حين تعود صلة الرحم… يعود الأمل إلى لبنان
■ محمود أ. عراجي
ميديا برس ليبانون _ لطالما كانت المملكة العربية السعودية أكثر من دولة شقيقة بالنسبة إلى لبنان. فعلى امتداد عقود، كانت سندًا للبنان في مراحل صعبة، وبيتًا عربيًا مفتوحًا أمام اللبنانيين، وخصوصًا أبناء الطائفة السنية، الذين وجدوا فيها عمقًا عربيًا وسندًا سياسيًا وإنسانيًا لا يمكن إنكاره.
ومهما تبدلت الظروف، ومهما ابتعدت المملكة في بعض المراحل عن المشهد اللبناني، بقي حضورها راسخًا في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين. فالعلاقات بين الدول قد تمر بمدّ وجزر، لكن العلاقات التي بُنيت على عقود من الأخوة والمواقف والمصالح المشتركة لا تمحوها سحابة عابرة. فصلة الرحم لا تسقط بالتقادم.
قد يختلف الإخوة، وقد تتباعد المواقف، لكن الخلاف لا يلغي أصل العلاقة. ومن هنا، فإن اللبنانيين الذين ينظرون إلى المملكة بوصفها دولة شقيقة وذات وزن عربي أساسي، لا يرون في عودة الدفء إلى العلاقات اللبنانية–السعودية مجرد تطور سياسي، بل يرون فيها استعادة لروح عربية طالما جمعت البلدين والشعبين.
السعودية ولبنان… علاقة تتجاوز السياسة
من الصعب اختصار العلاقة بين السعودية ولبنان في موقف سياسي أو مرحلة زمنية. فقد كان للمملكة حضور في محطات لبنانية عديدة، ووقفت إلى جانب لبنان في أزمات ومراحل مصيرية، وبقي اسمها حاضرًا كلما احتاج لبنان إلى دعم عربي.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يشعر اللبنانيون بالارتياح كلما ظهرت مؤشرات على عودة التواصل السعودي–اللبناني، أو عندما يزور مسؤول سعودي بيروت. فمثل هذه الخطوات تُقرأ لدى كثيرين باعتبارها رسالة طمأنة بأن لبنان ليس خارج محيطه العربي، وأن أبواب الأشقاء لم تُغلق أمامه.
وهذه المشاعر لا تزال حاضرة، حتى وإن تغيرت الظروف وتبدلت الأولويات.
الحريري… أكثر من اسم سياسي
وعند الحديث عن العلاقة اللبنانية–السعودية، يصعب تجاوز التجربة التي جسدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن بعده الرئيس سعد الحريري.
رفيق الحريري لم يكن مجرد رئيس حكومة لبناني، بل شكّل على مدى سنوات جسرًا بشريًا وسياسيًا بين لبنان والمملكة، وحمل إلى الحياة السياسية اللبنانية الكثير من روح الانفتاح العربي.
أما سعد الحريري، فقد ورث هذه العلاقة بكل ما فيها من عمق وتعقيدات، وبقي اسمه بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين مرتبطًا بمرحلة سياسية كاملة وبحضور عربي كان يُنظر إليه بوصفه عنصرًا من عناصر التوازن اللبناني.
ومن هنا، فإن الحديث عن سعد الحريري لا يتعلق بشخص سياسي فحسب، بل بمكانة سياسية وشعبية تشكلت على مدى سنوات.
قد يختلف اللبنانيون حول سياساته وخياراته، وقد تتعدد الآراء داخل الطائفة الواحدة، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية. لكن من الصعب تجاهل أن الحريري لا يزال يحتفظ بمكانة خاصة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وأن غيابه عن المشهد ترك فراغًا سياسيًا وشعبيًا شعر به كثيرون.
لا يحتاج لبنان إلى مزيد من التشرذم
لبنان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الانقسامات، كما أن البيئة السنية لا تحتاج إلى مزيد من التشتت.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن غياب المرجعيات الجامعة يمكن أن يترك فراغًا كبيرًا، وأن أي بيئة سياسية عندما تفقد صوتًا جامعًا تصبح أكثر عرضة للتشرذم والتنافس غير المنظم.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من أبناء الطائفة السنية أن وجود سعد الحريري في المشهد اللبناني، بما يمثله من امتداد عربي وخبرة سياسية وعلاقات تاريخية، يمكن أن يشكل عنصر توازن في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى إعادة بناء جسور الثقة بين مكوناته، وإلى استعادة علاقاته العربية.
وهذا لا يعني إلغاء الآخرين، ولا اختصار الطائفة بشخص واحد، ولا إغلاق الباب أمام أي شخصية أو مرجعية أخرى.
لكن من حق شريحة واسعة من اللبنانيين أن تقول بوضوح إن لسعد الحريري مكانة سياسية وشعبية لا يمكن تجاهلها، وأن حضوره أو غيابه يترك أثرًا في المشهد اللبناني.
صورة أعادت فتح باب الأمل
أما التفاعل الذي رافق الصورة المتداولة التي جمعت المستشار تركي آل الشيخ بالرئيس سعد الحريري، بصرف النظر عن مدى دقتها أو سياقها، فقد كشف جانبًا أعمق من مجرد الاهتمام بصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد أظهرت ردود الفعل، بالنسبة إلى كثيرين، حجم الحنين إلى مرحلة كان فيها التواصل السعودي–اللبناني أكثر دفئًا، وكان اسم الحريري حاضرًا بقوة في المشهد.
تناقل الناس الصورة وقرأها البعض بعين الأمل قبل أن يقرأها بعين السياسة.
وكأن الرسالة التي أرادها كثيرون لأنفسهم كانت بسيطة: ربما لم تنتهِ الحكاية بعد.
وربما آن الأوان لانتهاء مرحلة الجفاء، وفتح صفحة جديدة عنوانها المصارحة والمصالحة وإعادة بناء الثقة.
فالمصالحة لا تعني بالضرورة أن طرفًا كان مخطئًا وآخر كان مصيبًا، ولا تعني محو الماضي أو إنكار الاختلافات. المصالحة تعني أن المستقبل يستحق فرصة.
ماذا لو عاد الجسر؟
إذا كان لبنان والسعودية شقيقين، وإذا كان بينهما تاريخ طويل من العلاقات والمواقف، وإذا كانت المملكة قد فتحت أبوابها أمام اللبنانيين لعقود، وإذا كان سعد الحريري يمثل بالنسبة إلى شريحة كبيرة منهم أحد أبرز وجوه هذه العلاقة، فلماذا لا يكون المستقبل أوسع من الخلاف؟
ولماذا لا يكون اللقاء ممكنًا؟
لبنان لا يحتمل خسارة أشقائه وأصدقائه. وهو اليوم في أمسّ الحاجة إلى استعادة علاقاته العربية، وإلى كل دولة تستطيع أن تساعده في استعادة عافيته واستقراره ودوره.
وفي مقدمة هؤلاء الأشقاء تأتي المملكة العربية السعودية.
وفي المقابل، يحتاج أبناء الطائفة السنية في لبنان إلى الشعور بأنهم جزء أصيل من منظومة عربية حاضنة، وأن لديهم مساحة سياسية متوازنة ومرجعيات قادرة على الجمع لا على التفرقة.
صورة واحدة تختصر الكثير
ولعل المشهد الذي يحلم به كثير من اللبنانيين لا يحتاج إلى كثير من الكلمات: صورة تجمع الأمير محمد بن سلمان بالرئيس سعد الحريري في المملكة العربية السعودية، في مشهد يحمل معنى المصالحة وطي صفحة الخلاف وفتح صفحة جديدة.
صورة لا تُقرأ سياسيًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا.
صورة تقول إن الأخوة يمكن أن تختلف، لكنها لا تموت.
وأن القطيعة مهما طالت يمكن أن تنتهي.
وأن صلة الرحم أقوى من الخلاف.
فإذا عادت المياه إلى مجاريها، فلن تكون الفرحة في بيروت وحدها، بل في مختلف المناطق اللبنانية. وسيكون المشهد بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين أكثر من عودة علاقة بين رجلين أو بين دولتين؛ سيكون إشارة إلى أن لبنان لا يزال قادرًا على استعادة مكانه العربي، وأن أبناءه يستطيعون طي صفحات الألم وفتح أبواب المستقبل.
لا غنى للبنان عن أشقائه، ولا غنى للبنانيين عن عمقهم العربي.
قد تختلف السياسة، لكن الأخوة تبقى.
وقد تتباعد الطرق، لكن صلة الرحم تستطيع أن تعيد وصل ما انقطع.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه للبنان اليوم هو أن يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه المصالحة حقيقة، والجسور تُبنى من جديد، ويجد لبنان نفسه أقرب إلى أشقائه، وتعلو في بيروت صور الأخوة بدل صور الانقسام.
فلبنان يحتاج إلى السعودية، والسعودية تعرف لبنان.
وبين الأشقاء، مهما اشتدت الأيام، تبقى دائمًا مساحة للقاء، وللتسامح، وللعودة.
ولعل عودة صلة الرحم تكون بداية عودة الأمل إلى لبنان.
المقال المنشور يعكس رأي كاتبه، ولا يعبّر بالضرورة عن موقف ميديا برس ليبانون.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ قسم التحليل والآراء




اترك تعليقًا