قانون الإعلام الجديد في لبنان: تشريع لعصر المنصات أم باب جديد لتقييد الصحافة؟
ميديا برس ليبانون _ بيروت – أحمد موسى _ بعد أكثر من ستة عقود على ولادة قانون المطبوعات عام 1962، يدخل الإعلام اللبناني مرحلة تشريعية جديدة مع إقرار قانون حديث للإعلام، يفترض أن ينقل القطاع من قواعد صيغت في زمن الصحيفة الورقية إلى منظومة تحاول استيعاب المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية وتبدلات صناعة الخبر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد فقط: هل أصبح لدى لبنان قانون إعلام يواكب العصر؟ بل بات أكثر تعقيداً: هل نجح التشريع الجديد في تنظيم الإعلام من دون أن يتحول التنظيم نفسه إلى أداة تضييق على حرية الصحافة والتعبير؟.
فالقانون يفتح الباب أمام الاعتراف التشريعي بالإعلام الإلكتروني، وينص على إنشاء هيئة وطنية ناظمة، وينظم الملكية والتمويل وحق الرد والتصحيح وحماية سرية المصادر، لكنه في المقابل يضع أحكاماً جزائية مرتبطة بالمحتوى، بينها ما يتصل بالأخبار الكاذبة، وهي النقطة التي أثارت اعتراضات نقابية وقانونية وحقوقية.
وبذلك، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تنتهِ في قاعة مجلس النواب، بل انتقلت إلى مرحلة اختبار النص على الأرض: كيف ستطبَّق مواده؟ ومن يفسرها؟ وأين يقف الخط الفاصل بين الخطأ الصحفي والجريمة، وبين مكافحة التضليل وحماية حرية التعبير؟.
من إعلام الستينيات إلى عصر المنصات
المشكلة التي حاول القانون الجديد معالجتها عمرها سنوات طويلة.
فقانون المطبوعات الذي يعود إلى عام 1962 نشأ في بيئة إعلامية مختلفة جذرياً عن البيئة الحالية. لم تكن المواقع الإلكترونية موجودة، ولا وسائل التواصل الاجتماعي، ولا صناعة المحتوى الرقمي، ولا الخوارزميات، ولا أدوات إنتاج الصور والفيديو بواسطة الذكاء الاصطناعي.
أما اليوم، فقد أصبح الخبر يصل إلى الجمهور خلال ثوانٍ، ويمكن لمؤسسة إعلامية صغيرة أن تنافس مؤسسات تقليدية واسعة الانتشار، فيما باتت الحدود بين الصحافة المهنية وصناعة المحتوى أكثر تعقيداً.
من هذه الزاوية، يمثل إدخال الإعلام الإلكتروني إلى إطار تشريعي واضح أحد أبرز التحولات التي يحملها القانون الجديد، بعدما عملت المؤسسات الرقمية لسنوات في مساحة تشريعية لم تكن دائماً واضحة المعالم.
لكن الانتقال من “المنطقة الرمادية” إلى التنظيم القانوني يطرح سؤالاً موازياً: هل سيؤدي التنظيم إلى حماية الإعلام الرقمي، أم إلى زيادة القيود على العاملين فيه؟
الهيئة الوطنية للإعلام… تنظيم أم سلطة جديدة؟
من أبرز عناصر القانون استحداث هيئة وطنية للإعلام تتولى دوراً تنظيمياً في القطاع.
وهنا تبدأ إحدى أكثر النقاط حساسية، لأن نجاح أي هيئة ناظمة لا يرتبط فقط بالصلاحيات التي يمنحها القانون لها، بل أيضاً بضمان استقلاليتها ومعايير تعيين أعضائها وآليات مساءلتها وحدود تدخلها.
فوجود جهة تنظيمية قد يشكل خطوة ضرورية في سوق إعلامية متشعبة، خصوصاً في ملفات الملكية والتمويل والمعايير المهنية، لكن الخطر القانوني يبدأ عندما تصبح الصلاحيات قابلة لتفسيرات واسعة أو عندما لا تكون الحدود الفاصلة بين التنظيم والتدخل في المحتوى واضحة بما يكفي.
وبالتالي، فإن الاختبار الفعلي للهيئة لن يكون في قدرتها على “تنظيم الإعلام” فقط، بل في قدرتها على ممارسة هذا الدور من دون التأثير في استقلالية المؤسسات أو حرية الصحفيين.
الملكية والتمويل… معركة الشفافية والتعددية
ينظم القانون أيضاً جوانب مرتبطة بملكية المؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها، في محاولة لتعزيز الشفافية والحد من التمويل غير المعروف المصدر.
من حيث المبدأ، تبدو هذه الخطوة منسجمة مع الحاجة إلى معرفة من يملك المؤسسة الإعلامية ومن يمولها، خصوصاً في قطاع يمكن أن يتحول فيه النفوذ المالي إلى نفوذ على القرار التحريري.
لكن خبراء أبدوا، وفق ما نقلته “ميديا برس ليبانون”، مخاوف من أن تؤدي بعض ترتيبات الملكية والاستثمار إلى نتيجة معاكسة إذا لم تُضبط بصورة تمنع تركز الملكية في أيدي عدد محدود من المستثمرين.
وتبرز هنا معادلة دقيقة:
الشفافية مطلوبة، لكن التعددية الإعلامية تحتاج أيضاً إلى حماية.
فإذا أصبح السوق مفتوحاً بصورة تسمح للمؤسسات الأكبر بتعزيز سيطرتها على الإعلانات والتمويل، فقد تواجه المؤسسات الصغيرة تحديات أكبر في الاستمرار، الأمر الذي قد ينعكس في نهاية المطاف على تنوع الأصوات الإعلامية.
أما الاستثمارات الأجنبية، فتحتاج بدورها إلى قواعد واضحة تمنع استخدام تعدد الشركات أو الواجهات الاستثمارية للالتفاف على أي سقوف للملكية، وهي نقطة يرى خبراء أنها تستحق مزيداً من التدقيق التشريعي.
سرية المصادر… إحدى أهم الضمانات
في الجانب المقابل، يحمل القانون ضمانة أساسية للعمل الصحفي تتمثل في تعزيز حماية سرية المصادر.
وبحسب النص كما هو مطروح في المادة القانونية، لا تكون معرفة المصدر أمراً متاحاً بصورة مطلقة، بل ترتبط بحالات استثنائية وقرار قضائي معلل، وفق الشروط التي يحددها القانون.
وهذه النقطة ذات أهمية خاصة للصحافة الاستقصائية، لأن حماية المصدر تشكل في كثير من الملفات شرطاً أساسياً للوصول إلى معلومات قد تتعلق بالفساد أو سوء الإدارة أو مخالفات محتملة.
لكن الحماية الحقيقية لا تتوقف عند صياغة النص، بل تتعلق أيضاً بكيفية تفسير الاستثناءات القضائية وتطبيقها، بحيث لا تتحول الاستثناءات إلى قاعدة.
حق الرد والتصحيح… هل يكفي النص؟
يحاول القانون أيضاً وضع آلية أكثر وضوحاً لحق الرد والتصحيح، مع تحديد إجراءات ومهل للنشر وإمكانية اللجوء إلى القضاء المستعجل في حالات الامتناع.
وهو تطور مهم من الناحية القانونية، لأن التوازن بين حرية الصحافة وحقوق الأشخاص المتضررين من النشر يفترض وجود وسيلة فعالة لتصحيح المعلومات أو الرد عليها.
لكن الإشكالية التي تستحق النقاش لا تتعلق فقط بإلزام المؤسسة بنشر الرد، بل بكيفية نشره.
فهل سيكون الرد في الموقع أو المساحة أو التوقيت نفسه الذي ظهر فيه الخبر الأصلي؟ وهل سيحظى بمدى انتشار مماثل؟ وهل يكفي نشر التصحيح في مكان ثانوي بينما تكون المادة الأصلية قد حققت انتشاراً واسعاً؟
هذه أسئلة قد لا يحسمها النص وحده، وقد تحتاج إلى تفسير قضائي أو إلى آليات تطبيقية أكثر تفصيلاً.
المادة 104… نقطة الاشتباك الأساسية
في المقابل، يبدو أن المادة 104 تشكل إحدى أبرز نقاط الاعتراض النقابي.
فنقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزيف القصيفي، في حديث إلى “ميديا برس ليبانون”، يعتبر أن المادة تعيد العقوبات السالبة للحرية في قضايا مرتبطة بالعمل الصحفي، وهو ما يرى فيه اعتراضاً أساسياً على الصيغة التي أُقرت.
وبحسب القصيفي، فإن نقابتي الصحافة والمحررين شاركتا في مناقشة المشروع على مدى سنوات وقدمتا ملاحظات وتعديلات، إلا أن إقرار القانون بصيغته الحالية أثار اعتراضهما، خصوصاً لناحية مواد تتعلق بالهيئة الوطنية للإعلام وبالبنية النقابية.
ويشير إلى أن النقابتين تتجهان إلى المطالبة بإعادة النظر في القانون وتعديل بعض مواده، مع إبقاء خيار الطعن أمام المجلس الدستوري مطروحاً وفق المسار القانوني المتاح.
وهنا يجب التمييز قانونياً بين الاعتراض على النص وبين الحكم بعدم دستوريته: فصلاحية تقييم دستورية أي مادة تعود إلى المرجع الدستوري المختص، ولا يجوز التعامل مع موقف نقابي أو قانوني على أنه حكم قضائي نهائي.
الأخبار الكاذبة… أين تنتهي الصحافة وتبدأ الجريمة؟
هذه النقطة ربما تكون الأكثر حساسية في القانون الجديد.
فمواجهة الأخبار الكاذبة والتضليل الإعلامي أصبحت حاجة فعلية في زمن المنصات، خصوصاً عندما تتحول المعلومة غير الصحيحة إلى وسيلة للتحريض أو التشهير أو الإضرار بالأفراد أو المؤسسات أو الأمن العام.
لكن المشكلة القانونية تبدأ عندما تكون العبارات المستخدمة في النص قابلة لتفسيرات واسعة.
فالصحفي قد يرتكب خطأ مهنياً من دون قصد، وقد ينشر معلومة غير دقيقة اعتماداً على مصدر تبين لاحقاً أنه غير صحيح، بينما تختلف هذه الحالة جذرياً عن شخص يتعمد اختلاق معلومة ونشرها بهدف التضليل.
لذلك، فإن التفريق بين الخطأ غير المقصود والتضليل المتعمد يصبح مسألة جوهرية عند تطبيق القانون.
والأكثر حساسية هو استخدام العقوبات السالبة للحرية في هذا المجال، لأن التهديد بالعقوبة الجزائية قد يخلق، بحسب منتقدي النص، أثراً رادعاً يتجاوز الحالات التي تستهدف فعلاً التضليل المتعمد.
ومن الناحية القانونية والإعلامية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى الحاجة إلى العقوبة الجزائية، في مقابل اعتماد آليات مدنية أكثر ارتباطاً بالتعويض والتصحيح وسرعة معالجة الضرر، مع إبقاء التجريم محصوراً في الحالات التي تستوفي شروطاً واضحة ومحددة.
حرية التعبير في مواجهة خطاب الكراهية
لا يمكن تجاهل أن القانون يحاول معالجة ظاهرة أخرى فرضتها البيئة الرقمية: خطاب الكراهية والتحريض والمحتوى الضار.
وهنا أيضاً توجد معادلة شديدة الحساسية.
فالدولة مطالبة بحماية المجتمع من التحريض والعنف وخطاب الكراهية، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بعدم استخدام هذه العناوين لتقييد النقد السياسي أو الصحافة الاستقصائية أو الآراء المخالفة.
لذلك، فإن أي تطبيق متوازن يفترض وجود معايير محددة وقابلة للتوقع، بحيث يعرف الصحفي مسبقاً ما هو محظور وما هو مسموح، ولا يبقى مصير المادة الإعلامية رهناً بتفسير فضفاض.
الذكاء الاصطناعي… الثغرة التي سبقت التشريع؟
المفارقة أن القانون الذي يأتي لتنظيم الإعلام الرقمي لا يبدو أنه يقدم معالجة تفصيلية كافية لأحد أكبر تحديات المستقبل: الذكاء الاصطناعي.
اليوم، لم يعد التضليل مقتصراً على خبر مكتوب. يمكن إنتاج صورة مزيفة، أو تسجيل صوتي مركب، أو فيديو يظهر شخصية عامة وهي تقول ما لم تقله، خلال وقت قصير وبأدوات متاحة على نطاق واسع.
وهنا تظهر أسئلة تشريعية جديدة:
من يتحمل المسؤولية عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي؟.
هل يجب على المؤسسة الإعلامية الإفصاح عن استخدام هذه الأدوات؟.
كيف يتم التمييز بين مادة صحفية مولدة جزئياً بالذكاء الاصطناعي وبين “محتوى اصطناعي” هدفه التضليل؟.
ومن يتحمل المسؤولية عندما يعيد موقع إخباري نشر مادة مزيفة من دون أن يكون هو منتجها الأصلي؟.
هذه الأسئلة ستفرض نفسها على المشرّع اللبناني عاجلاً أم آجلاً، لأن التكنولوجيا تتقدم بسرعة أكبر من قدرة القوانين التقليدية على مواكبتها.
بين تحديث القانون واختبار الدولة
المفارقة الأساسية في قانون الإعلام الجديد أن كل طرف يستطيع أن يجد فيه ما يؤيد موقفه.
المؤيدون يرونه محاولة ضرورية لإنهاء فراغ تشريعي عمره عقود، وتنظيم الإعلام الإلكتروني، وتعزيز الشفافية وحماية المصادر وتنظيم حق الرد.
أما المنتقدون فيرون أن بعض المواد، ولا سيما الجزائية منها، قد تعيد إنتاج الضغوط على الصحافة تحت عناوين جديدة.
وبين الموقفين، لا تبدو المسألة مجرد خلاف تقني على مواد قانونية، بل اختباراً لطبيعة العلاقة التي يريدها لبنان بين الدولة والإعلام.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى إعلام صامت، والإعلام المهني لا يحتاج إلى غياب القانون. المطلوب هو قانون يضع قواعد واضحة، ويحمي الحقوق، ويحاسب على الضرر الحقيقي، من دون أن يجعل الصحفي يعمل تحت خوف دائم من العقوبة الجزائية.
القانون يبدأ بعد التصويت
إقرار القانون لا يعني أن معركة الإعلام انتهت، بل يعني أنها انتقلت إلى مرحلة أكثر أهمية: مرحلة التطبيق والتفسير والرقابة القضائية.
فالنصوص وحدها لا تصنع حرية الصحافة، كما أن غياب التنظيم لا يصنع إعلاماً مهنياً.
المعيار الحقيقي سيكون في كيفية تطبيق المواد المتعلقة بالأخبار الكاذبة، وحدود صلاحيات الهيئة الوطنية للإعلام، وحماية سرية المصادر، وفعالية حق الرد والتصحيح، وضمان التعددية في الملكية، والأهم في قدرة القضاء على حماية الحقوق والحريات في الوقت نفسه.
أما الذكاء الاصطناعي، فيبدو أنه يضع المشرّع أمام استحقاق جديد قبل أن يجف حبر القانون الحالي.
وعليه، فإن قانون الإعلام الجديد قد يكون بالفعل خطوة إلى الأمام في تحديث التشريع اللبناني، لكنه لن يصبح قانوناً عصرياً بالمعنى الكامل إلا إذا أثبت التطبيق أنه قادر على تحقيق المعادلة الأصعب: تنظيم الإعلام من دون تطويقه، ومكافحة التضليل من دون تجريم الخطأ الصحفي، وحماية المجتمع من دون التضحية بحرية الصحافة.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ قسم التحقيقات والتحليل



اترك تعليقًا