في إنصاف مقاربة جوزاف عون لإنقاذ «الوطن الصغير»


مقاربة رئاسية بين ثوابت السيادة، شبكة المصالح الدولية ورهان الدولة


ميديا برس ليبانون _ عبد الهادي محفوظ _ يحاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عبور لبنان إلى شاطئ الأمان في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً، داخلياً وإقليمياً ودولياً، من دون أن يستكين أمام صعوبة الطريق أو حجم التحديات التي تحيط بـ«الوطن الصغير».

ومن هذا المنطلق، فإن مقاربته لمسار المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية–الأميركية لا تبدو منفصلة عن مجموعة من الثوابت التي أعلنها بوضوح، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، وصون السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتحرير الأسرى، وحصر السلاح بيد الدولة.

هذه العناوين، في جوهرها، تتصل بقيام دولة لبنانية قادرة وعادلة، وهي ثوابت سبق أن رسم الرئيس عون خريطة طريقها السياسية في خطاب القسم، بما يجعل التعاطي معها جزءاً من مشروع متكامل لاستعادة الدولة لا مجرد عناوين تفاوضية ظرفية.

من «حافة الطريق» إلى قلب الاهتمام الدولي

ينبغي الاعتراف بأن لبنان كان، في مرحلة سابقة، أقرب إلى أن يكون متروكاً على «حافة الطريق»، وسط تراجع الاهتمام العربي والدولي بأزماته المتراكمة.

أما اليوم، فقد عاد لبنان إلى مساحة الاهتمام الدبلوماسي، وبات محط تفاعل بين عواصم مؤثرة، من واشنطن وباريس والرياض والقاهرة إلى طهران وأنقرة، وكل منها ينظر إلى موقعه ودوره من زاوية مصالحه الإقليمية والاستراتيجية.

ولا يمكن فصل ذلك عن الموقع الجيوسياسي للبنان، الذي يجعله عاملاً مؤثراً في معادلات الاستقرار الإقليمي كما في احتمالات التوتر والانفجار.

ويبدو أن الرئيس عون يدرك هذه المعادلة جيداً، ولذلك حاول التعامل مع أدوار العواصم المختلفة وفق ما يمكن أن تقدمه للبنان، مع إعطاء واشنطن موقعاً متقدماً في الحسابات، انطلاقاً من إدراكه لحجم قدرتها على ممارسة الضغط على إسرائيل، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالحدود والاعتداءات والسيادة اللبنانية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية المقاربة الرئاسية: استخدام شبكة العلاقات الدولية لمصلحة لبنان، من دون تحويل لبنان إلى ساحة نفوذ لأي محور أو عاصمة.

السعودية.. من التحفّظ إلى الشراكة

وفي موازاة المسار الأميركي والغربي، تبدو العلاقة مع المملكة العربية السعودية جزءاً أساسياً من الرؤية اللبنانية الجديدة.

فقد نجح الرئيس عون، وفق هذه المقاربة، في تجاوز مرحلة من التحفظ السعودي تجاه الأداء اللبناني، والدفع باتجاه مقاربة أكثر إيجابية تقوم على الشراكة الاقتصادية والمالية، وفتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، وتعزيز الانفتاح على مختلف المكونات اللبنانية.

والأهم أن هذا الانفتاح يعيد تثبيت البعد العربي للبنان، انطلاقاً من حقيقة أن «الوطن الصغير» لا يستطيع أن يعزل نفسه عن محيطه العربي، وأن امتداده الطبيعي هو إلى الداخل العربي الواسع.

حياد إيجابي في زمن المحاور

في الملفات الإقليمية الأكثر حساسية، تبدو مقاربة الرئيس عون قائمة على ما يمكن وصفه بـالحياد الإيجابي؛ أي عدم تحويل لبنان إلى طرف في صراعات المحاور، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى والدول المؤثرة.

وينطبق ذلك على علاقات لبنان مع تركيا واليونان، كما على العلاقة مع إيران وجيرانها الخليجيين، وعلى الحوار الداخلي اللبناني باعتباره الوسيلة الأكثر أماناً لمعالجة الخلافات ومنع الانزلاق إلى فتنة أهلية.

فالفتنة الداخلية، في بلد شديد الحساسية كلبنان، لا تهدد السلم الأهلي فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى مدخل لتوسيع التدخل الخارجي وإضعاف الدولة وإعادة إنتاج منطق الكانتونات والدويلات.

ومن هنا يأتي رفض أي صيغة تؤدي إلى تفتيت لبنان أو ضرب وحدته، بالتوازي مع إدراك الاستعصاءات التي تواجه المسار اللبناني–الإسرائيلي–الأميركي، خصوصاً في ضوء الانتخابات الإسرائيلية وحدود القدرة الأميركية على الضغط.

كذلك يدرك الرئيس عون تعقيدات المسار الأميركي–الإيراني، ولا يبدو رافضاً لأي مسار يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية للبنان، شرط ألا يكون ذلك على حساب الثوابت والسيادة والمصلحة الوطنية. وبعبارة أكثر اختصاراً: لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم.

الجيش.. الرهان على المؤسسة التي تحفظ الدولة

أما الرهان الداخلي الأبرز، فيبقى على المؤسسة العسكرية اللبنانية، باعتبارها إحدى المؤسسات التي حافظت على تماسك الدولة والمجتمع في أصعب المراحل.

ومن هنا تأتي أهمية التنسيق القائم بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، في ظل قيادة العماد رودولف هيكل، الذي يحرص على السلم الأهلي ويتعامل مع الملفات الحساسة بحذر محسوب، بعيداً عن المغامرة أو ردود الفعل غير المحسوبة.

وهذا الحذر ليس نقطة ضعف، بل عنصر قوة في مرحلة تحتاج إلى إدارة دقيقة للتوازنات الداخلية والخارجية، وإلى قرارات مدروسة تمنع الانزلاق إلى مواجهة لا يملك لبنان ترف تحمل نتائجها.

لبنان أمام مفترق.. والمسؤولية جماعية

لبنان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. والحفاظ عليه ليس مسؤولية الرئيس عون وحده، ولا مسؤولية السلطة وحدها، بل مهمة كل اللبنانيين، ومعهم المؤسسات الدستورية والعسكرية والأمنية والقوى السياسية والاجتماعية التي تدرك مخاطر المرحلة.

ومن هنا تصبح عملية إنصاف مقاربة الرئيس عون أكثر من ضرورة سياسية ووطنية، ليس من باب منح أي مسؤول حصانة من النقد أو تحويل الرئاسة إلى مساحة للتأييد المطلق، وإنما من باب قراءة الخيارات المطروحة بعيداً عن الأحكام المسبقة.

فالمرحلة لا تحتمل خطوات خاطئة قد تدفع «الوطن الصغير» نحو مسارات أكثر قتامة، ولا تحتمل في الوقت نفسه تفويت فرص قد تفتح أمامه أبواب الدعم العربي والدولي وإعادة بناء الدولة.

ويبقى الجنوب، ومن بوابة النبطية التي زارها الرئيس عون، في قلب هذه المقاربة، باعتباره عنواناً للسيادة والحدود والانسحاب وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، وبالتالي جزءاً أساسياً من مستقبل لبنان.

إن إنقاذ «الوطن الصغير» ليس مهمة فرد، لكنه يحتاج إلى قيادة تعرف كيف توازن بين الداخل والخارج، بين الثوابت والضرورات، وبين السيادة والواقعية السياسية.

وفي هذه اللحظة المفصلية، يبقى المطلوب أن يكون اللبنانيون جميعاً إلى جانب لبنان أولاً، وأن تُقاس المواقف بقدرتها على حماية الدولة ووحدتها وسيادتها، لا بمدى قربها أو بعدها من هذا المحور أو ذاك.

اعداد وتحرير؛ ميديا برس ليبانون _ قسم الآراء والتحليل


المقال المنشور يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يعكس بالضرورة موقف “الموقع”


Subscribe to my newsletter

اترك تعليقًا