أضرار الحرب أمام الاختبار القانوني: هل أسقط اتفاق الإطار حقوق المتضررين؟
ميديا برس ليبانون _ في خطوة تهدف إلى فتح ملف حقوق المتضررين من أعمال التدمير والاقتلاع والحرق والأضرار التي طالت الممتلكات والأراضي الزراعية والمنشآت والمنازل في عدد من المناطق اللبنانية، عمّم مُنسّق “ملتقى حوار وعطاء بلا حدود” الدكتور طلال حمود مذكرة توعوية قانونية أعدّها الأستاذ رشيد محمد علي مكّه، وذلك استكمالًا لما جرى بحثه في اجتماع الملتقى بتاريخ 31 تموز 2026.
وتطرح المذكرة سؤالًا محوريًا يتصل بمصير حقوق المواطنين الذين لحقت بهم أضرار مادية نتيجة الأعمال العسكرية: هل يؤدي اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي، ولا سيما ما ورد في البند الثالث عشر منه، إلى إسقاط حق المتضرر الفردي في المطالبة بجبر الضرر؟.
وتنطلق الورقة من موقف قانوني احترازي مفاده أن مجرد ورود قيود على التحرك الرسمي في المحافل السياسية أو القانونية الدولية لا يعني، بصورة تلقائية، أن المواطن المتضرر قد وقّع على إبراء شخصي أو تنازل عن حقوقه المالية.
بين حق الدولة وحق المتضرر
تؤكد المذكرة ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات قانونية مختلفة: حق الدولة في اتخاذ الإجراءات الدولية، وحقها في ممارسة الحماية الدبلوماسية، والحق الخاص للمواطن في إثبات الضرر الذي أصاب ملكيته والمطالبة بجبره، حيث تسمح القواعد القانونية ذات الصلة ببحث التعويض عن الضرر القابل للتقييم المالي.
وبحسب هذا الطرح، فإن أي تقييد محتمل لتحرك الدولة في محفل دولي لا يعني بالضرورة محو الضرر الذي أصاب صاحب العقار أو المزارع أو صاحب المنشأة، ولا يحوّل المواطن تلقائيًا إلى طرف متنازل عن حقوقه.
لكن المذكرة، في المقابل، تشدد على أن بقاء أصل المطالبة لا يعني أن طريق التقاضي مفتوح تلقائيًا، وهي نقطة أساسية في أي مقاربة قانونية مسؤولة.
البند 13… ماذا يقول وماذا لا يقول؟
بحسب النص الذي تستند إليه المذكرة، يتضمن البند الثالث عشر التزامات تتصل بوقف الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية.
وتشير الورقة إلى أن النص، وفق قراءتها، لا يتضمن بصورة صريحة عبارات تفيد بأن:
– المواطنين اللبنانيين تنازلوا عن حقوقهم الفردية؛
– أصحاب العقارات المتضررة أبرأوا الجهة المسؤولة عن الضرر؛
– جميع المطالبات المالية تمت تسويتها؛
– قيمة التعويضات حُددت؛
– أو أن المسؤولية عن الأضرار السابقة أُسقطت بصورة نهائية.
ومن هنا تدعو المذكرة إلى عدم القفز من النص السياسي أو الإطاري إلى استنتاج قانوني شامل يقضي بإسقاط جميع حقوق المتضررين، ما لم يوجد أساس قانوني أو تعاقدي واضح يثبت ذلك.
المواطن المتضرر ليس طرفًا في الاتفاق
من أبرز النقاط التي تطرحها الورقة أن صاحب الأرض أو المنزل أو المزرعة المتضررة لم يكن شخصيًا طرفًا موقعًا على اتفاق الإطار.
وبالتالي، فإن توثيق الملكية والضرر والسبب والقيمة يصبح عنصرًا أساسيًا في حفظ المطالبة، بغض النظر عن الجهة التي يمكن أن تنظر فيها مستقبلًا.
وتختصر المذكرة عناصر الملف الفردي بأربعة محاور: الملكية + الضرر + السببية + القيمة المالية.
لكن تحديد المسؤولية والجهة القضائية المختصة وإمكان التنفيذ تبقى مسائل قانونية مستقلة تحتاج إلى دراسة كل حالة على حدة.
إعادة الإعمار ليست بالضرورة إبراءً
وتلفت المذكرة إلى ضرورة عدم الخلط بين المساعدة على إعادة الإعمار وبين التسوية النهائية للضرر.
فالحصول على منحة أو مساعدة لإعادة بناء منزل، أو دعم زراعي، أو مساهمة من صندوق وطني أو جهة دولية، لا ينبغي افتراض أنه يشكل تلقائيًا إبراءً للجهة المتسببة بالضرر.
ولهذا، تدعو الورقة المتضررين إلى قراءة أي مستند يتعلق بالمساعدة أو التعويض بعناية، خصوصًا إذا تضمن عبارات من قبيل المخالصة النهائية أو الإبراء أو التنازل عن المطالبة، والاستعانة بمحامٍ مستقل قبل توقيع أي مستند ذي أثر قانوني.
من الضرر إلى ملف قانوني قابل للتوثيق
وتشدد المذكرة على أن الخطوة الأكثر إلحاحًا حاليًا ليست إطلاق وعود قضائية، بل بناء ملفات موثقة لكل متضرر.
ويفترض أن يتضمن الملف، قدر الإمكان:
أولًا – إثبات الملكية:
سند الملكية، الإفادة العقارية، خرائط المساحة، الإفادات البلدية والمستندات التي تثبت الملكية أو حق الانتفاع.
ثانيًا – إثبات الضرر:
الصور، الفيديوهات، التقارير الهندسية، إفادات الشهود، التقارير الرسمية، الصور الجوية أو الفضائية عند توافرها، وتاريخ وقوع الضرر أو اكتشافه.
ثالثًا – الأضرار الزراعية:
عدد الأشجار، أنواعها، أعمارها التقريبية، حالتها قبل الضرر، عدد الأشجار المقتلعة أو المحروقة، مساحة الأرض، الإنتاج السنوي، كلفة إعادة الزراعة والمدة اللازمة لعودة الأشجار إلى الإنتاج.
رابعًا – الأضرار الإنشائية:
مساحة البناء، عمره، حالته السابقة، نسبة الضرر، كلفة إعادة البناء وإزالة الأنقاض، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمحتويات والتجهيزات.
«السجل الوطني لمطالبات أضرار الحرب»
ومن أبرز المقترحات التي تطرحها الورقة إنشاء سجل وطني رسمي لمطالبات أضرار الحرب، يمنح كل متضرر رقم مطالبة خاصًا، ويثبت فيه اسم صاحب الحق، ورقم العقار، ومساحته، ونوع الضرر، وقيمته، والأدلة والخبرات والمبالغ التي حصل عليها المتضرر وأي رصيد متبقٍ.
والغاية من هذا السجل، وفق المذكرة، ليست إصدار حكم قضائي مسبق، بل حفظ الأدلة والمطالبات ومنع ضياعها بمرور الوقت.
كما تقترح الورقة تضمين أي نظام ينشئ هذا السجل ضمانة صريحة تؤكد أن تسجيل المطالبة لا يشكل تنازلًا أو إبراءً أو مخالصة عن أي حق لم تتم تسويته بصورة واضحة.
التعويض الوطني والمسؤولية عن الضرر
وتدعو المذكرة إلى تنظيم العلاقة بين أي تعويض وطني يحصل عليه المتضرر وبين أي مطالبة مستقبلية مرتبطة بالضرر نفسه، بما يمنع الازدواجية في التعويض، ويحفظ في الوقت نفسه حقوق المواطن والدولة.
وهنا تبرز أهمية وضع آلية قانونية واضحة تحدد طبيعة المساعدة أو التعويض، وما إذا كان نهائيًا أم جزئيًا، وما إذا كان يترتب عليه أي تنازل عن مطالبات أخرى.
هل يمكن فعلًا رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية؟
تتجنب الورقة إعطاء المتضررين وعدًا قانونيًا غير مضمون، وتقر بوجود مجموعة من المسائل التي يجب بحثها قبل تحديد أي مسار قضائي، ومنها: الاختصاص القضائي، حصانة الدولة الأجنبية، طبيعة الأفعال العسكرية، قواعد المسؤولية، الاختصاص الدولي، قواعد تنفيذ الأحكام، والمدد القانونية أو التقادم حيث ينطبق.
وعليه، فإن حفظ الحق لا يساوي تلقائيًا ضمان نجاح الدعوى.
وهذه النقطة تحديدًا يجب أن تبقى واضحة أمام المتضررين، لأن تحويل المذكرة التوعوية إلى وعد بنتيجة قضائية قد يخلق توقعات قانونية غير واقعية.
الصعوبة القضائية لا تعني إسقاط الحق
الرسالة الأساسية التي تطرحها الورقة يمكن اختصارها بالآتي: إذا لم يكن الطريق القضائي متاحًا أو قابلًا للتنفيذ في الوقت الراهن، فهذا لا يعني أن الضرر لم يقع، ولا يعني بالضرورة أن المطالبة به سقطت.
فالخطوة القانونية الأكثر أمانًا هي توثيق الملكية، وتثبيت الضرر، وتقدير قيمته، وحفظ جميع الأدلة، ثم تحديد الوسيلة القانونية المناسبة عندما تتوافر شروطها.
ماذا يُطلب من الدولة اللبنانية؟
وتقترح المذكرة جملة إجراءات، أبرزها:
1. إنشاء سجل وطني رسمي لأضرار الحرب والمطالبات الفردية.
2. إجراء مسح هندسي وزراعي شامل للمناطق المتضررة.
3. تسجيل الضرر على مستوى كل عقار.
4. منح كل متضرر رقم مطالبة رسمي.
5. حفظ الصور والتقارير والخبرات وسائر الأدلة.
6. عدم اعتبار مساعدات إعادة الإعمار إبراءً تلقائيًا.
7. إنشاء آلية قانونية واضحة للتعويض الوطني.
8. حفظ حقوق الدولة والمتضررين في أي تسوية أو مطالبة مستقبلية ضمن الأطر القانونية النافذة.
نموذج عملي لحفظ المطالبة
وتقترح الورقة اعتماد نموذج موحد يتضمن: اسم صاحب الحق – البلدة – رقم العقار – مساحة العقار – الصفة القانونية – نوع الضرر – تاريخ وقوعه – وصف الضرر – عدد الأشجار المتضررة – نوعها وأعمارها – المساحة الزراعية – التقدير الأولي للضرر – كلفة إعادة البناء أو الزراعة – المساعدات المحصلة – المستندات المرفقة – الصور والفيديوهات – تقارير الخبراء – الشهود.
ويُرفق بالنموذج إقرار من صاحب الحق بأن المعلومات المقدمة صحيحة بحسب علمه، وأن تسجيل المطالبة لا يشكل تنازلًا أو إبراءً عن أي حق لم تتم تسويته صراحة.
المعركة تبدأ من الوثيقة
في المحصلة، لا تقدم المذكرة نفسها باعتبارها حكمًا قضائيًا، ولا تدّعي أن كل متضرر يستطيع بصورة فورية رفع دعوى ناجحة أمام محكمة محددة.
بل تطرح مسارًا أكثر تحفظًا: لا تترك الضرر بلا ملف، ولا الملكية بلا مستند، ولا الخسارة بلا تقدير، ولا المساعدة بلا معرفة آثارها القانونية.
وبهذا المعنى، فإن القضية لا تبدأ من قاعة المحكمة، بل من تثبيت الحق وتوثيق الضرر وحفظ الأدلة.
فإذا كان المواطن المتضرر يريد أن يحافظ على إمكانية المطالبة مستقبلًا، فإن أول خطوة ليست إطلاق الاتهامات، وإنما بناء ملف قانوني متكامل يمكن عرضه على الجهة القضائية أو القانونية المختصة متى توافرت شروط ذلك.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم القانوني والقضائي
تنبيه قانوني: هذه المادة ذات طابع توعوي عام ولا تشكل استشارة قانونية فردية، ولا تحسم مسائل الاختصاص أو الحصانة أو التقادم أو قابلية التنفيذ في أي حالة محددة. وينبغي قبل اتخاذ أي إجراء قضائي مراجعة محامٍ مختص والاعتماد على النص الرسمي الكامل للاتفاق والوثائق القانونية ذات الصلة.
المصدر: مذكرة توعوية أعدّها الأستاذ رشيد محمد علي مكّه، بإسم هيئة المتابعة والتنسيق في ملتقى حوار وعطاء بلا حدود، وفق النص.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم القانوني والقضائي




اترك تعليقًا