التعليم أمن قومي.. مراد يضع التربية في قلب معركة بناء الدولة
ميديا برس ليبانون _ في وقت يواجه فيه لبنان أزمات متراكمة تتجاوز حدود الاقتصاد والسياسة إلى سؤال الدولة ودورها ومستقبل أجياله، يطرح رئيس لجنة التربية النيابية النائب حسن مراد عنوانًا يتجاوز الإطار التربوي التقليدي: «معركة السنوات المقبلة يجب أن تكون معركة التربية». وفي كلمة ألقاها خلال حفل تخرج الجامعة اللبنانية الدولية (LIU) في فرعي صور والنبطية، ربط مراد بين التعليم وبناء الدولة، معتبرًا أن المدرسة والجامعة ليستا مجرد مؤسستين لتلقين المعرفة، بل مساحة أساسية لتكوين المواطن وصياغة وعيه الوطني.
ومن الجنوب، الذي وصفه بأنه «أرض للأمل والعلم» وقلب لبنان، انتقل خطاب مراد إلى مجموعة واسعة من الملفات، من إعادة الإعمار والإنماء المتوازن، إلى تطبيق اتفاق الطائف وبناء دولة المواطنة، وصولًا إلى موقع لبنان العربي والقضية الفلسطينية والسيادة والاقتصاد والقضاء والإدارة. وبين هذه العناوين، بدا التعليم بالنسبة إليه أحد المداخل الأساسية لمعالجة جذور الأزمة اللبنانية، لا مجرد قطاع يحتاج إلى دعم مالي أو إصلاح إداري.
التربية كجزء من الأمن القومي
يضع مراد ملف التربية في موقع متقدم من أولويات المرحلة المقبلة، انطلاقًا من أن التعليم، وفق رؤيته، يشارك في تشكيل شخصية المواطن وطريقة تفكيره وعلاقته بالدولة والمجتمع. ومن هنا طرح ضرورة إقرار كتاب تاريخ وطني موحّد للبنانيين، في محاولة لمعالجة أحد الملفات التي لطالما ارتبطت بتعدد الروايات حول تاريخ لبنان وتباين مقاربات الأجيال له.
ويحمل هذا الطرح بُعدًا يتجاوز المناهج الدراسية نفسها؛ إذ يربط مراد بين المدرسة والجامعة وبين بناء مساحة وطنية مشتركة، بما يجعل التربية، في تصوره، جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الهوية الوطنية على قاعدة المواطنة والشراكة.
وفي هذا السياق، تكتسب الجامعات دورًا إضافيًا في زمن الأزمات، إذ يعتبر مراد أن الجامعة يمكن أن تكون «مساحة أمل»، وأن إعادة النهوض بالجنوب والنبطية لا تنفصل عن عودة التعليم والحياة الاقتصادية وخلق فرص العمل والاستثمار.
الجنوب بين إعادة الإعمار وحضور الدولة
لم يتعامل مراد مع الجنوب باعتباره ملفًا إنمائيًا منفصلًا عن الدولة، بل ربط إعادة إعماره بمفهوم الحضور المؤسساتي للدولة. فإعمار القرى، بحسب الطرح الذي قدّمه، لا يقتصر على إعادة بناء الحجر، وإنما يتطلب استعادة دورة الحياة الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
ويؤكد في هذا الإطار أن إعمار الجنوب يجب أن يترافق مع حضور الدولة في كل قرية، وتحويل المنطقة إلى مساحة للحياة والفرص والاستثمارات، بما يجعل الإنماء جزءًا من مقاربة الاستقرار، وليس مجرد استجابة مؤقتة لتداعيات الأزمات.
ومن هنا يأتي تأكيده أن إعمار الجنوب وكرامة أهله مسؤولية وطنية وحق للدولة، وليس منّة أو ثمنًا سياسيًا، في رسالة تربط الإنماء بمبدأ المساواة بين المواطنين والمناطق.
الطائف من الاتفاق إلى مشروع الدولة
سياسيًا، وضع مراد حديثه ضمن إطار اتفاق الطائف، معتبرًا أن التمسك به لا يكون بمجرد استحضار اسمه، بل بتطبيق مبادئه كاملة، بدءًا من تعزيز سلطة الدولة، مرورًا بالإنماء المتوازن والإصلاح السياسي، وصولًا إلى ترسيخ الشراكة الوطنية.
ويطرح مراد استكمال بناء الدولة على قاعدة الطائف، والانتقال تدريجيًا نحو دولة المواطنة، في مقاربة تربط الإصلاح السياسي بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
كما شدد على أن الدولة التي يدعو إليها يجب أن تقوم على الحقوق والواجبات، وعلى الشراكة بين المكونات اللبنانية، بعيدًا عن منطق الغلبة أو الإلغاء، معتبرًا أن التنوع اللبناني يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة إذا جرى إدخاله ضمن إطار دولة المؤسسات.
العروبة والسيادة والعلاقات العربية
وفي مقاربته لموقع لبنان الخارجي، أكد مراد أن عروبة لبنان جزء من هويته الدستورية والتاريخية، وربط استعادة دوره العربي بقدرته على استعادة موقعه الاقتصادي والثقافي والتعليمي في المنطقة.
ودعا إلى بناء العلاقات مع الدول العربية على أساس الأخوة والمصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، مع رفض تحويل لبنان إلى ساحة لصراعات الآخرين أو إلى مساحة للتبعية.
أما في الملف الفلسطيني، فأكد حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحريته وتقرير مصيره، رابطًا السلام العادل، وفق ما طرحه، بالحصول على الحقوق ورفض الاحتلال والعدوان.
وفي الشأن اللبناني، أكد رفض الاعتداءات على لبنان وأرضه وشعبه وسيادته، والتمسك بحق لبنان في حماية حدوده واستعادة أسراه وفق القوانين والأعراف الدولية، داعيًا إلى اعتماد معيار موحد يقوم على سيادة الدول وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي.
من حماية الأرض إلى تحرير الإنسان
يطرح مراد مفهومًا أوسع للأمن الوطني، لا يتوقف عند الحدود والأرض، بل يشمل الفقر والجهل والمحسوبية والطائفية واليأس. وفي هذه المعادلة، تصبح حماية الجنوب مرتبطة أيضًا ببناء دولة قادرة وعادلة، وتوفير التعليم الجيد والفرص الاقتصادية وتعزيز مؤسسات الدولة.
ويختصر هذا الطرح رؤيته للدولة في مجموعة عناصر مترابطة: دولة قانون ومؤسسات، قضاء مستقل، إدارة حديثة، اقتصاد منتج، تعليم جيد وجيش قوي.
وفي المقابل، يوجه انتقادًا واضحًا إلى التعامل مع الوظيفة العامة والنيابة والوزارة والقيادة باعتبارها مواقع نفوذ، مؤكدًا أن هذه المواقع مسؤوليات، وأن المال العام يجب ألا يكون مجالًا للهدر أو التقاسم السياسي، وأن الدولة ليست غنيمة تتقاسمها القوى السياسية.
مستقبل لبنان
من حفل تخرّج جامعي في الجنوب، وسّع حسن مراد دائرة النقاش من الشهادة الجامعية إلى سؤال الدولة ومستقبل لبنان. فالتربية، في رؤيته، ليست ملفًا خدماتيًا منفصلًا، بل مدخلًا لإعادة بناء المواطن والهوية الوطنية، فيما يشكل الإنماء المتوازن وحضور الدولة والإصلاح المؤسسي ركائز موازية لهذا المشروع.
ويبقى التحدي الأساسي في الانتقال من الخطاب إلى السياسات العامة القابلة للتنفيذ: كيف يتحول التعليم إلى أولوية فعلية في الموازنات والمناهج؟ وكيف يصبح الإنماء المتوازن ممارسة مؤسساتية؟ وكيف تُترجم دولة المواطنة إلى إصلاحات في الإدارة والقضاء والاقتصاد؟
بهذه الأسئلة، يضع مراد التربية في صلب معركة السنوات المقبلة، معتبرًا أن إعادة بناء لبنان لا تبدأ فقط من إعادة إعمار ما تهدّم، بل من بناء الإنسان الذي يستطيع أن يعيد بناء الدولة والوطن.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون _ القسم التربوي السياسي







اترك تعليقًا