاعتماد
المفارقة الأساسية في المشهد الحالي أن الباخرة ليست غائبة عن المياه اللبنانية، فيما الأموال اللازمة لفتح الاعتماد المرتبط بها، وفق المصدر، قد تم تأمينها.
لكن العقبة تكمن في تحويل المبالغ من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي، تمهيداً لفتح الاعتماد والسماح للباخرة بتفريغ حمولتها.
وهنا تظهر مجدداً إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في قطاع الكهرباء: قدرة الدولة على تحويل التمويل المتوافر إلى سيولة قابلة للاستخدام الفوري لشراء المحروقات، في وقت يرتبط إنتاج الطاقة بشكل مباشر بتوافر الفيول وانتظام تمويله.
الجباية في قلب المعركة
الأزمة الحالية لا تبدو، وفق المعطيات المتوافرة، منفصلة عن ملف الإيرادات. فمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، بالتنسيق مع وزير الطاقة والمياه جو الصدي وفريق عمله وإدارة المؤسسة، يعمل على مسارين متوازيين: تحصيل مستحقات المؤسسة المتراكمة لدى الإدارات والمؤسسات العامة، وتفعيل الجباية على مختلف الأراضي اللبنانية.
ولا تقف الإجراءات عند حدود المطالبة بالمستحقات، إذ تترافق مع حملة مداهمات واسعة لمكافحة سرقة التيار الكهربائي والتعديات على الشبكة.
وتحمل هذه الخطوة بعداً يتجاوز معالجة المخالفات الفردية، باعتبار أن كل كمية من الكهرباء المسروقة أو غير المدفوعة تعني خسارة مباشرة في إيرادات المؤسسة، وبالتالي تضعف قدرتها على شراء الفيول وتأمين استمرارية معامل الإنتاج.
معادلة صعبة: لا جباية بلا كهرباء… ولا كهرباء بلا إيرادات
المعضلة التي تواجه المؤسسة تبدو أشبه بحلقة مفرغة: المؤسسة تحتاج إلى إيرادات أكبر لتأمين الفيول، فيما انتظام التغذية يشكل شرطاً أساسياً لتحسين الجباية وتحفيز المواطنين والمؤسسات على تسديد الفواتير.
ومن هنا، فإن نجاح خطة الجباية ومكافحة التعديات لن يقاس فقط بعدد المحاضر أو المداهمات، بل بقدرة المؤسسة على تحويل الإيرادات المحصلة إلى قدرة إنتاجية فعلية تنعكس زيادة في ساعات التغذية.
الأولوية للمرافق الأساسية
وفي ظل تراجع القدرة الإنتاجية، تؤكد المؤسسة أنها تتابع ملف الفيول بصورة حثيثة، نظراً إلى ارتباطه المباشر بمستوى الإنتاج.
وبالتوازي، تستمر، ضمن الإمكانات المتاحة، في إعطاء الأولوية لتأمين التغذية للمطار والمرافق العامة الأساسية، ولا سيما الإدارات والمؤسسات التي بادرت إلى تسديد مستحقاتها.
وهذا التوجه يكشف أن المؤسسة تعمل حالياً وفق سياسة إدارة المتاح، بحيث يجري توزيع القدرة المحدودة على القطاعات التي تعتبر أكثر حساسية واستمرارية.
السؤال الأكبر: هل تكون أزمة اليوم عابرة أم إنذاراً جديداً؟
المشهد الكهربائي الراهن لا يتوقف عند انقطاع التيار في معظم المناطق، بل يسلّط الضوء مجدداً على هشاشة منظومة الإنتاج والتمويل والجباية في آن واحد.
فوجود باخرة فيول قبالة الزهراني بانتظار استكمال آلية فتح الاعتماد، بالتزامن مع استمرار العمل على تحصيل المستحقات ومكافحة التعديات، يعكس أن أزمة الكهرباء لم تعد مرتبطة بعامل تقني واحد، بل بشبكة مترابطة من التمويل والسيولة والجباية والإنتاج والاستهلاك.
ويبقى الاختبار الفعلي خلال المرحلة المقبلة في قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تحويل الإجراءات المالية والإدارية والأمنية إلى نتيجة ملموسة: تأمين الفيول، إعادة تشغيل مجموعات الإنتاج، ورفع ساعات التغذية، بالتوازي مع بناء إيرادات أكثر استقراراً تمنع عودة الأزمة عند كل استحقاق مالي أو شحنة محروقات.
مؤسسة أمام امتحان
أزمة الكهرباء الحالية تكشف أن المعالجة المستدامة لا يمكن أن تقوم على انتظار كل باخرة فيول كحل طارئ، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تضمن التمويل والجباية وحماية الشبكة واستدامة الإنتاج.
وبين باخرة تنتظر فتح الاعتماد، ومعامل تعمل بقدرات محدودة، وحملة واسعة لتحصيل المستحقات ومكافحة سرقة التيار، تقف مؤسسة كهرباء لبنان أمام امتحان جديد: هل تنجح في كسر الحلقة المفرغة التي أبقت قطاع الكهرباء رهينة للأزمات المتكررة، أم أن الانقطاع الحالي سيكون مقدمة لأزمة أطول وأعمق؟. إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم الاقتصادي



اترك تعليقًا